حُلم عثمنة تركيا تبدَّد تحت وقع الإرهاب الاردوغاني


تميم منصور



لا يمكن اعفاء النظام الحاكم في تركيا برئاسة اردوغان، من حالة عدم الاستقرار في تركيا وفي كل من العراق وسوريا، وفي نفس الوقت لا يمكن اعفاء هذا النظام من الكثير من الجرائم التي ترتكبها الجماعات التكفيرية داخل المدن التركية، خاصة مدينة إسطنبول التاريخية.
آخر هذه الجرائم الاعتداء الوحشي الذي نفذه ارهابي، وقد طال مطعما قريبا من البوسفور ليلة رأس السنة الميلادية، أسفر هذا الاعتداء عن مقتل حوالي أربعين سائحًا، من بينهم فتاة من فلسطينيي الداخل إضافة الى عشرات الجرحى.
اردوغان الرئيس التركي زرع بذور الارهاب في بلاده بيده، وحول تركيا الى مستنقع ينزف دمًا، هذا يعود الى كونه يتخبط في سياسته / فهو يريد أن يأخذ كل شيء، يحتضن الإرهاب والعصابات التكفيرية، ويحتضن في نفس الوقت الإسلام، ومعه العلمانية والتواصل مع حلف الأطلسي والعلاقات الاستراتيجية مع أمريكا، في نفس الوقت فهو يحتضن العلاقات معه روسيا وايران وإسرائيل، وفي داخله وعقله الباطني يحلم بتركيا عثمانية من جديد.
هذه هي الازداوجية المركبة بأطياف وتطلعات والوان كثيرة، مقاساتها أكبر حجمًا من تطلعات اردوغان، لقد ذكر في خطاباته أمام أعوانه الزعيم التركي المعروف أتاتورك، وهو يحلم بأن يكون مثله وفي نفس الوقت تغنّى بأمجاد عبد الحميد الثاني، الذي سيطر على الحكم عام 1876 بالخدعة، واستمر في حكمه الاستبدادي بالدولة العثمانية حتى خلعه الاتحاديون عام 1909، لقد لقب هذا السلطان بالسلطان الأحمر، بسبب الجرائم التي ارتكبها بحق أبناء ورعايا الدولة العثمانية، وفي مقدمتهم المئات من القادة والزعماء العرب.
اردوغان يحاول أن يحذو حذو السلطان عبد الحميد عندما ارتدى عباءة الإسلام وطالب بأن يكون خليفة المسلمين، فأقام ما أسماه جامعة الشعوب الإسلامية، وأقام صندوقًا لجمع الأموال من المسلمين باسم هذه الجامعة استخدمها بمد خط سكة حديد دمشق المدينة المنورة، بحجة نقل الحجاج، لكن الحقيقة والهدف من وراء إقامة هذا الشريان البري الهام هو، تشديد قبضته على بلاد الشام والحجاز حيث الحرمان الشريفان،
اردوغان في حياته وممارساته السياسية، يحلم بما قام به الاتحاديون، أمثال أنور نيازي جمال باشا السفاح وآخرين، لقد رفع هؤلاء رايات التتريك داخل الإمبراطورية العثمانية، وفي مقدمة الذين عملوا على مصادرة هويتهم وتتريكهم، الرعايا العرب من مواطني الإمبراطورية، هذا ما يحاول أن يفعله اليوم اردوغان، فقد تحالف مع الحركات الإرهابية التكفيرية باسم الإسلام، كما تحالف مع السعودية، ومع حركات "الاخوان المسلمون" في كل مكان، إضافة الى مشيخات الخليج، بهدف اقامة حلف إسلامي، يستخدمة واجهة لتحقيق مآربه واطماعه الإقليمية، خاصة في كل من العراق وسوريا فهو يحلم بالسيطرة على مدينة حلب وريفها، لانها عصب الشام الاقتصادي، كما أنه يحلم بالسيطرة على شمال العراق، خاصة مدينة الموصل وكركوك وغيرها، لأنها غنية بالنفط، وقد سبقه في هذه المحاولة الاتحاديون، وتبعهم اتاتورك فقد طالب ممثله في مفاوضات معاهدة "سيفر" عصمت اينونو بضم كل من الموصل وكركوك الى الأراضي التركية، واليوم يطالب اردوغان بفتح أرشيف هذه المعاهدة لأنه يعتقد بأن الموصل وكركوك مناطق تركيا، لكن هذا بعيد عن الواقع.
اليوم يحلم اردوغان بعثمنة تركيا على حساب الأقطار العربية المجاورة وباسم الإسلام، لأن استغلال الدين الإسلامي للهيمنة والتوسع أصبح هينًا، ليس من الصعب جباية الأموال باسم الدين الإسلامي، وليس من الصعب توسيع مساحات الاحتواء والسيطرة على الأفراد والجماعات باسم الدين الإسلامي لدرجة الاستعداد للانتحار، وليس من الصعب إقامة الأطر السياسية الرجعية باسم الدين الإسلامي واصدار الفتاوى الكاذبة المعقدة باسم الدين الإسلامي.
السؤال لماذا يحاول اردوغان التوسع وعثمنة الأقطار الإسلامية أو بعض الأقاليم منها ؟؟ لأنه عاجز عن دس أنف أطماعه خارج حدود بلاده مع اليونان أو بلغاريا، والسبب خشيته من أسياده في حلف الأطلسي، لذلك هو يرى بأراضي الأقطار العربية لقمة سائغة، بسبب انشغال الحكومات فيها، خاصة في سوريا والعراق بحروب أهلية فرضت عليها باسم الدين الإسلامي، وساهم اردوغان باشعال فتيل هذه الحروب.
الطريقة الثانية التي يحاول اردوغان بسط وتحقيق أحلامه بعثمنة بلاده ومعها جزء من الأقطار العربية هي استخدام القوة، فقواته هاجمت شمال العراق وسيطرة على منطقة بعشوقة تحت غطاء حلف الأطلسي، وقواته تحارب مقاتلي حزب العمال الكردستاني تحت غطاء حلف الأطلسي، وأخيرًا غزت قواته شمال سوريا، في منطقة مدينة منبج، ومدينة الباب، أيضًا تحت غطاء حلف الأطلسي، فكلما هددت سوريا القوات التركية، يأتي الرد من قيادة حلف الأطلسي، بأن تركيا لن تقف وحدها في المعركة إذا نشبت حرب إقليمية في هذه المنطقة.
هناك وسيلة ثالثة يستخدمها اردوغان لتحقيق أحلامه العثمانية، وهي تشديد قبضته في الحكم عن طريق تشتيت قوة المعارضة وملاحقتها، فقد استغل محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في الصيف الماضي وحول تركيا الى دولة تخضع لحكم بوليسي، فقام أعوانه من ميليشيات حزبه بأعمال التنكيل والاعتقال داخل صفوف المعارضة، من عسكريين وأساتذة جامعات واعلاميين وغيرهم، الى درجة أن أحدًا لم يعرف حتى اليوم عدد المعتقلين، وهناك من يقدر هذا العدد بأربعين الف معتقل.
بعد تكرار الأعمال الإرهابية في تركيا، جميعها تؤكد أن اردوغان ومن حوله قد فشلوا في مشاريعهم خاصة التي دعمت الإرهاب، لأن الإرهاب ارتد الى نحورهم والى داخل صفوف الشعب التركي الضحية، وعلى ما يبدو أن حكومة اردوغان التي يرأسها بن علي بيلدريم اعترفت بهذا الفشل، فقد صرح رئيس الحكومة المذكور بأن بلاده تسعى لتحسين علاقاتها مع دول الجوار لتخفيف وطأة الإرهاب الذي أصبحت تعاني منه تركيا وأضاف بأن عدم الاستقرار في العراق وسوريا يساعد على انتشار ظاهرة الإرهاب في تركيا.
حقيقة أن هذا لا يكفي يجب على نظام اردوغان الامتناع عن دعم  العصابات الإرهابية التي تدخل سوريا والعراق من الأراضي التركية، كما يجب اغلاق كل معسكرات التدريب داخل تركيا حتى لا تبقى حاضنة يفرخ فيها الإرهاب.


الأحد 8/1/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع