حكاية شعبية
هات اختك لأخوي بدالي


عمر سعدي


مع حلول موسم الحصاد في شهر تموز، قاد العربان الذين يسكنون بالوعور مع قطعانهم وحطوا رحالهم في الساحل – وبالقرب من آبار الماء، العيظية وبئر الصفا، بئر الطيرة، ليرعوا مواشيهم من ارض الحصيد لفلاحين تلك المنطقة.
انطلق حمدان يقود قطيعه من الماعز مع شروق شمس الصباح، وكان الحصادون، قد باشروا بالحصاد في الحقل مع انبلاج الفجر، لينجزوا ما يمكن انجازه في ساعات الصباح ودرجة الحرارة منخفضة، وعندما تبلغ درجة الحرارة اوجها عند الظهيرة ويبدأ قش القمح ينكسر ولا يطاوع الحصاد يلجأون للقيلولة، هربا من الحر القائظ، وخوفا على سنابل القمح، ليعودوا في ساعات المساء يغيرون بمناجلهم ويهوون بها على قصب القمح يقطعون أوصالها، بغلظة وحماس، وسنابل القمح في الشمائل بايديهم اليسرى تتضاحك بسخرية واستكبار، كما لو انها تقول لهم مهلا، هذا ما كنت اتمناه وابغيه، ان اصل الى البيدر لانثر بذوري وافردها هناك .
كان الحقل الذي دخله حمدانو زاخرا بالنشاط، والحركة – العائلة كلها منغمسة في العمل، الرجال في الحصاد، الاولاد بالرجيدة والنساء في جمع الغمور، ونقلها الى الحملات، او المقادم على ظهر الدواب ليشد الرجل عليها الحبال خشية ان تملص او تفلت في الطريق الى القرية والبيدر .
كان حمدان يدخل الحقل ويرعى قطيعه ويسير به رويدا رويدا ويحرص كي لا تفلت الماعز وتقضم السنابل المنتصبة التي تنتظر حصادها ، يساعده في الحراسة ثلاثة كلاب ينقضون على العنزة التي تخرج عن النظام والمألوف.
قال الراوي:
وعندما توسطت الشمس كبد السماء وشعر حمدان ان كروش قطيعه انتفخت شبعا، وضايقها العطش، قاد قطيعة على رنين الجلاجل المعلقة باعناق بعض العنزات. وعلى ايقاع ونغم شبابته التي كانت تصدح .
جفرا وياهربع وتصيح صابوني . مروا علي العدا بالعين صابوني
لو قطعوني شقف والواح صابوني . ما فوت عن عشرتك سيعة زمنية
قاد قطيعه ليوردها الى بئر الصفا القريب من المرعى الذي يتواجد فيه والذي حفره الفلاحون ليكون الحد الفاصل بين اراضي كابول والدامون من الجنوب وشعب وميعار من الشمال ليشرب منه الاهالي ويرووا عطش الدواب اثناء فلاحة وزراعة الارض وحمدان شاب وسيم في الخامسة والعشرين من عمره، فاره الطول، قوي البنية، اسمر اللون، عينان سوداوان واسعتان جبينه ناصع وبهي، وذراعان طويلتان، اعتمر كوفية بيضاء، لفها على رأسه لفة كردية جعل طرفها يتدلى بين منكبيه الى ظهره، ارتدى قمبازا ابيض اللون، غرز طرفيه في الحزام فظهر سرواله الاسود الاملس، وانتعل حذاء شتويا (جزمة) لتقيه لدغ الافاعي، اقترب من البئر ومشى خببا وترك القطيع يقوده ويحرسه كلابه الثلاثة فأخذ ينتشل الماء من البئر بالدلو ويصبها في الاجران والنقران ويرمي فيها نقطا من القطران وما ان انتهى من توريد قطيعه- بدأت قطعان الماشية بالورود- يقودها الرعيان ومن القطعان التي وردت كانت لثلاث صبايا – في العشرينات من اعمارهن فقد ظهرت فتاة جميلة كانت ضفائرها الشقراء تلوح بين منكبيها وعلى ظهرها، فاثارت اعجاب حمدان- فسأل عن الفتايات فاخبروه ان صاحبة الجدائل اسمها حليمة بنت الشيخ جدعان والاخرى السمراء اسمها نوخة والثالثة اسمها فطيم، ففاضت قريحته واطلق يغرد ويتغزل بحليمة فقال:
على بير الصفا وردت حليماي  جدايل شقر وأرختهن  حليماي
روحوا يا سمر ما انتم غنيماي  تعالو يا بيض يمات الذهب
ازدحم المكان بالرعيان والقطعان- وراح الرعيان الشباب يتفيأون اشجار السرو والكينا، والصبايا الرائعات يتظللن تحت صخرة كبيرة، نهض حمدان ونشّى قطيعه ليعود يرعى به حتى المساء كان يسرح بقطيعه وذهنه سارح بحليمة، ام الجدايل الشقر ومع غروب الشمس قاد قطيعه الى الحظيرة امام بيت الشعر الواسع الكبير . واندفعت والدته واخواته يحلبن العنزات الحلوبات، انزوى وحده ولما هم للنوم ونظر الى السماء ورأى النجوم تتلألأ رأى حليمة نجما لامعا يشع بين تلك النجوم التي في السماء.
ومع الايام تكرر المشهد مع حمدان وتكررت اللقاءات وعادت النظرات وردت الابتسامات وخفقت القلوب وتوغل الحب واحتل القلوب، وذات يوم وردت حليمة بقطيعها، وفي اليوم اللتالي كانت المفاجأة ان حليمة الصبية الشقراء وردت الى البئر لتورد قطيعها، بادلها النظرات وبادلته الابتسامة انتهز الفرصة وسألها من بعيد وعيون الحصادين تتطلع الى البئر ان كانت توافق على الزواج منه فكان جوابها ايجابي . ضحك في نفسه وغمرته الفرحة والغبطة .
عاد حمدان يقود قطيعه ببهجة وسرور، وبغبطة عارمة فلاحظت والدته سرورة وغبطته فسألته ما بك يا حمدان . فتجاهل تساؤلها فعادت على تساؤلها واردفت قائلة كنك وجدت بنية تعجبك- فرد ايه بالله يايما- وجدتها فكاشفها بالحقيقة وتوسلها ان تخبر والده- ليخطب له حليمة بنت الشيخ جدعان الذين ينزلون من منزلهن للغرب مسافة ما هي بعيدة وخلال الايام حل والده ضيفا على الشيخ حمدان وكان الوقت عند الغروب تزامن مع اياب حليمة مع قطيع الماعز فانبهر الوالد بجمال حليمة .
ودع ابو حمدان الشيخ جدعان وعاد منزله – فكر ابو حمدان بالامر وقرر ان يعود هو ووجهاء ويطلب كريمة الشيخ جدعان وعرض علية مهر المال والحلال والذهب، لكنه رفض ثم عاد المرة تلو المرة وكان الجواب بالرفض، ويقول ابو حمدان ولدي رجل واصيل وجميل وشريف وقوي وابن اصل – وحسب ونسب لماذا يرفض الشيخ جدعان عجبا.
كانت حليمة تعرف السبب وامها وعائلتها وكتمت على حمدان السر فضاق ذرعا وعيل صبره - وفي احد الايام قاد قطيعه وكانت تكون دائما سباقة في الورود تشاهده ويشاهدها فانتهز فرصة خلو المكان من الرعيان ولكن المروءة والشرف والعفة كانت تأبى وتمنعها من مقابلته، فراح وانشد.
يطولك طول عود الحور لامال وابوك ما قبل فيك فضة ولا مال
كيف الرأي عندك والجواب
قال الراوي: رددت عليه
بدالي بدالي انت قطف عنب يا جيب بدالي
هات اختك لاخوي بدالي هذا الرأي عندي والجواب




(عرابة)

الخميس 12/1/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع