حَمَّلوهُ مِلَفّاتٍ ...


نمر نمر



ظَلَّ ظِلُّ عبد الله المحمّد بعيدًا عن الضّلال والابتذال، يترآى عن كثب عند الحامدين والحاقدين،لدى الواقعيّين والشّامتين، لكلّ منهم مُبَرِّراته وقناعاته الخاصّة في هذا اللغز شّبه المُبهم،قد يُذّكّرهم بقصيدة الطّلاسم،فضّل العزلة ،حتى في ساعات الظّلام الحالكة،دون إنارة طبيعيّة أو صناعيّة،وحتّى في ساعات الزّمهرير التي يخلو بها النّاس إلى مآويهم،في فَحْل الشّتاء  وكوانين الجرداء الشّمطاء التي قالوا فيها : في كوانين لا تْسافر يا مِسكين، أو إلزَم بيتك يا مسكين ، أو إنْضَبّ  في بيتك يا حزين!يَظَلُّ ظِلّه أمام ناظريهم شكليًّا ووهميًّا،في آبّ اللهّاب، في المربعانيّة والخمسانيّة، في السّعودات والمستقرضات،وكما يُمَشّي الفلاّح على فلاحته، أحيانًا يُعَفِّرُ  وأحيانًا يُلَقِّشُ ، طبقًا لِوَفْرَة الأرض  والأحوال الجوّيّة،قبل وبعد سقوط الجمرات، يتجامَلون على المدح والقدح ،تمامًا كما يتجامل الفلاّحون، ما فيه عندهم لحية مْمَشّطة، ومين حضر السّوق باع واشترى، وما حدا حضر المولد وْطِلِع بلا حُمّص! وكما في المصطلحات الهندسيّة العربيّة،قبل أن يستبدلوها باللاتينيّة أو العبريّة، :الظّلّ وَظِلّ التّمام، الجيب وجيب التّمام ، القاطع وقاطع التّمام ،إنّهُ لغزٌ مُبْهَمٌ  مُحَيِّرٌ، لعلّه مُعادلة ٌمن  أربعة مجاهيلَ وما فوق: إكْسْ ،واي، زِدْ...، يصعب التّعامل معه في كثير من المواقف التي تبدو لهم بديهيّة ، إلاّ أنّه كثيرًا ما  كان يُخَيّب  ظنونهم ويُشتّت أفكارهم النّيّرة ،المُسْتنيرة والمُسْتَنْوِرة في عصر النّوَر والحَضَر.
* لعلّه منهل ماء سبيل، أو شجرة سبيل  أوقفها أصحابها للمارّة والسّابلة والمحرومين ، حسنة لوجه الله، إنّهُ كخبز الشّعير مأكول مذموم! لكن أولاد الحَلال كْثار، وانْ خِلِتْ بِلِتْ ! هكذا كانت المرحومة والدته ، أمّ عبد الله، تُردّد على مسامعه صباح مساء! إعمل مْنيحْ  يا بْنَيّي وْزِتّْ في البحر.
* يصعب على عبد الله المحمد أن يرفض طلبًا ،يقصده الغادي والرّائح، بيتو مْشَرّع، بدون سُكَّرة أو مفتاح،ليس لِأنّ الدّنيا أمان ، بل لِأنّه لا يوجد في بيته شيء يستحقّ السّرقة ، أو مَدِّة الإيد! أللهم سوى بعض الأوراق والملفّات التي أكل عليها الدّهر وشرب مرارًا وتكرارًا  ،إصْفَرّت وارْمَدّتْ وهلهلت ، حتّى عافَت التَّكَنَة.
*هو في صراع مع نفسه،مُعْضِلة، أو كما يسمّونها : ديليمة في لغة الخواجات  وأصحاب الوجاهات زينات مملكات، يا شايف الزّول يا خايب الرّجا! فكّرنا الباشا باشا أثاري طلع الباشا زْلِمَة!
* في خريف جافّ،تشارين صيف ثانٍ ، الحرب مْوَلّعة ، قصف برّي،جوّي وبحري، عكّاري وعشوائي، من قِبَل حكومات لا تعترف بجرائمها وما تقترفه أيديها الأثيمة ، بل تختفي وتتستّر خلف ما تُسرِّبُه إلى وسائل الإعلام الأجنبيّة، وكأنّها تقول : إسمع منّي ولا تْصدّقني ، قال الرّاوي يا سادة يا كرام ... القصف على أهداف موهومة أو مزعومة، في دولة محايدة مُسْتَضْعَفة،مجموعة من الأهالي قَدِمَتْ إليه في زيارة غير متوقّعة،لا يربط بين الزّائرين سوى رباط الانتماء لهذه القرية المنكوبة! اسْتَفْوَلَ عبد الله المحمد شرًّا،هذه الجماعة غير المتجانسة لا يجمعها إلاّ طارئ لا يَرِد بالحسبان ،في زمن الغوغائيّة  والخُنفُشاريّة التي يُغذّيها السّلطان الجائر الحائر! أبو محمّد حَطّ الحُزن في الجرّة ،قبل أن يُقدّم واجبات الضّيافة،خرج عن المألوف، صار الفار يِلْعَبْ بِعُبّو، والمقروص بيخاف من جرّة الحبل، صار يْخافْ مِن خْيال ذانيه! لا تقطعولي قلبي يا جماعة الخير ، كفّ الله الشّرّ،بدون مْعازَمِة واحد يْشّقّ العديلة من خُصْمها،إذا سمحتوا!
- لَهْ لَهْ ! يا بو محمّد قلبك ما هو هبيطة لَهالدّرجة، مْنِعْهّدَكْ رُجّال  ابن رجال! جَمّل المحامل! شو عدا وشو بَدا، تَنَّكْ مستعجل  وْمحروقة بَصْلَتّكْ، يا ابن الأوادم...
- بَعْرِف هاي الجينات مِش ْ لله، ألله يْجيرنا من المخبّى بالغيب ! يا جماعة الخير...
- خوذْ إقرا هالمكتوب، ولا عَليك أمر، وِبْتِعرف السّيرة من طقطق للسلام عليكو!
- لا تْآخذوني النّظر ضعيف، وْفِهِمْكو كفاية...
- طيّب بلا طول سيرة، وزارة الدّاخليّة بدها تْحِلّ المجلس المحلّي في بلدتنا : أمّ الخير، وِتْعَيّن رئيس مجلس مُعيّن من قِبَلها....
- خلص ! المكتوب بينقرا من عنوانو! شو المطلوب منّي يا إخوان؟
- شغلة بسيطة! تْحكي باسم البلد قُدّام  موظّفي وزارة الدّاخليّة !
- لم يتردّد عبد الله المحمد أبدًا في هذا الطّلب/ الأمر والواجب والرّسالة،لأنّه يعرف ما تُخَبِّئُه هذه الوزارة  ، الوزرة ،من نوايا مُبَيّتة للانقضاض على البقيّة الباقية من الأراضي، وَتمريق كام تهريبة للمختار كما يقول غوّار،  عندها عرفتْ أُم عبدالله : جاء دور لتقديم أصول الضّيافة والواجب ،وما فيه جود ، غير من الموجود ،والبَرَكِة من عند هالكريم :  الرّب المعبود .
* في اليوم المُقرّر حلّ الضّيوف غير المرغوب فيهم في قرية أمّ الخير،وفد رفيع المستوى في نظرهم، وضيع في نظر أهل البلدة، رغم أنّه ضمّ مدير عام الوزارة، مُتصرّف اللواء، القائمقام والأشابين المَحَلِّيّين، المْصَفْطين حالهن للوظايف، سانّين سنانهن، مهنسين هندامهن، مِطِقْمين ،شيك آخر موديل، يا شايف الزّول يا خايب الرّجا...
*كبير القوم افتتح الجلسة بدون مقدّمات،كأنّه يُخاطب عبيدًا له ، أو مْرابعيّة :نخنو نرغب في تكديم أخسن الحدمات لكم ،ناهيكم عن تطويركم وتقدّمكم في شتّى المجالات...وْخوذْ طَقِع حكي ووعود بلا رصيد،قال هذا كلامه بلغة عبريّة مْكَسّرة وبعض العربيّة المشوّهة ، مْطَحْبَشة،يخجل بها الصّغار والقادمون الجُدد إلى أرض الميعاد! كم يدّعون.أهل القرية كلّفوا عبدالله المحمد أن يَرُدّ الجواب!
*وقف عبدالله المحمد برباطة جأش ،دون ربطة جَحْشْ، بعيد عنكو، زيّه يوحي بأنّه من بقايا العهد التّركي البائد،وجّه كلامه للمدير العام بلغة عبريّة سليمة :كلامك يا سيّدي  مشوب بالأخطاء اللغويّة ، النّحوية،  والّلَغْو،لا تُفرّق بين المُذَكّر والمؤنّث، ولا بين الوضيع والرفيع،تعابير سوقيّة استعلائيّة ،لسنا قطيع أيتام يُساقُ كالأنعام،أنتم تدّعون الديمقراطيّة وحُسْن التّمثيل الصّحيح، تقولون كلامًا معسولًا وتضمرون الكثير من النّوايا المُبيّتة، صَفِّيتونا  ع َ الحديدة في حكوماتكو غير الرّشيدة، لغة عبدالله لا يخجل بها  لا بيالِكْ ولا عَجْنون، مُضَمِّخًا كلامه باقتباسات من كتب الديانات السّماويّة الثّلاث، مُعرّجًا على بعض أقوال البروفسور يشعياهو ليبوبيتش عن الاحتلال والانحلال والاقتتال! أهل مكّة أدرى بشعابها، وْكُل واحد بيسوق حْمارتو بِبَصارتو يا حضرة المدير ، وبدون مْواخذة من السّامعين، إلّلي جِبْتو مغطّى خُذو مْكَشّف، وْدَرْبْ تْصُدّ ما تْرُدّ...الأهالي عن اليمين واليسار صفّوا صفّ سحجة،كأنّهم على موعد لِزفّة العريس:  عا العْمَيّم عا العْمام غرّد يا طير الحمام. لا تْعِدّ الخيل ، عِدّ ظهورها، عاش العامل والفلاّح، بَدّنا حُرّيّة وسلام.....
فوجئ الزّوار المُزَوّرون من هذه الوقاحة، في نظرهم! ،ظانّين أنّ بوس الأيادي ضحك على الّلحى، ما إجِت العتمة على قد إيد الحرامي إلّلي ع َ راسو ريشة، مفاجأة الأشابين المحلّيّين كانت أصعب وأقسى ، تبخّرت الأحلام والأوهام، هَمّ البعض لرفع عبد الله على الأكتاف، أبى ذلك في إصرار، استغلّ الضّيوف هذه الفرصة ،هرولوا جارّين خيبات الآمال بمرارة، تكتّم البعض عن العقوبات، العقبات والتّعقيبات التي حظي بها الأشابين المحلّيّون من قِبل أسيادهم وأرباب نِعَمهم فيما بعد، إلاّ أن أحد المصطادين في المياه العكرة، سَرَّب من مصادره، إلو في كل عرس كُبِّة وْقُرْص، فأكّد: اشتمل العقاب على: زَخّات من البصاق، كام زوم نَقْع في الكْلور  ،كام مشط من التّوبيخات، عِدّة هزّات رَسّن، خصم الرّواتب، وابل من المُحَسِّنات اللفظية،على طريقة الذَّمّ بما يُشبه المدح،سِرب من النّعوت والأوصاف، ضَمّتْ كافّة المفاعيل والمنصوبات والمجرورات! وعسى أنْ تَظَلَّ أم الخير بِألف خير هي وشقيقاتها.
الخميس 12/1/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع