لقاء خاص مع الناقد والمؤلف د. بسام خليل فرنجية..

* اهم من نقل الشعر العربي الى الانجليزية *

 

من النكبة ..الاقتلاع..المخيم الى ارقى الجامعات الامريكية.  اول من نقل قباني الى الانجليزية.. ومن أبدع في نقل البياتي، هاني الراهب، محود درويش، اميل حبيبي، حنا مينة، حليم بركات، السياب وقاسم حداد.. تظاهر طلاب واساتذة جامعة ييل الامريكية عندما قرر ترك الجامعة بعد 12 عاماً فقرر البقاء وكان قد حصل على جائزة افضل استاذ في جامعة ييل عام 2001. من اشهر مدرسي الادب العربي في امريكا على الاطلاق. اهم كورساته "فلسطين عبر القصيدة"..ازداد الاقبال على محاضراته بعد 11 سبتمبر..له عشرات المقالات الهامة والكتب التي حازت على اهتمام عربي وغربي.اهم اعماله المترجمة: حب موت ونفي للبياتي، قصائد حب عربية لنزار قباني،عام 2003 صدر له كتاب "بهجة الاكتشاف"  عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وهي رسائل قباني، البياتي والراهب له في معرض محاولة ترجمة ونشر اعمالهم والتي ربما اهم ما فيه عرض جانب خفي لهؤلاء الادباء ولمدى التعقيد في عملية الترجمة خاصة الادبية منها الى لغة اخرى.
حصل على البكالوريوس في الادب العربي من جامعة دمشق والماجستير والدكتوراة من جامعة جورجتاون الامريكية حيث درّس فيها عدة اعوام.
مع فرنجية كان لي هذا الحديث حول الشعر، الحب، المنفى، وفلسطين..

 نعرف الكثير عن بسام فرنجية في عالم نقل الادب العربي-ولا احب ان اسميها ترجمة ولا ان اسميك مترجماً- ولا نعرف تقريباً شيئاً خاصاً عنك. تفاجأت كما تفاجأ الكثيرون بأنك فلسطيني..كيف انتهيت الى المنفى؟


ج -  كنت اعيش في سوريا  في فترة خانقة جدا من تاريخها. وتعرضت كما تعرض كثيرون غيري لمضايقات اجهزة الاستخبارات. ان يكون الانسان موجودا في سوريا في خاصة في السبعينات والثمانينات يعني ان يعيش المواطن او المقيم حياة الذل اليومي والقمع اليومي. حتى الشياطين كانت تخاف المخابرات السورية. وكان من العار ان تعمل الدولة ضد مواطنيها الابرياء العـزل وان يتـفـنن رجال الامن بأساليبهم البوليسة الفهلوية في مضايقة المواطنين وقهرهم. فغاية الحكومة كانت السيطرة على المواطن وكسر شوكته. وهدفها الرئيسي كان تخويف الشعب وممارسة البلطجة على الناس، بينما ترحب الدولة بالأجانب وتسهل أعمالهم وتوفر الحماية لهم. و بينما اسرائيل تقع آمنة على بعد أميال من الحدود.

أعـشـق دمشـق وشغوف بالأدب السوري، وكنت من طليعة العرب في المنفى الذين درّسوا ونشروا في مجال الابداع الأدبي السوري. كتبت عن هذا الأدب وترجمت الأدباء السوريين الرائعين مثل حيدر حيدر و هاني الراهب و حنا مينا وآخرين. وكتبت عن الراحل محمد الماغوط ودرَّست أعماله وكذلك سليمان العيسى وآخرين. وسوف أتابع مساهماتي. أحب الأدباء السوريين الكبار. هؤلاء رجال نادرا ما تجدينهم، وان ذهبوا فـلـن يعود التاريخ بأمثالهم.

انت ابن لعائلة يافية  نزحت من فلسطين.. الوطن الاول..


ج. عائلتي سكنت في يافا كما ذكرت وهي عائلة يافاوية. كان ابي يعمل في البيارات. بيارات البرتقال. وكلما رأى برتقالة في الاسواق بعد النكبة كان يتحسر. كانت البرتقالة رمزا لوطنه الضائع، لعمله الضائع، لبيته الضائع، لهويـته الضائعة. وأقسم ألا يمسك أو يأكل برتقالا حتى يعود الى فلسطين. ومات والدي ولم يأكل البرتقال.  قبل أعوام شاهدت صدفة في الاسواق الامريكية برتقالا مستوردا من يافا. وقفت أتأمله. أمسكت البرتقالة. لها رائحة مميزة. شكل آخر يختلف عن البرتقال العادي. آه  لو يراها والدي.  قلت في نفسي.  لم اشتر منه. ولن آكله.  فتحت هذه البرتقالة التي رأيتها جراحاً فيَّّ.

 رجعت الى البيت بعدها واذ برسائل الكترونية كثيرة تدعو الى حضور محاضرة في الجامعة يشترك فيها مسؤولون في السلطة الفلسطينية ومسؤولون امريكيون لمناقشة خريطة الطريق وابعادها . وكان بودي ان ابكي. اي طريق واي طريقة يتحدثون عنها. هذه تجارة مربحة لا شك. باسم الشعب الفلسطيني. كله باسم الشعب الفلسطيني. ركوب الطائرات وليموزينات وفنادق درجة اولى..

أذكر عندما كنت صغيرا أن أبي واصدقاؤه كانوا يجتمعون ويستمعون للراديو مـساء ويناقشون قضية فلسطين. وكانوا دائما يغلقون الباب ويبعدون النساء والأطفال من اجتماعاتهم وكأنهم يناقشون أمرا خطيرا مما أثار اهتمام أمي. وكانوا دائما حسب قول أمي "معجوقـين مخـفوقـين" ومرة سألت أمي أبي:" أنتم معجوقين مخفوقين ليش، ايش في؟". ثم قالت له أخبرني: " أنا بدي أسمع نتيجة: يعني فـهِّـمني في فلسطين ولا ما فيش فلسطين؟" صمت والدي وغضب وقال: "ما فيش فلسطين". قالت:" طيب روحوا اجتمعوا يابا...اجتمعوا قد ما بدكم". كانت اجتماعات الفلسطينيين الغلابى وقتها " فـشـة قـلـب". كان يجتمع البسطاء والمنكوبين ليناقشوا أوضاعهم التعيسة. ولينفسوا عن أنفسهم مشاكل حياتهم المذلة التي وجدوا أنفسهم فيها عاجزين. وشتان ما بين اجتماعات اولئك الغلابى  البسطاء واجتماعات القيادات الفلسطينية عن أوسلو وما قبلها وما بعدها  أو اجتماعات خرائط الطريق.. هي اجتماعات ليست على الفاضي فقط بل هي تهدف الى التضليل.


كيف عشت  طفولتك؟


ج . لا أعرف عما أحدثك. ليس في طفولتي ما هو ممتع للسماع.
طفولتي لا تختلف عن طفولة اي طفل فلسطيني لاجىء. سـكـن المخيمات .أما  "الميسورون" من الفلسطينيين فلم يذهبوا الى المخيمات. ذهبوا الى اماكن أخرى وعاشوا مرتاحين وارسلوا أبناءهم الى الجامعات الامريكية في القاهرة وبيروت وعواصم أخرى كما ارسلوا ابناءهم الى امريكا واوروبا ليدرسوا في جامعات عريقة. وباتوا يشكلون الطبقة الفلسطينية البرجوازية المثقفة والمتعالية . كل هؤلاء لم يسكنوا المخيمات ولا يعرفون حقيقة آلام الشعب الفلسطيني بل ان بعضهم مارس سلطة ثقافية فوقية متعالية على بني جلدتهم . هل سمعت ان ايا منهم صار شهيدا او قاتل او قدم تضحيات من اجل فلسطين ؟ هل سمعت غير المحاضرات يلقونها ببزات فاخرة؟ والغلابى يصفقون لهم!
 هم وعائلاتهم استفادوا من وضعهم المادي والاقتصادي المتميز في الحصول على ثقافة ممتازة وعاشوا في مجتمعات متقدمة متميزة بينما عاش مواطنوهم  ولايزالون يعيشون في المخيمات او في اوضاع لاتتوفر فيها أدنى ضرورات الحياة من الطعام والرعاية الصحية. ان دخول بعضهم في قضية فلسطين جاء رومانسية وادعاء منهم ليمارسوا سلطة فوقية ليس الا. ان طفلا واحدا فقيرا في شوارع غــزة وحجرا واحـدا يحمله يسـاوي كل الطبقة الفلسطينية المثقفة المتعالية .
لقد قام اطفال غزة بتعرية الاشياء. كل شيء بات هزيلا مزيفا امام حجارة الاطفال الفلسطينيين الفقراء.  كل النظريات الاكاديمية باتت ضعيفة. مملة. لا قيمة لها وسقطت. المحاضرات سقطت. المحاضرات اصبحت عاجزة ونزلت الى مرحلة الدونية. كلها عجزت من الوصول الى مستوى طفل فلسطيني يحمل بيده حجرا.   

 هذه الفرصة توفرت للطبقة البورجوازية فقط وجاءت نتيجة انتسابهم لطبقة مادية ميسورة. وهذه الفرصة نفسها لم تتوفر للشعب الفلسطيني الذي يعيش في الخيام. وما قلته عن بورجوازية الطبقة المثقفة ينطبق كذلك على (العائلات الفلسطينية البورجوازية ذات الاعمال التجارية الكبرى، وهي كثيرة)  الذين سكنوا بعد النكبة في فنادق من الدرجة الاولى و فتحوا شركات ومقاولات في عواصم عربية واجنبية وصار بعضهم يملك ملايين الدولارات. وانسلخوا عن القضية الحقيقية في مراحلها الهامة.  وساهموا لاحقا في صناعة خرائط للطريق لغيرهم من الفلسطينيين. اذ انهم هم انفسهم لن يعودوا. فشركاتهم وقصورهم لاتـتـسـع لها غـزة ولا الضفـة. 

كيف تركت فلسطين؟

ج .  ما كنت مولودا يومها. لا أدر كيف حصلت الامور. ما فهمته ان  والدي ما أراد ان يترك. لكن والدتي سمعت ان البيوت في حارة أخرى تهدمت فوق رؤوس اهلها. الناس هربت. فوضى وقلائل وطوابير خامسة وعملاء ينتشرون بين السكان يخوفون الناس مما هو أعظم.  قنابل ترمى على البيوت. جاءت الوعود من القادة العرب مدروسة بخطة مسبقة: ارحلوا لمدة خمسة عشر يوما وخذوا مفاتيح بيتوتكم معكم.  وسنحررها لكم. وأنت تعرفين بقية القصة.
كالأغنام، قالوا لي، استقلوا شاحنة نقل مكتظة بالناس و بعد ساعات ا ُسْـقِـطـُـوا في مخيم في الاردن. تحولوا خلال ساعات الى لاجئين.. وبدأ الذل يكبر ويتنامى ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم. صاروا لاجئين كآلاف الناس. كان الناس يتشاطرون الخيام وكثيرا ما سمعـت أمي تقول حين تذكر بعض الناس الذين تعرفهم "كانوا جيراننا في الخيمة". طبعا ليس هناك عمل في المخيمات إلا ابتلاع الذل. كان عملا شاقا ان يجلس الانسان مع عائلته يحاول ابتلاع الذل.

 بقي اهلي في المخيم سنتين على الاقل. ذهبوا لى مخيم آخر في لبنان، بحث والدي عن عمل. لم يوفق. تركوا الى دمشق. وجد عملا (مياومة) اي حسب الظروف. يوم يعمل ويوم لا. عدة سنوات هكذا. ثم وجد عملا في مدينة القنيطرة في هضبة الجولان. انتقلت العائلة الى القنيطرة.  لم يكن في القنيطرة مكتبة واحدة. ولامتنفس. استطاع والدي ان يستأجر بيتا متواضعا. راتب الوالد كان ضئيلا وبالكاد كنا ندبر امور معيشتنا وحياتنا.

متى تركت القنيطرة؟


ج. سقطت القنيطرة عام 1967  بسرعة هائلة. امست مدينة اشباح خلال أيام. انسحبت الوحدات العسكرية والمخابراتية. أجهزة الدولة كلها انسحبت، وتركت الشعب وراءها. أهل المدينة كانوا آخر من تركها. والرحيل من المدينة  كان على حساب الناس. " دبر حالك" كانت نصائح الدولة.  لم نغادر الا في اليوم السادس. لم يبق فيها مسؤول واحد.  الوجود الحكومي والعسكري كله تلاشــى. المدينة خالية.
تركنا الى دمشق في 10حزيران وكانت الحرب التي بدأت في 5 حزيران قد انتهت وخلصت. عندما سُـمِعْـتُ في دمشق أقول لصديق  لي ان الخروج من القنيطرة كان خطأ. وكان يجب ان نبقى، حضرت في اليوم التالي مجموعة من عناصر المخابرات و أخذوني للتحقيق...
الذين هاجروا من القنيطرة صار اسمهم نازحين اما الذين هاجروا من  فلسطين عام 1948 فاسمهم لاجئون. كانت أمي وحتى يوم مماتها تقول:"ياما كنا لاجئين وصرنا نازحين. خربوا بيوتنا. الله يخرب بيتهم". انتهينا الى السكن في مدارس حكومية. اذ كانت المدارس مغلقة. و أعطوا كل عائلة غرفة في المدرسة او وضعوا عدة عائلات في غرفة واحدة، حسب الظروف. وزعوا علينا الفراش والبطانيات. وكنا نقوم بتجميع الكراسي المدرسية ونكومها في نصف الغرفة المخصصة لنا ونستعمل النصف الآخر من الغرفة لنسكن فيه. في المساء نفرش على الارض وننام. وفي الصباح نرفع الفرش فوق الكراسي ونحول نصف الغرفة  اياها الى غرفة جلوس واستقبال. ودبرنا حالنا في صنع الشاي حين يأتي نازحون من غرفة أخرى لزيارتنا. كنا نستـمع للراديو يـقول: " لقد انتصرت ارادة الشعب العربي. وفشلت اسرائيل في حربها. كان هدف اسرائيل اسقاط الانظمة العربية التقدمية لكنها باءت بالفشل" في  نهاية الصيف تركنا المدارس. لان المدارس ستفتح ابوابها للطلاب قريبا.  ورحلنا. و دبرنا حالنا.!

لماذا اتجهت في الاصل الى دراسة الادب العربي وكيف تحولت الى "الترجمة"؟

ج. انا تخرجت في جامعة دمشق في الادب العربي. وحين حضرت الى امريكا قلت يجب ان اعرف الامريكيين بالأدب العربي فترجمت رواية واحدة وبعض الأشعار. لم اعلم وقتها ان هذا سيفتح علي ابوابا يصعب اغلاقها. لم اكن اعلم وقتها ان الناس متعطشون لهذا الحقل اي حقل الترجمة، فسرعان ما انهالت علي الرسائل والاتصالات تريدني ان اترجم المزيد وتحت ضغوط شخصية وودية دخلت في حقل لا اريد الدخول فيه، ولسبب لا اعرفه اصبح اسمي مرتبط بالترجمة، و صار الناس يقدموني كمترجم. وحقيقة هذا لا يعكس الواقع. فأنا ادرّس في الجامعة ، وأكتب نقدا ودراسات بالعربية والانكليزية ولي بعض الكتب منها الاغتراب في الرواية الفلسطينية وانطولوجيا الثقافة العربية الذي يدرّس في العديد من الجامعات الامريكية وكتبت الاديبة غادة السمان مراجعة شاملة لهذا الكتاب في الحوادث مؤخرا. وربما القول العربي (من اكثر من شيء عرف به) قد ينطبق علي. فقد اكثرت من نشر الترجمات اكثر من المواضيع الأخرى لذا عرفت بالمترجم وحقيقة انا لا اشعـر ان هذه الكلمة دقيقة تماما في انطباقها علي.

*اعترض مرة الناقد العراقي د.علي قاسمي على ترجمتك عنوان كتاب البياتي"حب موت ومنفى" الى انك وضعت كلمة المنفى قبل الموت..لكنه تدارك..الى أي مدى المنفى اقسى من الموت؟ والى مدى رأيت المنفى داخل النفس ايضاً وليس فقط حدود المكان كما عند البياتي؟؟

ج. كثيرون هم الذين انتقدوا العنوان. لكني قصدته: الحلقة غير مغلقة. لايمكن ان تكون مغلقة. الموت ليس نهاية. الموت صيرورة تنتهي بالنفي الابدي. لذا لايمكن ان يكون الموت نهاية. وحقيقة الامر ان النفي اشــد من الموت بألف مرة. ان اصعب عقوبة في الحياة هي عقوبة النفي . ان خروج الانسان الى المنفى دونما أمـل في العودة هو ان يموت الانسـان في كل يوم. . ان النفي القسري اشد ايلاما من الموت.. وليت الحيـاة تنتهي بالانسان الى الموت، لأنه موت لمرة واحدة. ان المنفي فإنه يعيـش مـوتاً أبـديـاً.

*احببتُ جداً نقلك للبياتي..في أي " ترجمة" قمت بها شعرت انك اقتربت اكثر الى النص الاصلي؟

ج. حقيقة ان شعر البياتي قابل للترجمة وهو يتحدث عن مواضيع كونية ومستمدة من التراث العربي في الوقت نفسه. فيه سلاسة ووضوح سهلا عملية الترجمة. هذا ساعدني على اعادة خلق النص الشعري الانكليزي بنفس حرارة النص العربي.  بعض الشعر تصعب ترجمته ولو كانت لغته سهلة وبعضه تسهل ترجمته ولو كانت لغته صعبة. هناك شعر قابل جدا  للترجمة وآخر غير قابل . 

*ما الامور التي يجب ان تتوفر في الشخص ليصبح "مترجماً" جيداً؟

ج. أولا: ان يعرف اللغتين وثانيا ان يملك درجة من الشاعرية و درجة من الحس النقدي وثالثا ان يتحمل العمل لساعات طويلة وايام طويلة، كلها او معظمها على حسابه الشخصي. الترجمات التي قمت بها كلها كانت مجانا ولم اكسب قرشا من أحد. غباء تقولين؟ لا ألومنـَّكِ!

*ذكرت لي زيارتك الخاطفة الى مدينتك يافا في يوم حزين.. ماذا تعني لك يافا وماذا تعني فلسطين..

ج . كنت أشارك في مؤتمر عن اللغويات في الأردن. انتهزت الفرصة القصيرة تلك وقطعت الجسرالى فلسطين. يافا هي بلدة أهلي التى لا أعرفها. بعد الجسر لم أعرف ما أفعل. بدأت أنظر الى التراب والشجيرات. هذه اذن فلسطين الوطن. شعرت بقشعـريرة ورجفة. هذه هي الأرض التي انتمي اليها اذن. بدا كل شبر فيها مقدسا. حتى الرمال رأيتها مقدسة.   واخذت سيارة اجرة الى يافا وبقيت فيها  لعدة ساعات في حارة واحدة هي حارة العجمي مسقط رأس والدي رحمهما الله. وكم سمعت عن العجمي من والدي . ليتني أستطيع ان أخبر الوالدين بأنني شاهدت الارض التي حلما بالعودة اليها طوال حياتهما. مررت في الشوارع غريبا.  كانت الحارة مقفرة. فكرت بمفتاح البيت الذي احتفظت به امي حتى ساعة مماتها. سألت امرأة عجوز شاهدتها واقفة امام بيتها في الحارة ان كانت تعرف والدي قالت نعم. وقالت انها تعرف بيتنا. واشارت اليه. البيت كان مهجورا. متآكلا. شبابيكه مكسرة. حيطانه خربانة. لا فرش فيه. لا أحد. الباب مغلق. لم أدخل.لم استطع التحدث مع السيدة العجوز. كانت بالكاد تتكلم وتسير.  " لماذا تركا الأرض" ؟ قالتها بصوت متقطع فيه حزن ومرارة وعتاب. كانت تعـاتبني. وتابعت: "كان عليهما الا يغادرا".. شعرت بكلماتها تدخل أعماقي كالخنجر. وكأني أصبت بضربة بليغة في رأسي، كــد ت أقع على الأرض. شعرت بالخيانة. شعرت أني خنت وطني. وان أهلي خانوا وطنهم.  كيف يمكن للمرء ان يترك أرضه حقا؟ مهما كانت الظروف كان على والديَّ ان يبقيا في الارض وان يموتا فيها. كان على الشعب ان يبقى. البقاء هوالثبات في الأرض وهو المقاومة الحقيقية التي كانت الطريقة الوحيدة لتحرير الوطن. كان اللجوء خطأ لا يغـتفر. اللجوء يعني الذل والبقاء يعني البطولة. لكنك تعرفين قصة الغدر التي أصابت الفلسطينيين.

* يقال انك افضل استاذ قدّم فلسطين عبر القصيدة.. ما سر هذا النجاح والاقبال على محاضراتك..

ج. في الحقيقة كنت اقدم فلسطين في الشعر لأني لا استطيع ان اقدمها في الواقع. كلنا نقدم فلسطين شعرا اليوم. صارت فلسطين أغنية. يبكيها الشعب رومانسيا. فبكيتها رومانسيا مع الباكين. وربما كان حبي للموضوع أعطى الناس فكرة اني ناجح.. لا أعتقد اني بارع. قلة الذين يدرّسون الموضوع بحب وحنين جعلتـني ابدو جيدا.

 

*من هم المهتمين في امريكا بالشعر العربي؟

ج. قلائل. بعض الاساتذة والطلبة واعدادهم قليلة.

*كنت ممن وقعوا على عريضة ضد دخول امريكا غزو العراق مع الكثير من الاسماء كسحر خليفة واسعد ابوخليل وسماح ادريس..كيف ترى العمل السياسي من داخل الادب..والقصيدة والترجمة..

ج. اعتراضات نابعة من القلب مصبوبة على الورق.  ولكن لو وقف رئيس عربي واحد شريف واعترض  على الحرب لكان هذا أقوى وأنجع وأقوى. لو اقفلت دولة عربية واحدة القواعد العسكرية الامريكية المستخدمة لشن الحرب على العراق لكان هذا أجدى. لو قالت دولة عربية واحدة: لا، لكان هذا أجدى. كانت العرائض تكتب ضد الحرب في الوقت الذي كانت فيه الحكومات العربية تتراكض لتوفر الامداد والامن للقوات الامريكية وتساعدها في ضرب العراق.

يعتقد الكثيرون انك لبناني ولست فلسطينيا بسبب اسم عائلتك، كيف تعلق؟

ج. انا فلسطيني. وأنا فخور بفلسطينيتي. و يصنـفـني الذين لا يعرفوني على اني لبناني. وهذا ببساطة مرده الى شهرة عائلة فرنجية اللبنانية عربيا. فكان هناك رئيس في لبنان من هذه العائلة والعائلة اللبنانية تشكل كتلة سياسية معروفة  في لبنان والاسم يكرر في الصحف والفضائيات. هذا من جهة، من جهة أخرى عائلة فرنجية الفلسطينية والتي انا منها هي صغيرة جدا ولم يخرج منها كاتب او شاعر او مفكر. اذن هي مغمورة. ولذا لم يسمع أحد بها عربيا ولا حتى فلسطينيا.  حتى انا لم اسمع بها. لكني منها.  عائلتي تركت يافا الى عمان ثم بيروت ثم دمشق. انا ولدت في المنفى. والدي كان يبحث عن عمل، بعد سنوات وجد عملا في دمشق. كنا نأكل فتتة الخبز مع الشاي والسكر. والعائلة كلها تسكن في غرفة واحدة. ولا زال الناس يسألونني ان كنت ابن عم رئيس لبنان! وبعض الناس يسعى للتعرف الي ظنا منهم انني من عائلة فرنجية اللبنانية، واني ابن عم الرئيس. وحين اقول لهم القصة فانهم يفقدون حماسهم ويصابون بخيبة أمل. ولايرغـبون في التعامل معي بعدها.  فلم أعد مهما لهم. وحقيقة اريد ان اكون، كما أنا هو، ابن المخيمات وليس ابن القصور. وكنت لا أرتاح ولا أحب المواقف السياسية للعائلة اللبنانية واليوم تغير الموقف السياسي للعائلة اللبنانية. زعيم العائلة الحالي الشاب سليمان فرنجية  له مواقف وطنية مشرفة وهو يلتقي مع الخط  العروبي الوطني الذي ينتهجه حزب الله اللبناني ومع السياسة العربية القومية. وآمل ان يستمر في هذا الموقف.

احسست احياناً بعدم الراحة في كتابك بهجة الاكتشاف بالذات في رسائل هاني الراهب واستنجاده في طلب المساعدة لنشر اعماله الاكاديمية.رغم اهمية نقل هموم الكاتب المبدع الذي يتعرض الى ضغوطات الحياة والطرد والنفي لم ارتح لهذا الالحاح..ماذا تقول عن ذلك..

ج. هاني الراهب كان مضطهدا. مقهورا. مظلوما. كان الراهب يطلب مساعدة اشخاص مقربين اليه وفي مواقع المسؤ,لية وكانوا قادرين على مساعدته لو أرادوا. جاء يقصدهم. لقد خذلوه حقا. قالها لي بصراحة وشاهدتها بأم عيني. خذله أصدقاؤه في أمريكا. كان يعرفهم منذ نعومة أظفاره. حورب في لقمة عيشه. وفي سوريا. جاء أصدقاءه في أمريكا لينجدوه.  لم ينفعه أحد. اضطر ان يطلب مني. وكان يعرف انه يستغيث. يختنق.  وهو يعرف هذا. اصرَّ على ان يكرمني وان يشتري لي شريحة لحم بعد أن اوصلته الى المطار بسيارتي. سمعت بعدها بفترة ان السرطان التهمه بسبب حالة القهر التي كان يعانيها. مات. بكيته بمرارة. و كتبت عدة مقالات عنه. وهذا اضعف الايمان.

ما اصعب ما تعرضت اليه في عملية الترجمة؟

ج. تعرضت باسهاب لهذا الموضوع في مقدمة كتاب: رسائل نزار قباني وعبد الوهاب البياتي وهاني الراهب الى بسام فرنجية. منشورات ماهر الكيالي، عمان. اول الامور غلاظة وحزنا  ان بعض الكتاب العرب وليس جميعهم بالطبع لا يستوعب مدى الصعوبات التي يقوم بها المترجم. فالمترجم يترجم وينشر للكاتب كتابا مترجما له في امريكا بعد شق النفس. الكاتب لايقدر هذا وهو يعتقد ان المترجم موظفا عنده. علما بان الكاتب لايدفع للمترجم شيئا. لكنه يسأل عن ارباحه سلفا. اليك مثالا: كنت ترجمت كتابا لنزار قباني بعد مشاورات طويلة معه. عذبني في الاختيارات. يريد هذا ولا يوافق على ذاك. وكل مرة يقول لي انه سيعرض الترجمة على اصدقائه في "اكسفورد" وكان حقيقة يتبجح كثيرا باصدقائه الاكسفورديين. ولمعلوماتك  هؤلاء لم ينفعـوه ولم يقوموا بترجمة اي كتاب شعري له  طوال خمسين سنة من  صداقتهم له (اذ ان كتابي عنه هو اول كتاب بالانكليزية ) فأصدقاؤه الاكسفوريون الذي كان دائم التحدث عنهم لم ينتجوا له كتابا واحدا على مـر السنين، حتى جاء المسكين بسام ابن خليل ابن المخيمات يريد ان يعرف الامريكيين بشعـرنـزار قباني.  هذه كانت كلها عذابات بلا اجر، وبعده قال لي ان الاكسفورديين ،وافقوا على ترجمتي  بعد ان قرأوها قراءة متمعنة. بعدها طلب مني قباني ان اجد ناشرا في امريكا للكتاب اياه. فقد وقف دور الاكسفورديين عند القراءة أما عند النشر فهو واجبي. أرسلت الكتاب الى دور نشر عدة. لكـن دور النشر الامريكية رفضت نشرالكتاب (غيرعابئيـن بموافقة الاكسفورديين).  لانهم لم يعرفوا من هو قباني ولم يعجبهم شعره. رغم انهم اثنوا كثيرا على ترجمتي ولكنهم لم يحبوا عنتريات نزار في صناعة البيوت والقصور من حلمات النساء المترامكة. ولم يعجبهم ان هذه الحلمات ما كان لها ان تستدير وتتورد لولاه. ولم يعجبهم كلامه انه لو لم يلمس المرأة ويقبلها ويعجنها  لما كانت ستعرف يوما نعمة اللمس والقبل..الخ.  اذن، رفض الكتاب اكثر من مرة. طبعا المترجم هو الذي يراسل دور النشر ويكتب معلومات عن الشاعر ويشرح مكانته ودوره في الشعر المعاصر..الخ . وما هي اسهاماته ومكانته. ثم يرسلها بالبريد المسجل..الخ. الكاتب لايريد ان يعرف هذه الاعباء التي يقوم بها المترجم مجانا خدمة للكتاب.. والشاعر لا يريد ان يعرف ان المترجم لي موظفا مجانيا له. وان المترجم هذا عنده هموم أخرى غير أمور الترجمة وملاحقة أمور نشرها بنفسه. وان المترجم عنده اعمال وأعباء أخرى أهمها أن يوفر لنفسه  لقمة عيشه وحيدا في مجتمع امريكي قاس. المهم بعد محاولات عديدة وعناء خرج الكتاب الى الناس.  انا اعطيك مثالا واحدا فقط.  و رغم هذا كان نزار مهذبا ورقيقا حقيقة، ولو حكيت لك بعض القصص المؤلمة مع كتاب آخرين، منهم كاتب مصري، لبكيت. ويجب ان أقول انصافا ان حنا مينه وحيدر حيدر وعبد الرحمن منيف على سبيل المثال، كانوا من انبل الشخصيات التي تعاملت معها. وانا أعتز وأفتخر بصداقاتهم التي هي صداقة الرجال الحقيقيين.

هل لك ان تعطيني فكرة عن دور النشر الامريكية مقارنة بدور النشر العربية؟

ج. هناك ولا شك دور نشرعملاقة وهي غاية فى الاحترام و كثيرة. الاعمال الاكاديمية والكتب المترجمة شعرا ورواية من الافضل ان تنشر في دور نشـرمرموقة او تابعة لجامعات امريكية محترمة. الادب العربي لم يكن مرغوبا جدا طيلة السنين السابقة وليس من السهولة الشديدة ايجاد ناشر لهذا الادب. لذا لابد من محاولات نشره في دور تهتم بأدب العالم العربي اوأدب العالم الثالث أو غيرها.  دور النشر ما لم تكـن دورا محترمة مثل الدور الكبيرة التي لها سمعة طيبية ومصداقية أو دور نـشر جامعية فهي تسرق لامحالة. السرقة واللطش موجودان في كل مكان. عندنا في العالم العربي دور نشر محترمة على سبيل المثال دار الطليعة التي هي غاية في الاحترام  وكذلك مركز دراسات الوحده العربية وغيرها. وهناك دورطبعا تلطش أرباح المؤلف ولاتعطي شيئا للمؤلف. بل تأخذ الدار من البعض دفعة مالية مسبقة وتعطي المؤلف عشرين كتابا أجرا. وهذا كل شيء . كتبت مـرّة عن أحد الناشرين العرب انه راع للفكر العربي. كنت مضللا آنذاك . كانت كلماتي عنه خاطئة. قال لي الكثيرون بعدها ان كلمتي عنه ليست بمحلها، وقد عاتبني عليها آخرون كثيرون. ولكني حين كتبتها كنت لا أعرف الحقيقة.

لماذا اخترت ما اخترت وهل تختار القصيدة اولاً ام الشاعر؟


ج. أختار الشاعر اولا ثم اختار القصائد من شعره. ولكن هذه ليست هي الطريقة الصحيحة ولكني تعودت ان افعل ذلك.

لماذا المرأة الشاعرة\الروائية غائبة تقريباً عن اعمالك؟


ج.  المرأة الشاعرة\الروائية ليست غائبة. هي في القلب. غيابها نقص كبير في أعمالي. و صدقيني ان التعامل مع الكاتبة العربية هو احسن من التعاون مع الكاتب العربي. أنا أكن للشاعرات والروائيات العربيات كل الحب و التقدير والاحترام، وأعترف بتقصيري تجاههن، و سأكتب عنهن وأدخل أعمالهن في المستقبل القريب.

 

هل تعتقد ان جمالية القصيدة كافية لحثك على هذا العمل المضني ام انك تهتم في تقديم العمل السياسي في القصيدة؟


ج. الجمال اهم من السياسة في الادب. ولكن الادب العربي كله مسيس. وانا مع هذا التسييس. خاصة في هذه المرحلة من التاريخ. كل المبدعين يجب ان يساهموا. عندنا مشاكل كثيرة ولا بد أن يتحدث عنها الادباء.

يقال عادة ان الناقد هو شاعر فاشل..

ج.  هذا القول ليس صحيحا. هذه دعابة تقال للتواضع.  وكلمات يرددها النقاد اما تواضعا او على الأغلب غرورا.  الناقـد هو مبدع. وابداع الناقد هو شرط أساسي لابداع الشاعر او الروائي. الناقد مثل  الشاعر. كلاهما مبدع. الشعراء يتعلمون كثيرا من النقاد ويخافون منهم. ولولا النقد الجيد لما تحسن مستوى الشعر. الشعر بلا نقد لا قيمة لــه أبدا. تصوري طباخا يطبخ ولا ناقد يثني عليه اوينتقده. الناقد هو الذي يقول له ان طعامك بلا ملح او محروق قليلا؟  . اذن لا قيمة لذاك الطبخ بلا آكل له. اما ان يكون الآكل نفسه متذوقا وفنانا فهذا ليس ضروريا فقط بل هو واجب ويزيد الطعام لذة ويضفي عليه جمالا. 

اين يكون التحدي اكبر في ترجمة القصيدة ام الرواية..

ج. كلاهما أدب. كلاهما تحد. كلاهمها شاق.

ما هو مشروع الترجمة الذي تحلم بانجازه؟

ج. من اجل مشروع ترجمة لا بد من وجود مشروع دعمي اولا لهذه الترجمة. اذا توفرت الامكانيات اللازمة، هناك أشياء كثيرة احلم بانجازها. منذ بدأت الترجمة وأنا اتكلم عن ضرورة ايجاد مشروع لدعم الترجمة. وحين يتوفر ستكون هناك مشاريع كثيرة جدا لترجمة الشعر والرواية والتراث. ولكن اطمئني لن يكون هناك دعم ولا مشاريع.

قرأت مؤخراً عن ان احدى ترجمات مقدمة ابن خلدون الى الانجليزية سيئة..هل فكرت بترجمة هذا النص الطويل الهام؟؟

ج.  اذا توفر المشروع فترجمة المقدمة ضرورة هامة ضمن ضرورات أخرى لا بد منها. 

ما رأيك بحق العودة..واوسلو.

ج. أوسلو حطمت كل النضال الفلسطيني وأحبطت طموحات الشعب الفلسطيني. هي عملية يائسة وبائسة معا.  خربت كل شيء. لن تكون هناك عودة. أنا متشائم جدا. الامر يحتاج الى خمسين سنة أخرى لتسويته.

ماذا يعني لك الانتماء الى المكان؟؟والى اين تشعر انك تنتمي بعد حوالي ثلاثين عاماً  في امريكا؟

ج .اشعر بالاقتلاع. كغصن مرمي من شجرة. مرمي بعيدا عن الجذر والاصول. بعد ثلاثين عاما في المنفى. تفقد الاشياء دلالتها. يفقد كل شيء معناه. المكان بات سرابا. الارض باتت هشة. دخلت في انفاق لا أعرف كيف أخرج منها. عشقت الوطن حتى الثمالة. اجهزة المخابرات العربية جعلت منفاي وطنا دائما. أحدثت شرخا في الصميم. فلا نحن مع هؤلاء ولا مع اولئك. حتى عندما أسافر الى الوطن العربي يشكون بنا في المطارات. يشكون بنا، نحن المنفيين. بينما ترحب سلطات المطارات العربية بكل من هو أشقر وبالعيون الزرق والخضرمن الاجانب ويرحبون بكل انواع جوازات السفر الاجنبية، إلا نحن.  نحن العرب المنفيين نجد معاملة سـيئة، أشـكالنا العربية  لاتبعث على الاحترام. وجوازات سفرنا الأجنبية لا تلق نفس احترام جوازات الاجانب. وكأننا حضرنا لأمر ما  غير ما ندعيه! او ظننا منهم اننا جواسيس للمخابرات الامريكية. والمضحك ان بعضا من هذه الدول على علاقة حميمة مع امريكا على كافة المستويات السياسية والعسكرية والتنسيقية والتدريبية والشخصية، ويوجد فيها قواعد امريكية أوجيوش امريكية او مكاتب أمريكية .  لا يشـعـر المـرء بالارتيـاح وهو يـزور وطنه الام. الوطن يشكك فيه. يتهمه بالعمالة. الوطن يرفضه. الوطن يفضِّـل الأجنبي عليه. الوطـن يخونـه.

المفارقة المؤلمة هي ان هذا العربي نفسه حين يعود أمريكا بجواز سفره الامريكي، ولأنه ليس أشقر ولأن عينيه ليستا زرقاويين، ولأن اسمه عربي، ولأنه ولد في بلد عربي، يصبح موضع شـك واشتباه من قبل سلطات المطارات الامريكية. يصبح موضع مساءلة. ويعامل بطريقة أقل احتراما عما يعامل بها الأمريكي الأصلي. مع انه يحمل الجنسية الامريكية. فكيف تتصوريـن معاملة العربي الذي لا يحمل الجنسية الأمريكية. آمل ان يكون الشاعر سعدي يوسف قد كتب لكم عـن تجربته المريرة في مطار فيرجينيا حين جاء يزور واشنطن قبل حوالي عشرة أعوام.
 
   يحدثني طلابي الامريكيون الذين يسافرون للدول العربية للدراسة او لغيرها عن مدى الاحترام الذي يلقونه. وعن التسهيلات التي تقدمها لهم الدولة. يحدثونني عن علاقاتهم الحميمة مع شخصيات عربية بعضها كبير في مناصب حكومية وعن العشاوات والحفلات التي يغدقعها بعض العرب في السلطة على الاجانب. خاصة على الامريكيين منهم. وعن الزيارات والرحلاتهم التي يأخذونهم فيها معهم. يخبروني عـن الحفاوات التي يلقونها من بعض العائلات العربية خاصة في دمشق. الاجانب يدخلون بيوتا عربية ويختلطون بأفراد الاسرة العربية. حتى ان بعضهم أقام علاقات حميمية مع فتيات عربيات.  هم ايضا يتحدثون عن نفاق هؤلاء الاشخاص الذين عرفوهم لأنهم يعاملونهم بمكيال ويعاملون بني جلدتهم بمكيال آخـر. كما يتحدثون عن ضباط الجمارك على الحدود واللطش على المكشوف. وعن البراطيل والفسـاد. وعن غياب العدالة . اشعر بالخجل الشديد. وانا أسمع قصصا كهذه وغيرها من الامريكيين.  قيل لي ان حكومة بشار الاسد حسنت من وضع  الفساد مؤخرا. وخففت من هيمنة المخابرات على الناس. وفي فلسطين كان في السلطة الفلسطينية بعض اللصوص الذين يتاجرون باسم القضية وباسم فلسطين. هذه الاشياء وغيرها من شأنها أن تحدث شرخا في النفس. ومن  شأنها أن تقلل من قيمة هذا المفهوم السامي النبيل، و تجعـل الانتماء يفـقـد معناه المقدس وحرارة الحنين.

 

ما رأيك بحركة حماس؟

ج . جاءت سلطة حركة حماس اليوم. أنظر اليها بفرح كبير. فقد تصنع حماس بداية الخلاص. قد تكون الطريق الوحيد لتطهير السلطات الفلسطينية المتعاقبة من تجار الاسمنت ولصوص الثورات. بدأت اشعر بالتفاؤل. انا احترم بعض الحركات الاسلامية كثيرا. لقد سقطت كل الشعارات الاخرى. كل الحكومات العربية  الموجودة الان هي  تمثل اهانة للعرب ولشعوبهـا. وتشكل عقبة في وجه التقدم والديمقراطية.  تصوري لو لم تكن هناك حماس ولو لم يكن هناك حزب الله. ماذا سيكون للعرب ؟ لا شيء.  إلا الخزي والعار. تحية لحركة حماس في انتصارها.

ماذا تقول عن الحياة في أمريكا؟

ج .الحياة في امريكا لاطعم لها ولا حياة فيها. وتبعـث على الاختناق. ولكن المرء لا يعرف انه يختنق. فالاختناق يأتي تدريجيا. مثل الضفدعة التي يضعونها في إناء كبير فيه ماء  فاتر في البداية، هي تشعر منذ  البدء انها غير مرتاحة ولكنها لا تعرف لماذا. ثم يبدأون بتسخين الماء قليلا قليلا، فـتـتأقلـم مع درجة الحرارة المتزايدة، ثم يزيدون من درجة الحرارة  تدريجيا حتى تختنق ببطء. أمريكا ليس فيها علاقات حميمة. الأشياء نفعية. لا صفاء فيها. كل شيء سطحي. اصطناعي. مادي. اما يختنق الانسان فيها أو يتحول الى آلـة. آلـة تفـقـد قدرتها على معرفة انها آلة. وتتوقف عن التفكير. وتسيرمن حيث لا تدري في قوافل آلات أكبر منها.  أنا أعجب من الذين عندهم مكان يذهبون اليه ويبقون هنا. لو توفر لي مكان اذهب اليه واعيش فيه بكرامة فلن ابقى يوما واحدا هنا.

*حاورته: د. سهير ابو عقصة داود-كاتبة فلسطينية ومحاضرة في العلوم السياسية-كاليفورنيا

الجمعة 26/5/2006


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع