ليتَهُ يعود

أدلين أسعد زهران


ليت الزمن يعود لأقرأ على مسامعها ما خطّه قلمي وهُجِر في دُرج الـمكتبة لسنين لكن القدر لا يـُمهل ولا ينتظر ...فهيّا نعود بالذكريات.
طَرَقْتُ البابَ وانْتظرْتُ، فقامَت وفتحَت، وبعد السّلام والتّحيّة والسّؤال عن الأَعْمال والأَحْوال، بدأَت تقص عليَّ حكايات الـماضي الحيّ وسيرة حياتِـها الـمتكررة.
نعم لا شيء جديد، أَقاويل وأَحاديث حفظت في قرص مـمغنط (ديسك)، وتقوم بتشغيلِهِ وفتْح مَلفّاته مع كلِّ زائرٍ جديد.
أَخذت تتحسَّرُ على زمنٍ مَضى وقالت: "آه على أَيّام زمان، كنَّا نستيقظ فجرًا قبل شروق الشّمس، نسير إِلى الحقل على الأَقدام، نزرع ونحصد، نعود مساءً لنتدبَّر أُمور البيت، الأَولاد والزّوج. وإذا حلّ أَحدهم ضيفًا، كنَّا نقوم بتحضير وتقديم أَشهى وأَفخر الـمأَكولات لا نشكي ولا نحكي( ييعليكو يا بنات اليوم)، كلّ شيء يعملُ بواسطة الكهرباء ولا تزلن تشكون وتبكون وبالضّغط على زرّ واحدٍ تنفذون أَعمالا كبيرة، كثيرة وبغاية السّهولة. تـختلقون قصصا كبيرة من لا شيء، تُرِدْنَ التَّربّع على العرش دون تعب أَو بذل أَي مجهود".
لا تـملّ هذه العجوز الحبيبة من التّفاخر والتّباهي، رأَيتها تفوق مائة رجل، عملَت وجاهدَت كثيرًا في حياتـها، قد تركَها زوجها أَرملة وحيدة مع عشرة أَولاد، بحاجة لرعاية شديدة، ولأَنَّ العمل والـجدّ طبعها، التّحدي والتّصدي مزاجها، ربَّت وكبّرت أَولادها، وبالأَخير لاقت نفسها في فراغ وظلام دامس بلا أَنيس أَو جليس ترقب ساعة الانتظار الّتي لا تتحرك، ربّـما دقّ بابـَها أَحدُ أَولادِها أَو أَحفادها فيرقُّ عليها بكلمة تُفْرِح وحْدتـها وتُثري جَلستَها.
أَذكرها جبارة، تخفي أَحزانـها وآلامها، فَقَدَتِ العديد من أَبنائها، والفجيعة الكبرى التي صفعتها، عندما فقدَت حبّها الأَول بِكرها، أَوّل فرحتها والأقرب إِلى قلبها.
جديد في حياتها لا يوجد وإِن وُجِدَ لا يتمّ حفظه في ذاكرتها، ساعتها توقفت عند طيات الماضي الـمنحوت بالفأَس والـمِعول، وتلفازها لا يبثّ إِلا مشاهد الطفولة والصّبا وفترة القوة والسلطة. دورها انتهى وتُرِكت على أَحد رفوف البيت.
هل استغنوا عن خدماتـها! أَتراهم أَحبّوا مكافأَتـها بالرّاحة بعد كل سنوات التّعب وأُحيلت على الـمعاش.
لقد مضى الوقت، وظلّت تروي عن شجاعتها، وبقيت أَستمع إِليها مـحاولة مقاطعتها فقلتُ:" نعم، نعم، أَذكر هذا فلقد حدّثتني عن ذلك في إِحدى الـمرات".
لكِن دون جدوى، لم تستمع إِلى جملتي وتابعت رواياتـها وذكرياتـها ووجهُها يشعّ نورًا وصوتـها يزداد حدّة وقوّة.
أَتُرى الحديث قد أَنساها ضعفها ومرضها واستعادت قوّتـها، وما هذا الوَميض في عينيها يـخترق قسَمات الحاضر والـماضي ليدخل عالم الـخلود.



(عبلين)

الثلاثاء 10/1/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع