قاتل من بلاد القيرغيز


محمد نفاع



بعد ان قرأت عددا من القصص عن بلاد القيرغيز، ومنها "جميلة" التي قال عنها أراغون: أجمل قصة حب، والمعلم الأول، وشجيرتي في منديل احمر، وأرض الأم -  الذي سرقته من عند الرفيق طلال موسى كما سرقت كتاب رسالة لم ترسل من عند الاستاذ جمال عباس، وكتاب الأدب الفرنسي من عند سيمون عيلوطي وكتاب – "كان هذا في ضواحي روفنو" من عند الرفيق مريد فريد، وكتاب المؤتمر الـ 12 لحزبنا الشيوعي من عند الرفيق توفيق كناعنة – أقول: بعد ان قرأت هذه القصص لجنكيز ايتماتوف، وهو غير جنكيزخان، ولماذا نلعن جنكيزخان ولا نلعن جورج بوش في العراق – رحت أحلم بزيارة بلاد القيرغيز. المضيفون السوفييت كرماء كالعادة، ولبقون، فعندما سُئلت: هل لي رغبة لزيارة امكنة معينة؟ نطقت يومها: بلاد القيرغيز.
ومرت في مخيلتي قرية بكاير ووادي الكوركوريو وجبال تيان شان وممر دولون اعلى طريق معبد في الكرة الأرضية، وكذلك الفتيات: جميلة وآسيل وألتيناي، والشباب دانيار وديوشين وهكذا كان. اذكر هذه الأسماء علّنا نقرأ هذا الأدب الرفيع الجميل الأصيل قبل ان يتغير الكاتب والنظام الى الأسوأ – الأسوأ بكثير.
عَنّ على بالي هذا الموضوع المبعثر وأنا اسمع ان قاتلا قيرغيزيا، جاء من تلك البلاد البعيدة والجميلة ليقتل في سوريا، ويقتل في العراق... لماذا جاء ليقتل؟ كيف وصل؟ من موّل سفره، ومن حمّله السلاح؟
وهذا الكاتب الفذ جاء وزار مؤسسة حكومية صهيونية، حلّ ضيفا. دُعيت الى اللقاء ورفضت، كنت سأقول له، هل أنت انتهازي الى هذه الدرجة؟ ومتلوِّن، وأنانيّ!! قرفت من هذا التحول، تماما كما اصابني اليوم وأنا اسمع عن علاقة نتنياهو ببلاد الأذر وتجارة السلاح بمليارات الدولارات وهو يقول: العلاقة بين اسرائيل اليهودية واذربيجان المسلمة خير دليل على التعايش والتعاون والصداقة...
أما مع فلسطين القريبة فلا وألف لا، مما ذكّرني بشعار: الفلبين قبل فلسطين، وهو شعار بعيد النظر، كيف يتغير البعض في هذه المعادلة بين الفلوس والناموس!! لسنا دعاة وهواة فقر، القضية في  المصدر والثمن والهدف. رؤساء وملوك يتغيرون، ومفكرون، وشيوخ ومبدعون، فيروز لم تتغير، رفضت ان تغني للملك والرئيس، ونقول لطلاب الجامعة اللبنانية من حزب الله المقاوم البطل: أخطأتم برفضكم سماع فيروز في ذلك الاحتفال، اعتذروا، لا تتركوا بقعة سوداء في موقفكم الرائع الشجاع والمحبوب.
قلت لكم ان هذا الموضوع مبعثر، وقد أعذر من أنذر. وتلك الصبية المحترمة التي اتهمتني بأنني خبير في الصّرامي العسكرية، بعد ان عملت عندنا في مكتب الحزب الشيوعي والجبهة، عملت بأمانة واخلاص، وغضبنا على الرفيق الرائع رجا غضبة مضرية وبحق وتقبّلها، أقول لها: لا أنكر هذه التهمة يا صبية. فمن جملة اهتماماتي معرفة اين يجب ان يكون مكان الصرماية الحذاء، فالرفيق العراقي – شُولح – حذاءه الى رأس الرئيس بوش، والسوري الى رؤوس أعداء الانسانية والعروبة والاسلام، أنا خبير بذلك.
كثيرون يتغيرون ، الرفيق زكي لم يتغير، كل يوم يهاتفني: مرحبا يا رفيق، بحكي الرفيق زكي، وبعد المحادثة تأتي اللازمة: بدّي أموت شيوعي.
خلال ايام قليلة مضت افتقدنا: يوسف والياس وزكي ووفا وابو حاتم. كلهم لم يتغيروا.
أي شعب قوي وجميل في بلاد القيرغيز، مع هذه الوجنات النحاسية البارزة. ونساء في قمة الروعة والجمال، مع هذه العيون الضيقة المنحرفة، والخدود الناعمة جدا والغدائر المنسدلة على الاكتاف والظهور.
في 22/ حزيران سنة 1941 خاض احد الجنود بحصانه نهر الكوركوريو الصاخب وصرخ:
- إلى أحصنتكم أيها القيرغيز!!
كلهم تجندوا لصدّ الجحافل النازية، وهكذا كان. هذا القاتل القيرغيزي اليوم لم يكبر على اغنية:
أنتِ يا جبالي البيضاء الزرقاء
أنتِ يا أرض آبائي واجدادي
يا مَهدي...
في هذه الأغنية رحابة السهب، وعلوّ الجبل ونعومة الماء الذي يلثم الحصى في الوادي. وقفت على ضفة الكوركوريو مع الكاتب، وزرت قرية بكاير الجبلية وجبال تيان شان وممر دولون أعلى طريق معبّد في  العالم. من هناك كانوا ينقلون معدات المصنع الى الصين الشقيقة، جاء خروتشوف فمحا الكاتب الصين. كما فعل بعضنا "يحبون الشيوعية"، بدّلوها بـ يحبون الوطنية! لمحمود درويش. أين هذا القاتل في سوريا والعراق من الجنود والناس والأنصار الذين دحروا النازية!! لم يكبر على نشيد الأممية النشيد الانساني الثوري الجبار، لذلك يلتقي مع جنكيز بوش ولاعِقي حذائه من الخَون. والذين رقصوا معه بالسيف في السرادق المفروش. ويلتقي مع الصهيونية. وبعض العرب يشترون من امريكا اسلحة بعشرات المليارات من الدولارات لقتل العرب، في اليمن وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين وليبيا، ولانقاذ امريكا من زلازل او هزات اقتصادية. فكيف لا أكون خبيرًا في الصّرامي العسكرية!! أيتها الصبية!!
ما أعظم قوة كوريا الشمالية!! وبوركتم يا أنتم بدمقراطية امريكا واوروبا. أحيا حُبا في قوة سوريا وايران والمقاومة اللبنانية وكوبا والصين وروسيا وكل مقاوم ومُمانع ومعارض، وغير مؤيد، وغير باصِم على بياض لجرائم امريكا واسرائيل وبيّاعين الحق الفلسطيني، وبيّاعين الدور في قدس العرب...
لا فُضّ فوه الذي غنّى:
هَلِي بْشاش الكرامه عَصّبوني
وعلى هْموم الليالي عَصّبوني
اكيد الزيت يبيّن عالصّبوني
والوَفا بَدّوا أْسودْ غاب
اسرائيل قرْعا وتهتّ بشعر بنت خالتها امريكا، وكأن كل أعضاء مجلس الأمن لا يساوون شيئا بلا امريكا. كلهم صوتوا ضد الاستيطان.
وكأن الغالبية الساحقة جدا جدا في العالم لا تساوي شيئا بلا امريكا وميكرونيزيا، مع عدم الاستهانة بالصغير أبدًا بل بالمواقف الصغيرة. ميكرونيزيا في مواجهة الصين والهند. الله يطوّل في عمرنا فقط لنشهد انهيار العُهر الصهيوني واحتلاله واستيطانه، ونهاية الخيانة العربية، فقط لهذا السبب، وهو سبب وجيه، وقد يكون هذا السبب يبدأ في حلب.
الأربعاء 11/1/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع