هل يأتي يوم تتحرر فيه عقولنا وننطلق نحو مستقبل أفضل؟


توفيق كناعنة



يعرض في قناة "الميادين" برنامج أسبوعي تحت عنوان "حرر عقلك"، يحرر ويقدم هذا البرنامج الأستاذ عبد العزيز بدر القطان وكما يقول هو"أن هذا البرنامج هو مشروع نهضوي ينادي باستنهاض العقل العربي بكل أطيافه وأن البرنامج لا يعوِّل على أي نظام عربي ولا يدعو الى ثورات عربية، بل يدعو الى ربيع عقلي والى ثورة عقلية ضد الموروث المتخلف وضد الجمود الفكري والتعصب المذهبي والقبلي".
لا شك أن إنتاج مثل هذا البرنامج والفكر الذي يطرحه مثل هذا البرنامج وبالرغم من بعض الملاحظات التي يمكن أن تناقش الا أن الفكرة، بالذات فكرة "حرر عقلك" هي فكر وطرح جديد وجريء وهام جدا، حيث يفتح آفاقا واسعة وجريئة من اجل إخراج عقولنا من المربع المحدود الى الأفق الواسع من اجل البحث والتمحيص في كل شيء مهما كان، لانطلاقة فكرية واعية ورفض المسلمات كما هي، بل يجب البحث فيها وتحليلها بشكل علمي متنور خارج عن القيود التي تكبل وعينا الاجتماعي والسياسي والديني، من أجل البحث الواعي والمسؤول عما يجري في عالمنا بشكل عام وما يجري في عالمنا العربي بشكل خاص. ونحن الجماهير العربية الفلسطينية التي بقيت في وطنها جزء لا يتجزأ من عالمنا العربي، ونحن ان شئنا أم أبينا نتأثر ونؤثر بهذا العالم ولكن في الحقيقة تأثُرنا كان سلبا أكثر مما هو ايجابي مع العلم انه نتيجة لتجربتنا الخاصة والفريدة بسبب واقعنا الصعب والمأساوي الذي عشناه وما زلنا نعيشه كان علينا ان نؤثر أكثر من أن نتأثر نحن بالسلبيات، ونتيجة لهذا الواقع نحن أكثر من غيرنا بحاجة الى تحرير عقولنا من الفكر المتخلف في مثل هذه المرحلة الصعبة التي نعيشها في هذه البلاد.
في اعتقادي ان أكثر الشعوب بحاجة الى تحرير عقولهم من الغيبيات والتعصب الديني والمذهبي والطائفي والقومي نحن العرب وهنا أقصد شعوبنا العربية حتى تستطيع مواجهة الحكام في مختلف الدول العربية، لأن هؤلاء الحكام هم الذين لهم مصلحة أساسية في أن تبقى عقول شعوبنا مجمدة ومحنطة ولا ينظرون الى أبعد من أنوفهم، ومن اجل هذا الهدف يعملون على تسخير كل وسائل الإعلام التي يمتلكونها وكذلك منابر المساجد والأكثرية المطلقة من الذين يسمون أنفسهم بالمشايخ، ويصدرون الفتاوى الجاهزة حسب الطلب وبالاعتماد، كما يدّعون، على الدين من اجل مصلحة هؤلاء الحكام المتخلفين فكريا وسياسيا واجتماعيا ودينيا، ولكن كل أفكارهم المتخلفة هذه يوظفونها من اجل استمرار سيطرتهم واستعبادهم لخيرات وعقول شعوبهم، حتى تبقى هذه العقول متخلفة ومسجونة في بوتقة الغيبيات وان يبقوا ضمن الخط الذي رسموه لهم وعلى هذا الأساس تستمر سيطرتهم واستغلالهم لشعوبنا العربية التي قاست وما زالت تقاسي من ظلم وتخلف هؤلاء الحكام.
من اجل ان تتحرر عقول شعوبنا من مثل هؤلاء الحكام والدجّالين هناك أهمية كبرى من اجل توحيد كل القوى النيّرة في مختلف دول عالمنا العربي والطلائعيين من مثقفينا، من اجل العمل المنظم والمثابر وبشكل موحد لمساعدة جماهيرنا الشعبية للانطلاق والخروج من المربع الفكري المحدود الذي وُضعوا فيه رغما عنهم. وهنا عمليا أهمية هذا الدور التاريخي الذي يجب ان تقوم به قوى الخير والتقدم التي تطمح بتحرير شعوبها من قوى الشر والتخلف في عالمنا العربي. ان هذا الدور الهام هو حاجة ضرورية وماسّة أيضا، من اجل مجابهة هذا الواقع المر الذي نعيشه ويعيشه عالمنا العربي في مثل هذه المرحلة، التي نمرّ بها والمليئة بالفتن الطائفية والتي تولد المآسي وويلات الحروب الدامية التي غذّاها وما زال يغذيها الثالوث الدنس الاستعمار والصهيونية العالمية والرجعية العربية وهدفها الأساسي هو الاستمرار في تمزيق الدول العربية أكثر مما هي ممزقة الآن وجعلها دويلات طائفية متنازعة مع بعضها. وهكذا عمليا خلقوا هذه الحروب الدامية بين العرب أنفسهم وكل هذا يجري تحت شعار ديني طائفي بين أبناء الدين الواحد أيضا. وها نحن نرى ما يجري في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر من مآسٍ وويلات وكلها تحت أغطية دينية والدين بريء من كل تجار الدين.
إن الحقيقة التي لا نقاش فيها هنا انه لا يمكن لأحد مهما كان موقفه ان يكون ضد الدين كدين وأي دين، لأن المشكلة ليست بالدين نفسه بل المشكلة هي التجارة بالدين من قبل بعض رجال الدين في جميع الأديان وبشكل خاص الحركات السياسية والمنظمات الإرهابية المتغلفة بالدين من اجل أهداف سياسية متخلفة ومسيئة للدين في الوقت نفسه.
إنني أعود وأقول ان مجتمعنا العربي بالذات هو أكثر من غيره من المجتمعات الإنسانية الأخرى بحاجة الى تحرير عقله وفكره حتى يستطيع دراسة بعض النصوص الدينية لدى مختلف الديانات، وبشرط ان تكون هذه الدراسة عن طريق العقل والفكر المتنور الواعي من اجل مجابهة تجار الدين بشكل علمي وهادئ ومسؤول في الوقت ذاته.
لماذا أقول هذا؟ لأنه في الحقيقة ان هناك بعض تفسيرات النصوص الدينية التي أسهمت بشكل مباشر في خلق مأساة ونكبة شعبنا العربي الفلسطيني منذ أكثر من قرن من الزمن من خلال بعض تفسيرات النصوص التوراتية التي اعتمدت عليها الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل، من اجل شرعنة احتلال أرض الشعب العربي الفلسطيني وبالتعاون مع الاستعمار والرجعية  العربية.
إن حكام إسرائيل، على أساس مثل هذه التفسيرات للنصوص الدينية، استغلوها ويستغلونها في المحافل الدولية بشكل دائم، ويستغلونها في الوقت نفسه لأجل تبرير سلوكهم وسياستهم للاستيلاء على الاراضي الفلسطينية تحت شعار نص ديني في التوراة يذكر ان "الله وعدنا بهذه الأرض".

***
هل علينا ان نخاف من تحليل وفحص مثل هذه التفسيرات للنصوص الدينية التي تحلل وتشرعن تشريد شعب كامل من وطنه الذي عاش عليه قرونا طويلة من الزمن وما زال يعيش، من اجل إحلال شعب آخر مكانه! هل حقا يمكن ان يكون هناك اله كهذا يفضل شعبا عن باقي الشعوب وان يبرر طرد شعب من وطنه؟! أنا لا أومن ولا اعتقد بذلك لأن الله الذي أومن به - هو رب عادل إلى أقصى حدود العدالة.
من هنا نرى ان الحقيقة الواضحة انه ليس فقط الحكام العرب وخدامهم من رجال دين، لا يريدون ان تتحرر عقول شعوبنا العربية وتنطلق من اجل المجابهة الواعية والمسؤولة في وجه كل القوى المتآمرة عليهم، بل أيضا حكام إسرائيل والدول الاستعمارية التي تدعمهم، وكل ذلك من اجل استمرار سيطرتهم السياسية والاقتصادية على عالمنا العربي والاستمرار في تمزيقه ونهب خيراته الطبيعية وكل ذلك أيضا، من اجل دفن حق شعبنا العربي الفلسطيني ومنعه من حقه في إقامة دولته المستقلة على تراب وطنه الغالي الذي لا وطن له سواه.
نعم، ان جميع هذه القوى الغاشمة تريد ان تبقى عقول شعوبنا محنطة ومخصية ومغلقة ومسجونة في قفص الغيبيات، الأمر الذي يخدم حكام إسرائيل أكثر من غيرهم من اجل الاستمرار في السيطرة وسن القوانين العنصرية بمختلف أشكالها، وكل هذا تحت شعارات دينية والوعد الإلهي الذي يتشدقون به لاستغلاله زورا وبهتانا للاستمرار في السيطرة على الأراضي العربية.
إن حكام إسرائيل يستغلون بعض تفسيرات النصوص الدينية التي في التوراة وحتى الإنجيل والقرآن بشكل وقح لأهدافهم ومصالحهم في مختلف المناسبات وفي المحافل الدولية أيضا.
لقد سمعنا بنيامين نتنياهو خلال سنوات حكمه يردد في خطاباته في الأمم المتحدة يتحدث دائما عن الوعد الإلهي لبني إسرائيل وفي خطابه الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة عاد وكرر هذه الاسطوانة الممجوجة حيث قال، ان الله هو الذي أعطانا هذه الأرض وفي الوقت نفسه رد بشكل استعلائي على رئيس دولة فلسطين محمود عباس الذي طالب في كلمته التي ألقاها في الجمعية العامة في دورتها الأخيرة حيث قال، ان على دولة بريطانيا أن تعتذر للشعب العربي الفلسطيني التي كان لها الدور والإسهام الأساسي في خلق نكبة شعبنا العربي الفلسطيني من خلال وعد بلفور المشؤوم الذي كان وزيرا لخارجيتها في سنة 1917، والذي وعد فيه بإنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين. وفيما بعد بمباركة آل سعود والرجعية العربية.
لقد كان رد نتنياهو على محمود عباس باستعلاء واستهزاء في الوقت ذاته وجاء هذا الرد أيضا بالاعتماد على تفسيرات نصوص دينية توراتية أيضا، حيث قال ان على عباس ان يطلب الاعتذار له أيضا من "أبونا ابراهيم الخليل" ألم يقسِّموا الحرم الإبراهيمي كذلك بالاعتماد على مثل هذه التفسيرات للنصوص؟! والآن أيضا ألم نرهم يعملون وبشكل مبرمج ليس فقط من اجل تقسيم الأقصى بل من أجل هدمه وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، ألم تروا المجموعة من أمناء الهيكل الذين زاروا البحرين، كيف كان أمراء البحرين يرقصون معهم؟! وهذا كله اعتمادا على تفسيرات النصوص الدينية، والحركة الصهيونية وحكام إسرائيل يسوقون كل هذه الأكاذيب في العالم على انها حقيقة مطلقة لا يمكن النقاش حولها، ومقابل كل هذا نرى الحكام العرب في أكثريتهم المطلقة يتحالفون مع حكام إسرائيل ضد شعوبهم وأبناء دينهم ولا يتطلعون ولا يهتمون بما يجري للشعب العربي الفلسطيني.
وهنا يسأل السؤال: هل يوجد وضع في العالم كله مثل الوضع الذي يعيشه شعبنا العربي الفلسطيني الذي يقتلونه يوميا وتسلب أراضيه تحت سمع وبصر العالم كله بمن فيهم الحكام العرب؟! في مقابل ذلك نرى حكام إسرائيل بكامل وزرائهم مشغولين لمراضاة زعران "عمونا" الذين استولوا على أرض خاصة لسكان فلسطينيين وها هم مقابل زعرنتهم سيدفعون لهم، من اجل إرضائهم اكثر من مائة وخمسين مليون شاقل، وكل هذا تحت شعار ديني "ان الله أعطاهم هذه الأرض" هل هنالك اسوأ من هذا الأسلوب في استغلال الدين لأهداف سياسية وغير إنسانية؟!
مقابل هذا الواقع المر الذي ابتلي به شعبنا العربي الفلسطيني نرى اليوم الانفلات غير المسبوق من قبل ما تسمي نفسها حركات إسلامية، هذه الحركات الأصولية الإخوانية والوهابية وكل حركات الإسلام السياسي، كيف تستغل الدين ليس لمصلحة الدين بل من اجل مصالحها السياسية والاقتصادية وتقف ضد شعوبها وأبناء دينها ومنطلقهم الأساسي هو أن كل من ليس معهم، حتى من أبناء دينهم فهو ضدهم وكافر ويجب محاربته وقتله وهم في الواقع اليوم يقتلون أبناء شعوبهم وأبناء دينهم وكل الذين لا يفكرون مثلهم من أبناء جلدتهم.
تعالوا ننظر لما يجري في كل عالمنا العربي وما تقوم به هذه الحركات الأصولية من قتل ودمار وهتك أعراض وترحيل وسبي،  وكل هذا تحت الشعار الذي اخترعه بعض المهوَّسين من هذه التنظيمات الإرهابية تحت ما يسمى ب"الخلافة الإسلامية" وهنا يسأل السؤال: هل الخلافة الإسلامية بعد الخلفاء الراشدين الأربعة كانت حقا خلافة؟

***
إن الخلافة منذ معاوية والتي سميت على اسم عائلته "الخلافة الأموية"، حسب رأيي المتواضع، لم تكن خلافة بل أصبحت ملكية وراثية أي أنها أصبحت نظاما ملكيا. فأي خلافة يتحدثون عنها أليست أيضا الخلافة العباسية وراثية وملكية؟! والذين يتباكون على ما يسمى بالخلافة العثمانية هل هي أيضا كانت خلافة أم وراثة؟ حتى هم كانوا يسمون أنفسهم بالسلاطين وأنهم استعمار بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
إن التخلف الفكري والاجتماعي والسياسي الذي ما زال يعيشه عالمنا العربي هو في الأساس نتيجة لرزوح الاستعمار التركي على قلوب هذه الشعوب لحوالي خمسة قرون من الزمن ولننظر أيضا لبعض الدول الأوروبية التي استعمرتها تركيا مثل ألبانيا وبلغاريا واليونان نراهم متخلفين عن باقي شعوب أوروبا، لقد امتصت خيرات هذه الشعوب التي استعمرتها. كل من يزور اسطنبول لا بد أن يزور "قصر السلاطين" وهناك يرى أين ذهبت هذه الخيرات التي سلبوها من شعوبنا في زمن استعمارهم، يرى قسما منها في هذا القصر حيث يوجد فيه أكثر من أربعين طنا من الذهب الخالص، حتى مقاعد المراحيض مطلية بالذهب.
هنا يسأل السؤال: هل مثل هكذا خلافات والتي عمليا استباحت دم المسلمين وحتى أحفاد الرسول قتلوهم، هل نحن بحاجة لمثل هكذا خلافة في مثل هذه المرحلة من تطور البشرية، أن الحركات الاسلاموية تحول الصراع والمنافسة الإنسانية من اجل التطور والتقدم الإنساني الى صراع ديني طائفي بين أبناء الشعب الواحد والدين الواحد، أي بين سنة وشيعة، أليسوا كلهم يدينون بالديانة الإسلامية ويعبدون الله ويؤمنون ان محمدا رسول الله؟ من وكّل مثل هؤلاء لمحاسبة الآخرين؟! ألا تؤمنون بيوم الحساب؟! ألا تؤمنون ان الله هو وحده الذي سوف يحاسب البشرية جمعاء في اليوم الآخر؟! لماذا لا نترك كل إنسان يعبد ربه كما يشاء وكما هو مقتنع وليس كما يريد مثل هؤلاء المتخلفين فكريا واجتماعيا؟!
ألم تروا جماعات داعش والنصرة وغيرهم من المنظمات الإرهابية التي تعمل في سوريا والعراق، كيف تحاسب الذين ليسوا معهم، ألم تروا الذين وضعوهم في أقفاص وأشعلوا النيران فيهم؟! ألا تذكرون الأساليب الهمجية هذه؟! ألا تذكرون كيف ذبحوا طفلا فلسطينيا وهم يقولون "الله أكبر" لأنه كما يدعون يتعاون مع الجيش السوري؟! ألم يشوّهوا اسم الله في مثل هذا العمل الوحشي والإجرامي الذي اقترفوه بحق طفل لم يبلغ الرابعة عشرة من عمره؟ وكل هذا باسم الدين وشعارات دينية! ان من يقوم بمثل هذا العمل الوحشي والإجرامي ليس لديهم أي أخلاق اسلامية ولا إنسانية ولا دينية.
إن جميع الديانات السماوية جوهرها الأساس هو الدعوة الى المحبة والتسامح وقبول الآخر وليس الى القتل والحرق والذبح هذا هو الجوهر الإنساني لكل الديانات، بالرغم من كل هذا نرى بعض رجالات الدين من مختلف الديانات يشوهون الجوهر الإنساني لهذه الديانات بفتاوى لا تمت الى جوهر الدين بصلة وإنما تسيء له.
إن واجب كل القوى الخيّرة والمتنوّرة الوقوف بكل جرأة وثبات ضد كل هذه التنظيمات الإرهابية والتي تدعي الإسلام والتي تحاول بكل الأساليب إثارة الفتن وإشعال النعرات الطائفية خاصة، وان الطائفية هي مرض قاتل أدخل الى عالمنا العربي من اجل زيادة تمزقه أكثر مما هو ممزق؟
إن هؤلاء الذين يرتكبون الجرائم في عالمنا العربي تحت شعارات الخلافة الإسلامية وشعارات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين إنما في الحقيقة هي تشويه للدين السمح، دين المحبة والتآخي والعلاقات الإنسانية الصادقة بين البشر. هل مثل هؤلاء المجرمين يستحقون ان يكونوا خلفاء لرسول الله؟!
الآية (189) من سورة البقرة تقول:"وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين"، هل اليزيديون اعتدوا عليهم وهل المسيحيون اعتدوا عليهم في سوريا والعراق حتى يهتكوا أعراضهم ويعتدوا على مقدساتهم؟! أين هؤلاء من "عهدة" عمر بن الخطاب الخليفة الراشدي الثاني، التي كتبت قبل ما يقارب الألف وأربع مئة سنة؟
هل العمليات الإجرامية التي تقوم بها داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات التي تسمي نفسها زورا وبهتانا بالإسلامية فهل هذا هو الإسلام السمح الذي نعرفه؟! كلا بل هذا تشويه لاسم الإسلام والمسلمين في كل أنحاء العالم.

***
إن عادل الجبير وزير خارجية السعودية يتهم وبكل وقاحة الحشد الشعبي في العراق الذي يضحي ويقاتل من اجل تحرير شعبه في العراق من مجرمي داعش يتهمه بقتل المدنيين في الموصل، ألا يستحي؟! آسف، ان أمثال هؤلاء لا يعرفون الحياء ولا الإنسانية، وهم آل سعود الذين خلال سنة ونصف السنة تقريبا يقصفون بطائراتهم الشعب اليمني ويقصفون حتى بيوت العزاء، هل مثل هؤلاء يحق لهم اتهام الغير بقتل المدنيين؟! ان آل سعود الذين أنفقوا على الحرب في سوريا أكثر من اثنين وأربعين مليار دولار من اجل تخريب سوريا، لو انفقوا مثل هذه الأموال على تطوير بلادهم لكان ما بقي أي فقير في السعودية، ان الفكر الوهابي الذي تتبناه السعودية كان وما زال فكرا متخلفا في كل المجالات.
إن هذه الدول التي تحكم شعوبها بالوراثة من أمثال السعودية ودول الخليج كانت وما زالت تمول وتدعم هذه المنظمات الإرهابية بالمال والسلاح والرجال أيضا وهذا كله من اجل المحافظة على عروشها البالية، ومن اجل استمرار سيطرتهم على هذه الشعوب وعلى خيرات هذه الدول التي تملك مخزونا هائلا من الثروات الطبيعية والتي لو استغلت بشكل عادل لكانت تكفي عالمنا العربي كله وتخرجه من حالة الفقر والعوز والتخلف الذي تعيشه هذه الشعوب الى عالم متنور يسابق العالم كله في التطور الصناعي والاقتصادي والاجتماعي والإنساني أيضا، ولكن الاستعمار والولايات المتحدة بالذات مع حكام إسرائيل هم الذين يوجهون هذه الأنظمة العميلة حتى تبقى شعوبنا متخلفة وهذا عمليا يريح الطرفين.
أمام هذا الواقع الذي عاشه ويعيشه عالمنا العربي إلا أن جماهيرنا العربية الفلسطينية التي بقيت في وطنها بعد النكبة التي حلت بشعبنا الفلسطيني سنة 1948 والتي بقيت كالأيتام على مآدب اللئام وكما يقول المثل "لا مع الست بخير ولا مع السيد بخير" إلا أنها بالرغم من كل ذلك الواقع المر الذي عاشته من ظلم واضطهاد وسلب أراض وتمييز عنصري وحكم عسكري بغيض، كانت على استعداد لمجابهة هذا الواقع بكل جرأة وتحدٍّ للمحافظة على هويتها الوطنية الخاصة بها بالرغم من نزوح الأكثرية المطلقة من القيادات والمثقفين الوطنيين، إلا أن القلة القليلة جدا التي بقيت على ارض الوطن أخذت دورها الطليعي وبانفتاح فكري متميز في العمل الجاد لرفع المستوى الثقافي والفكري والسياسي والاجتماعي لهذه الجماهير وبكل مسؤولية وطول نفس لحمايتها والمحافظة عليها، لإخراجها من مرحلة اليأس والخوف والتردد نتيجة للوضع الجديد الذي بدأت تعيش فيه في تلك المرحلة الى مرحلة المجابهة الثورية الواعية والمسؤولة وكانت قمتها في يوم الارض الخالد سنة 1976 في مواجهة حكام اسرائيل وسياستهم العنصرية، هؤلاء الحكام الذين أرادوا ترحيلنا وفشلوا في هذا المجال ولذلك عملوا على ان نكون حطابين وسقاة ماء وفي هذا المجال أيضا لم ينجحوا وفشلوا فشلا ذريعا، بعد أن أصبحت جماهيرنا العربية في هذه البلاد شعبا متكاملا بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى ايجابي وإنساني، وكل هذا بفضل القيادة الحكيمة والمسؤولة التي قادت هذه الجماهير بوحدة صف كفاحية في تلك المرحلة الحرجة التي مرت بها.
إن الشيء المؤسف انه بعد كل هذا التطور الايجابي الذي جرى في واقع هذه الجماهير نرى اليوم الردة الى الوراء خاصة بعد ظهور تجار الدين ودخول الأموال البترودولارية العفنة الى واقعنا السياسي والاجتماعي والأخلاقي. ورأينا أحد مظاهر هذه الردة الرجعية هذا الاسبوع من خلال أصوات قليلة لكنها مقلقة راحت تطلق تبريرات للاعتداء الاجرامي الارهابي في اسطنبول، والذي راح ضحيته شباب عرب بينهم ابنة شابة لنا من الطيرة. فبدلا من مهاجمة وإدانة مشوّهي صورة وسمعة الدين ومقترفي جرائم الارهاب، راح ذلك البعض الجاهل يهاجم الضحايا. وهذا هو النقيض التام لروح الدين والعقل والاخلاق والمنطق!
ونرى في الوقت نفسه التراجع الذي برز في علاقاتنا الاجتماعية والإنسانية بين جماهيرنا العربية في هذه البلاد وفي شق الصف الوطني على أسس دينية وطائفية ومذهبية وحمائلية،  ونرى ان قسمًا من مثقفينا بدل ان يكونوا طليعة في المعركة لتحرير العقول والإسهام في التقدم الى الأمام الا أننا نراهم تغريهم الأموال الفاسدة ويأخذون دورا سلبيا ويقومون بتشويه التاريخ لأشخاص أفنوا حياتهم في خدمة قضايا شعبهم وبذلك يدافعون بشكل مباشر عن الذين خانوا شعبهم في تلك المرحلة الصعبة التي مر بها شعبنا.
هذا بالإضافة الى أن هناك قوى تعمل بشكل مبرمج من اجل ان تبقى عقول مغلقة وغير محررة من الخزعبلات الغيبية التي يحاولون تسويقها على أنها حقائق، وإلا كيف يفهم أن يقوم البعض الذين يسمونهم مشايخ ويعلمون موضوع الدين الإسلامي في المدارس يأتون الى الطلاب في هذه الدروس بشريط مسجل عما يسمى "عذاب القبر" أي غيبيات هذه؟! من الذي دخل الى القبر وسجل مثل هذا العذاب؟! ان من يقوم بمثل هذا العمل الغيبي هو في الواقع مهما ادعى بمعرفة الدين هو إنسان يشوه الدين وجوهره الإنساني. السؤال الذي يجب أن يُسأل: هل يجب ان نعلم أبناءنا الخوف والذل أم نعلمهم الجرأة والتحدي لجميع المظالم والصعوبات الحياتية التي تواجههم في الحياة العامة وفي الوقت نفسه علينا ان نعلمهم أن العلاقة مع الخالق لا تقوم على الخوف بل هي قائمة على المحبة لأن الله محبة.
وها نحن نسمع بعض الأئمة في المساجد يحرّمون المعايدة على الاخوة المسيحيين، أي يحرِّمون مشاركتنا مع قسم أساسي وهام من أبناء شعبنا من مشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم، أين مكتوب مثل هذا الفكر الداعشي الوهّابي المتخلف؟! إننا كنا وما زلنا وسنبقى جيرانا وأصدقاء لهذا الجزء الهام من شعبنا العربي الفلسطيني وسيبقى الهدف الأساسي لجماهيرنا هو وحدة صفه الكفاحية بكل طوائفه ونسيجه الاجتماعي الذي لا بديل لنا عنه.
إننا نرى أيضا البعض من المتأسلمين يغير لباسه الوطني بلباس أهل الخليج حيث يرتدون الدشداشة ويلبسون اللفة الأفغانية ويرخون لحاهم على غاربها وبذلك يقولون انهم يتشبهون بالرسول الكريم ويقتدون به! قبل الاقتداء بمثل هذه المظاهر عليهم أولا وقبل كل شيء الاقتداء بأخلاقه الحميدة هذا هو الأساس، إننا نرى اليوم أيضا ان هناك من مدعي المشيخة يكتبون على صفحاتهم في "الفيس بوك" ويحللون التشفي بمصائب الآخرين، فأين هذا أيضا من أخلاق الرسول الكريم وأخلاق الإسلام السمح؟! ان أمثال هؤلاء نراهم أيضا يتباكون على أطفال حلب وفي الحقيقة إنني أتألم لما يجري في سوريا الحبيبة ولكني أيضا أتألم لما يجري في اليمن وليبيا ومصر والعراق كل هذا يؤلمني ويؤلم كل من عنده الحس الإنساني الصادق، ونراهم أيضا يعلنون أنهم يجمعون الأموال (كما يقولون) لأطفال حلب ولكن بعض هذه الأموال بعد ان يأخذوا النسبة التي يحللونها لأنفسهم تصل البقية الى المنظمات الإرهابية مثل داعش والنصرة، إنني لم أسمعهم ولو مرة واحدة يذكرون أطفال اليمن والعراق وليبيا وبشكل خاص أطفال اليمن الذين يُقصفون يوميا بالقنابل المحرمة دوليا منذ ما يقارب السنتين من قبل النظام الوهابي السعودي ودول الخليج وبأوامر من الولايات المتحدة الأمريكية. هل هكذا علمكم الرسول الكريم؟! كفى تشويها لأخلاق وصورة الرسول الطيبة والإنسانية وكذلك للإسلام السمح والمسلمين الصادقين، من قبل أمثال هؤلاء المتأسلمين الذين يريدون ان يبقوا جماهيرنا متخلفة في مختلف المجالات الحياتية.
إننا أمام هذا الواقع المؤلم نرى ان قسما لا يُستهان به من المتعلمين والمثقفين مشغولون بأنفسهم فقط ولا يسهمون في رفع المستوى السياسي والاجتماعي لجماهيرنا في مثل هذه المرحلة الحرجة، صحيح انه قبل مدة صدر بيان موقع من مائة بروفسور عربي ضد العنف، لا شك انها مبادرة جيدة وهامة ولكن الأهم هو متابعة مثل هذه المبادرة من ناحية عملية من قبل مثل هذه المجموعة الهامة من أبناء شعبنا. في اعتقادي انه اذا تكاتفوا وتوحدوا مع القيادات السياسية لجماهير شعبنا يمكن ان يسهموا إسهاما هاما في نقل جماهيرنا نقلة نوعية في مجال تحرر الفكر الاجتماعي والثقافي والإنساني لجماهيرنا والانطلاق نحو مستقبل أفضل لنا ولأجيالنا القادمة.
أنا إنسان دخلت في سن الثمانين من عمري حلمت كثيرا وعملت قدر إمكانياتي المحدودة في خدمة جماهير شعبي، ولكن ما أحلم به الآن أن أرى فيما تبقى لي من عمر أننا بدأنا ولو جزئيا في السير على طريق تحرر الفكر من الغيبيات وبعض المسلّمات التي فرضت علينا من قبل أعداء شعبنا ومن قبل المتأسلمين وجميعهم لا يريدون الخير لنا ولمستقبل أبنائنا وأحفادنا، فهل يمكن أن أرى جزءا من هذا الحلم قد تحقق؟!



(عرابة البطوف)



الأحد 8/1/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع