ليس بكل ثمن!


عبد اللطيف حصري



عشية الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وجدت الأحزاب السياسية الفاعلة في المجتمع العربي نفسها أمام معضلتين، الأولى رفع نسبة الحسم بحيث لا يستطيع أي منها تجاوزها بمفرده، والثانية مطلب الجماهير العريضة بالوحدة وخوض الانتخابات بقائمة واحدة تمثل جميع مركبات المجتمع العربي في البلاد.
لا شك ان مفهوم "الوحدة" أكبر وأعمق من ان تستوعبه برامج أحزاب مختلفة أيديولوجيا، ولا نوهم انفسنا بأن التناقض الاساسي مع الاحتلال وسياسة الاضطهاد القومي، سيكون كافيا لإنتاج مشهد وحدوي، لكنه بالتأكيد كاف لإنتاج مشاركة حقيقية لطالما تغنت بها الأحزاب، وسوّقتها كمركب أساسي في رؤيتها لمستقبل الأقلية القومية في البلاد.
المخاض العسير الذي رافق تشكيل القائمة المشتركة أشار بوضوح الى قصور فهم بعض مركباتها للمطلب الجماهيري ولمتطلبات المرحلة، وأشار بوضوح أكبر الى أن الجماهير سبقت أحزابها السياسية بعدة خطوات، او على الأقل بعضا منها.
في حين قدمت الجبهة نموذجا ديمقراطيا رائعا بانتخاب قائمة متجددة تقودها عناصر شابة، تكلست بعض الأحزاب عند صراعاتها الداخلية فعادت بنفس المرشحين خضوعا لتوازنات انتهازية بين تيارات متناحرة.
وكي لا نغرق بالعموميات سوف أتوقف عند النقاش الدائر هذه الايام حول سلوكيات عضو الكنيست باسل غطاس واحتدام الجدل بين كوادر الجبهة وكوادر التجمع. وبرأيي ان الشرخ الأكبر في تركيبة المشتركة هو بين الجبهة والتجمع، رغم ما يبدو عليه ظاهر "التقارب" اليساري على الأقل في القضايا الاجتماعية. لقد كتبت سابقا وأعتقد الآن أيضا  أن المتضرر الأول والأخير من سلوك غطاس، هم الأسرى وذووهم وقضيتهم. الا ان ذلك لم يمنعنا من التضامن معه ورفض سياسة محاصرة الأسرى، لكن هناك من يريد مصادرة حق الجماهير بانتقاد منتخبيها ومطالبتهم بتأدية رسالتهم التي انتخبوا لأجلها. وهذا يندرج في صلب الشرخ القائم ويهدد العمل المشترك برمته، فهل تتصرف القائمة المشتركة بكل مركباتها كقيادة للأقلية العربية ونضالاتها؟ أم أن هناك من يريد للشخصنة والتفلت الفردي أن يصبح نهجا مفروضا على باقي المركبات؟ 
لقد سمعت المقابلة الصحفية مع النائب أيمن عودة، وفي اعتقادي أنصف عودة غطاسا أكثر من أعضاء حزبه الذين انفلتوا بحقه دون وجه حق...لا بل ألقى بكامل ثقله السياسي في صد الهجمة العنصرية على جماهيرنا العربية وعلى النائب غطاس تحديدا. لست في معرض الدفاع عن أيمن، ولا أعتقد انه بحاجة لذلك. لكن بودي التوقف عند سلوكيات النائب غطاس، وما ترتب عنه من انفلات غير مسبوق لشريحة واسعة من حزبه، ليس فقط بحق النائب عودة وانما بحق الشراكة مع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، في اطار القائمة المشتركة.
 في حين يعزو البعض فعل النائب غطاس الى سذاجة، وهي بالمناسبة غير معهودة في سلوكه، ذهب المطبلون والمزمرون من الشريحة المنفلتة الى اعتباره سلوكا بطوليا. وفي تقديري أخفق الفريقان، فالفعل "البطولي" انعكس سلبا على قضية الأسرى عامة وعلى الأسيرين المعنيين خاصة. أما السذاجة فهي غير واردة في هذا السياق الا اذا اعتبرناها غباءً، الأمر الذي أستبعده أيضا ليس لمعرفة شخصية بغطاس، وانما بناء على قراءتي لنشاطه السياسي.
ليست الصبيانية والولدنة السياسية ومراهقة قيادات وازنة في التجمع ما تدعو الى هذه المساءلة، وانما بالشكل الانتهازي لازدواجية خطابهم السياسي، ففي حين تسعى هذه الشريحة لتثبيت مكانتها اسرائيليا في السياق الذي خطه عزمي بشارة الأب الروحي للتجمع، وأعني تماما وصف بشارة للتجمع كحزب خرج من داخل الكينونة الاسرائيلية "ההוויה הישראלית" (راجع- بروتوكولات لجنة الانتخابات المركزية)، وهذا تجلى بوضوح من خلال خط الدفاع المخزي عن غطاس، والذي ذهب الى حد التزلف للأجهزة الأمنية واقناع الرأي العام اليهودي بأن الأمر ليس أمنيا ويمكن اعتباره عاديا، بل قد يكون مقبولا على الأجهزة الأمنية والشاباك. في الوقت الذي ينقلب هذا الخطاب باللغة العربية وللجمهور العربي،الى حالة ثورجية كافية لتوريط البعض في مقولات "بطولية" تفتقر الى أي رصيد حقيقي على أرض الواقع.
 في واقع الأمر، معركة هذه الشريحة المنفلتة الحقيقية ليست مع النائب عودة، وليست مع الجبهة الديمقراطية، وانما هي معركتهم الداخلية داخل حزبهم، فكل مراقب موضوعي يرى خيوط الربط بين سلوكيات غطاس، وبين إملاءات عزمي بشارة، خاصة في اعقاب ما افرزه مؤتمرهم الأخير من اقصاء وتصفيات قضت مضجع الزعيم، والتي أخذت شكلا عدائيا في اعقاب فضيحة المال السياسي، واتساع دائرة منتقديها داخل التجمع وخارجه. وهي نفس الشريحة التي أدلجت في حينه هروب عزمي بشارة وبررته كـ"بطولة" تستحق التقدير، رغم انه في امتحان النتيجة، الرجل لم يهرب الى كوريا الشمالية ولا الى ايران، بل يجلس في مكاتب مكيفة على مرمى حجر من قاعدة السيلية، وفي أحضان أخون الرجعيات العربية الحليفة لإسرائيل.
التجمع ليس هاجسي، وقد قلت سابقا وأقول الآن، إن الولدنة والصبيانية ليست مشروعا نضاليا، لكن حركات غطاس المدروسة بعناية ترتبط مباشرة بخيوط عزمي بشارة العنكبوتية، فمن جهة تسعى الى تدمير الشراكة والعمل المشترك، ومن جهة أخرى ترمي الى إزاحة الفئات الوطنية داخل التجمع، من طريق هذه الشريحة المتشنجة والمرتبطة بالمال السياسي. فما أفسده المال السياسي لا تصلحه جرعات زائدة من وطنجية وانتفاخ قومي، وقد يصبح الأمر هاجسا جماهيريا حين تنعكس هذه السلوكيات على العمل المشترك وعلى القائمة المشتركة.
في تصوري أخفقت أحزابنا السياسية في تعاملها مع ظاهرة المال السياسي، سيما وانها بررت احيانا سلوكا فاسدا واعتبرته "ملاحقة سياسية" ليضيفها هذا الفاسد الى رصيده "النضالي" زورا، وعوضا عن معركة جماهيرية تخوضها أقلية أصلانية صاحبة أرض وقضية ضد مؤسسة غاشمة، تنحرف مسالك "النضال" وكأن المؤسسة تستهدف افرادا بعينهم. ففي قضية الحركة الاسلامية الاولى مثلا، بالغنا بنعت المعتقلين كـ "رهائن الأقصى"، في حين لائحة الاتهام تحدثت عن أموال طائلة وتبييض أموال، ولم تتطرق من قريب او بعيد للأقصى أو للصلاة فيه. وكذلك الأمر تعامل البعض مع "مغلفات" عزمي بشارة، ففي الوقت الذي كانت رائحة الدولارات الفاسدة تفوح من مغلفاته أقامت الأحزاب مهرجانات تضامن معه. ولم يعد خافيا اليوم مع موجة التكفير والحرب الكونية على سوريا والسعي الرجعي العربي–الصهيوني المشترك لتصفية القضية الفلسطينية، أن "حقائب قطر" والمال السياسي جبى ثمنا باهظا أولا وقبل كل شيء بالمواقف السياسية، ناهيك عما اقترفه من فواحش بالأخلاق. خلاصة القول... المشتركة على عيني وراسي، لكن ليس بكل ثمن!
الأحد 8/1/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع