في ذكرى مرور 5 سنوات على وفاة الشاعر والأديب والرسام الأخ د. سليم مخولي:
لم ينسَ أن يسجل في شعره ورسمه جدارًا من ذهب تاريخ بلده ووطنه


د. خليل اندراوس


حملت قلمي لأستعيد ذكرى هذا الانسان المناضل المثابر الصابر والصامد، والذي عاش حياته مرفوع القامة، مثابرًا مناضلا، يعشق الحياة، ضميره مرجعيته، خدم شعبه ووطنه والفكر الانساني التقدمي الثوري باخلاص وتفانٍ. كان دائما متمسكا بالمبادئ والقيم الانسانية دون زعزعة ولا خوف، مدافعا أمينا عن طموحات شعبه في الحرية والسلام العادل.
لقد امتاز فقيدنا بمصداقيته واصراره وثباته على مواقفه المتحررة من الذاتية والفئوية، حاملا فكره التقدمي الوطني القومي الأممي، الأممي- القومي من أجل خدمة الوطن والانسان، محافظًا على ايمانه وقناعته بأن المستقبل المشرق لشعبه لا بد أن يأتي عاجلا أم أجلا.
كما امتاز فقيدنا بالانضباط والنظام والسيطرة على النفس واحترام الآخر.
انه شخصية فذة، لقد أبقى رأسه دائما مرفوعا باتجاه شروق الشمس، سائرا دائما الى الأمام. لم يترك نفسه أبدًا لليأس لأنه رفض بعناد الهزيمة، وموت روح المقاومة والصمود والتحدي. فطريقه كانت طريق النضال الدؤوب المتفائل.
سيبقى فقيدنا نجما، وذكراه وميراثه الأدبي والشعري لنجم كفرياسيف أضواء. فمثله نادرا ان تلده حواء.
فقيدنا الشاعر والأديب د. سليم مخولي مثال في الثقافة والأدب والحكمة والشجاعة والمبدئية. فكان من الرجال الأعظم والأفصح منطقا مقالة، شعرًا ورسمًا.
فحياة الشاعر والأديب د. سليم مخولي شريط وطريق حافل، وتاريخ يحتذى به ممتد من طفولته حتى وفاته. لقد صور في شعره خلجات نفسه وأحاسيسه، فهو مرهف الحس كالروض يبكي بدموع الندى، ويشدو بلسان الطير، ويمر في انسياب الماء، شاعر يحب الحياة.
في كتابه "جناح لدوري الحقل" يستذكر الطفولة الملتزمة والمرتبطة بتراب الوطن وجذع الزيتونة يقول شاعرنا:
" حول جذع الزيتونة ركضت حافيًا في الطين، قطعت الوادي الهادر، بنيت سدودًا تمسك الريح والمطر، لم أشعر بالبرد لأن أعضائي كانت دافئة وأغنية حلوة انطلقت من حنجرتي... مرحى يا ولد!".
فقيدنا كان محبا للقراءة والكتابة وخاصة كتابة الشعر، فنجده يكتب في كتابه "جناح لدوري الحقل" يقول: " من يقرأ كتابًا ولو كان تافهًا فقد أضاف ريشة الى جناحيه".
ففي شعره غنى حبه، وبث هواه، ورسم تضاريس وطنه ورسم شجرة الزيتون رسالة لتعميق الانتماء لتراب فلسطين وكتعبير عن ايمانه بالسلام.
وهكذا نراه في كتابه "جناح لدوري الحقل" يقول:
" رفع الأقدمون تماثيل لآلهتهم
تحميهم عند الضيق
أما تمثال – حرية القتل –
العائم فوق جماجم العصر
أي إله يحميه؟!".
فقيدنا كان رجل السلام والمحبة وتقبل الآخر، يحمل الفكر الانساني التقدمي.
وكذلك فقيدنا الأخ الغالي د. سليم مخولي، لم ينس ان يسجل في شعره ورسمه بجدار من ذهب تاريخ بلده ووطنه.
شاعرنا لم يكن مجرد ذلك المثقف الذي يجلس في برجه العالي بل كان من الشعب ومع الناس، عايش الواقع بكل ايجابياته وسلبياته، وعمل باخلاص وتفانٍ من أجل الارتقاء الى الأفضل والأسمى من اجل بناء مملكة الحرية على الأرض. فكان يخدم قضية شعبه من أجل الحرية والسلام. ولم يتقوقع داخل مفردات وجمل مزخرفة بعيدة عن الواقع المر الذي نعيشه. فضميره المستيقظ دائما جعله يرفض الواقع ويناضل بعمله وقلمه وريشته بشجاعة من اجل بعث وتعميق روح التحدي والصمود والنضال من منطلق ايمانه بأن سلام الشعوب بحق الشعوب.
في السنوات الاخيرة من حياته وطَّنَ فقيدنا نفسه، بعد أن مر قبلي بتجربة مماثلة لما مر بها كاتب هذه السطور، على ألا يفكر إلا بحرية الذات والروح والنفس، بعيدًا عن سخريات الواقع المعيش، الأصفر أو بالأصح الذي لا لون له، بعيدًا عن اختزال الزمن بالنفاق الاجتماعي، بعيدا عن الأحقاد الصغيرة صغر المحقود عليهم. من خلال ممارسة كتابة الشعر والرسم والنحت، وتعميق الجذور الفكرية التي تربّى عليها وربطها بواقعنا المعيش الذي لا لون له، لكي تُنبت من جديد روح الأمل والتفاؤل والرغبة والعمل من اجل احداث التغيير الجذري لهذا الواقع، لتعيد الربيع ببرقوقه الأحمر، أحب الألوان الى نفسه كطريق، ومن خلال هذه العودة للجذور أبقى الشرارة والشعلة، رغم هذا الزمن الذي ليس زمانه، ورغم هذا المكان اللامكان، ولكي لا تتعفن الروح وتبتعد عن الحب وعن اليقين وعن النضال والصمود والتحدي، ومن خلال علاقات المحبة والأخوية الصادقة أخذت بيدي ودعمتني لكي أكون الى جانبك في العديد من الأعمال والنشاطات. أذكر منها اقامة "رابطة الأكاديميين في كفر ياسيف" و "ملتقى الثلاثاء" و"المنتدى" وغيرها من النشاطات واللقاءات التي كان لي شرف التواجد والعمل المشترك معك وآخرين، أذكر منهم طيبي الذكر القس شحادة شحادة والدكتور موسى كريني.
ولا بد ان نذكر دورك في اقامة لجنة الدفاع عن الأرض وكنت سكرتير هذه اللجنة في أوائل سنوات إقامتها.
ومن إهداءاتك الأخيرة لي كانت كتابك "الأبواب المفتوحة" والمسرحية "الزينة" التي قدمتها لي بتوقيعك " تقدمة الى العزيز جدًّا د. خليل اندراوس مع محبتي".
لقد استخدم شاعرنا الشعر والرواية والرسم لوصف عمليات التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، وعمليات التغيير في الوعي الجماعي لهذا المجتمع أو ذاك، كما عالجت في شعرك وما كتبته من الرواية والقصة الظروف التي لا بد وان تحدث الثورة، تحدث شروق الشمس من اجل الوصول الى مملكة الحرية على الارض.
فمثلا قصص د. سليم في كتابه "الأبواب المفتوحة" تشكل نقلة جديدة في كتابة القصة القصيرة من حيث البنية الفنية والرؤية الاجتماعية والانسانية، فكل قصة في الكتاب تشكل جديدا في التعبير عن رؤاها ودلالاتها الجديدة. وكل قصة من قصص الكتاب تنطلق نحو التراث، وتستخرج كنوزه، بالاضافة الى الحداثة في الفكر والكتابة.
فأشعار وقصص د. سليم شدتني اليها بموضوعها وأسلوبها ولغتها وفلسفتها وفنيتها وصدقها، وكل قراءة لأعماله الشعرية والأدبية تجعلك دائمًا امام عمل ادبي وشعري متميز. وتجعلك تقف
وجها لوجه أمام معاناة وهموم وواقع وآمال وأحلام الانسان الفلسطيني لا بل كل انسان.
فكما قال جان بول سارتر الذي يرى ان العمل الأدبي القائم على مبدأ الالتزام يجب ان يكون هدفه "إحداث التغيير، ولا يمكنه ان يحدث ذلك الا اذا كان هناك قصد الى احداثه". فكل اعمال شاعرنا وأديبنا د. سليم مخولي تدعو الى توجيه الوعي الجماعي نحو الانسانية غير المشروطة.
عندما تقرأ شعر وقصص الطبيب الأديب الشاعر الفنان أحد أعلام شعبنا الفلسطيني، تجد نفسك أمام هيكله، مسيرة حياته، فالحياة عند كاتبنا، فقيدنا، مقدسة، ورسالة محبة وعطاء، وعملية بحث عن الحقيقة المطلقة، بفكر جدلي نقدي، ومع تقدمه في عمره، استمر كقوة بركان يفيض بالعمل والعطاء، فالحياة الحقة بالنسبة لفقيدنا هي الكفاح وتدليل الصعوبات والعقبات، عملية تحدٍّ نحو الأفضل منذ ان ولد.
فشاعرنا وأديبنا لم يستطع ان يترك الدنيا بحالها ويستريح رغم الارهاق والتعب، فهو لا يسخر من الحياة ولا يغضب عليها فكما جاء في كتابه "الابواب المفتوحة"، " لا يطعن العالم في جنة قلبه لتنزف دماؤه على صفحات ذلك الكتاب الابيض البريء"، بل " بعد طرق وتفكير وراح يدفع آخر خفقات قلبه بطيئا في تلك العروق المتصلبة على درب الحياة الطويل".
آهٍ كم قلائل امثالك الذين يريدون ان يصلوا بغريزة حب الاستطلاع والسعي في الظلام تبحث عن النور، كم قلائل امثالك الذين لا يشعرون بالتعب (ألم تشعر بالتعب؟)، لأن النفس التي تحمل رسالة وكنت تحمل رسالة، تسعى نحو الحقيقة المطلقة (لذلك يقف كاتبنا امام الهيكل في كتابه: الابواب المفتوحة) تأبى نفسه ان تستريح، لا تريد ان تترك الدنيا بحالها (لِمَ لا تترك الدنيا بحالها فتستريح؟).
وهكذا كان فقيدنا يرى دوره ورسالته كشاعر وأديب ورسام ونحات وطبيب، في تغيير الواقع نحو الأفضل، نحو مملكة الحرية، مملكة النور، مملكة الحقيقة المطلقة، وهذا ما حملته المقدمة (أمام الهيكل في كتابه "الابواب المفتوحة").
هذه المقدمة التي حملت العمق الفلسفي – الجدلي التحليلي الجميل لحياة كاتبنا، لأني أرى ما كتب في العديد من شعر وقصص كان جزءًا قليلا من حياة شاعرنا وأديبا وكاتبنا ونحاتنا وطبيبنا د. سليم مخولي، التي هي ايضا مرآة لحياة الآخرين.
فكما كتب فقيدنا، فليس كل ما تقدمه للبحر (فليس كل من يولد ويدخل بحر الحياة) سيقذفه البحر، (سيكون على هامش الحياة) بل سيستمر لاعبا دوره ومسيرته الحياتية في بحر الحياة حتى النهاية، وما علينا الا ان نضع الرجال ونعلمها ان تقف على ارجلها منتصة في رحلتها هذه "لأنه لا بد من يد تنقش على الحجر عبارات الحياة ومعانيها" وبرأيي هذه القصة في كتابه "الأبواب المفتوحة" هي رسالة كاتبنا الانسانية المتحررة المتفائلة والتي تبحث عن النور دائما في هيكل الحياة.
وذكرى فقيدنا وشعره وأعماله الادبية من الرسم والنحت ستبقى النور الدائم في هيكل هذه الحياة، وزوجته أم حبيب وأولاده حبيب ونعيم وابراهيم والابنة نبال والأحفاد هم استمرار لهذا النور في هيكل هذه الحياة والتي لا بد وان تكون بذكراك وبطول العمر لكل أفراد العائلة، الحياة الأفضل والأرقى والأجمل.
ومن منطلق ايمانه بأنه لا بد وأن يتحقق بزوغ فجر الحرية، حرية الانسان، حرية الشعوب.
فشاعرنا رمز العلا وسيستمر بعد وفاته يحمل أشرف الأسماء.
"قد نضوتْ الحياة وهي زوال
                                    فكساك الممات ثوب البقاء"



* (نضوت- خلعت ونزعت)

الأحد 8/1/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع