اخلاء عامونا والأسئلة المفتوحة


أمجد شبيطة


نيران واستيطان!



بعد أقل من أسبوعين على عملية الهدم الإجرامية في قرية أم الحيران، ذهبت الشرطة ذاتها، إلى مستوطنة عامونا، لكنها هذه المرة لم تحاصر البلدة وتمتط الخيل وتطلق النار، بل فسحت المجال لكل من أراد مشاركة أهل المستوطنة باعتصامهم، ومنحتهم الفرصة بعد الأخرى لإخلاء المكان، ثم بدأت بتفريقهم بقفازات حريرية، وبدلا من الزج بهم في المعتقلات تم نقلهم إلى قاعات رياضية ذات تدفئة، حيث كان بانتظارهم العاملون الاجتماعيون الذين اهتموا بمداواة جروحهم النفسية والصحفيون الذين نقلوا تأوهاتهم بالبث الحي والمباشر، حتى ابتلت شاشاتنا بدموعهم!
رغم كافة الفوارق التاريخية والسياسية بين الحالتين، لم يكن هنالك مفر من المقارنة بينهما، خاصة أنهما لم تكونا يتيمتين: الهدم في أم الحيران روفق بالعمل على سن قانون كمينتس، الهادف إلى الإمعان بجرائم الهدم وتضييق الخناق أكثر فأكثر على البلدات العربية، وأما عملية الاخلاء في عامونا فأرفقت بعملية تشريع "قانون التسوية" الهادف إلى منع تكرار إخلاء أخواتها من المستوطنات المقامة على أراض فلسطينية بملكية خاصة!
لكن هذه المقارنة ورغم ما تفضحه من كيل بمكيالين، ليست هي الأمر الأهم برأيي، إنما السؤال الأساس: ما هي مكانة عامونا بين مستوطنات الاحتلال؟ وكيف لنا أن نجابه الادعاء الاحتلالي القائم: "نحن هنا في يهودا والسامرة، نبني وفقا للقانون، فلا نأكل المال الحرام ولا نستوطن أرض الآخرين؟".
إذًا، على أرض من أقيمت كل هذه المستوطنات والمنشآت العسكرية والصناعية والزراعية؟ على أرض من أقيم هذا الجدار الغول؟ أكلها كانت أرض مشاع؟ أكلها خُلِقت "أرض دولة"؟!
معقول؟!


* أكذوبة أرض الدولة، ودليل الترمس!


من شاهد التغطية الإعلامية لإخلاء عامونا يعتقد بأن الحديث يدور عن بلدة وادعة قائمة منذ أجيال ويسكنها الألوف من المواطنين الأبرياء، وبالأخص من المسنين الشاهدين على أحداث توراتية هامة وقعت في هذه البقعة دون غيرها!
والحقيقة هي أن هذه المستوطنة بنيت في العام 1996، ولم يسكنها غير المئات القليلة، وعند اخلائها لم يبلغ عدد سكانها الـ 300 وأما المئات من المحتجين المتضامنين فكانت نسبة كبيرة منهم من الفتية "صُيّع المستوطنات"!
انشغلنا بمسرحية الإخلاء هذه عن المنافسة المهوَّسة ما بين الوزراء بكيفية إرضاء عكاكيزهم من اليمين الاستيطاني، فوزير الإسكان، يوآف جلانت، تحدث عن إقامة نحو 2000 وحدة سكنية جديدة بينما تحدث ليبرمان ونتنياهو عن نحو 3500 وحدة جديدة. كل هذا دون أن يحرك أحد ساكنا "مهو أكيد المرة مش رح يسترجوا يطبوا بأرض خاصة ورح يبنوا ع أرض دولة!"
 "أرض الدولة"في المناطق المحتلة عام 1967 هي كذبة كبيرة، إذ أن السلطات الإسرائيلية نصّبت نفسها في الضفة الغربية، مثلا، "وريثة" للمملكة الأردنية التي كانت تسيطر على الأراضي المشاع فيها، كما "ورثت" ما أسمته بممتلكات اللاجئين الفلسطينيين ممن أرغموا بالبنادق على مغادرة الأرض أرضهم في الضفة خلال الحرب وما بعدها، والحديث لا يدور عن ثلة قليلة، إنما عن 200 ألف مواطن، وفق التقديرات!
هذا كله إلى جانب قيام إسرائيل بمصادرة مساحات واسعة بجرة قلم إما بحجج أمنية وعسكرية وإما بمفعول قوانين، بعضها ورثته عمن سبقها من قوى استعمارية والبعض الآخر تفننت هي بسنّه، ومن بين هذه القوانين: قانون أملاك الغائبين (عام 1950)، قانون استملاك الأراضي، قانون أملاك الدولة (عام 1951)، قانون الاستيطان الزراعي (1967).
هذا، علما أن القانون الدولي يفضي بأن من واجب الدولة التي تمارس الاحتلال أن تحافظ على ممتلكات المواطنين القابعين تحت الاحتلال ويمنع عليها مصادرتها، إلا أنها مخولة بالسيطرة بشكل مؤقت على أراض ومبان للسكان من أجل القوات العسكرية ووحدات الحكم، وهي ملزمة بدفع التعويضات عن هذا الاستخدام المؤقت!
وفق موقع "بتسيلم"، وقّع الضباط العسكريون في الضفة الغربية خلال العقد الأول وحده من الاحتلال، ما بين العام 1968 وحتى العام 1979 على عشرات أوامر المصادرة بحجة "الحاجة العسكرية الضرورية والملحّة"، وتمت مصادرة نحو 47,000 دونم خصصت بغالبيتها للمستوطنات!
في العام 1980، قيّدت المحكمة العليا في "حكم ألون موريه" البناء الاستيطاني على أرض خاصة، وهو ما جعل الدولة تفهم أن عليها أن تصادر أكبر كم من الأرض الخاصة في أسرع وقت، فصادرت غداة هذا القرار ووفقا للمعطيات نحو 800,000 دونم ما بين الأعوام 1980-1984!
وإن كنت بحاجة إلى تجسيد مهزلة مصادرة الأرض الخاصة، فإليكم القصة التي حكاها لي قبل أسابيع قليلة المحامي فتحي شبيطة حول أرض تمكّن من منع مصادرتها مؤخرا: "أرادوا مصادرة الأرض بحجة أنها متروكة وغير مزروعة فأخذتُ معي شتلة وسألت ممثل سلطات الاحتلال إن كان يعرف نوعها، فلم يعرف، كما لم يعرف نوع شتلة أخرى، فقلت له: هذه شتلة ترمس وهذه شتلة عدس، وأنت تدّعي أن الأرض غير مزروعة لأنك لا تعرف هذه الشتلات التي زرعها أصحاب الأرض!
فأجابني: لكن بحسب الصور الجوية، لو كانت هذه الأرض مزروعة فعلا لكانت الشتلات مرتبة في صفوف مستقيمة، فقلت له: إذًا أنتم لا تعرفون أنواع الشتل وتتخذون القرارات المصيرية وفقا لصور جوية دون أن تعرفوا حتى بأن هنالك أصنافا تنثر ولا يمكن ضمان نموها في صفوف مستقيمة!".
اذا، بهذا الادعاء البسيط وبشتلتين ذاويتين كان بالإمكان تكذيب ادعاءات السلطات الإسرائيلية، التي فرضت سيطرتها على ما يقارب مليونا ونصف المليون دونم بالتحايل والتلاعب ورغم أن الكثيرين من أصحابها أحياء يرزقون بل يطالبون باسترجاع حقوقهم، ومن هنا فإنه من الخطأ تبني ما تبنته المحكمة الإسرائيلية بخصوص أراضي الدولة ولا عدالة إلا بالتعامل مع كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، إلا على أنها أراض خاصة ومحمية وفق القانون الدولي!


* قانون التسوية وحلّ الدولتين!


في عودة إلى أم الحيران وما سبقها في قلنسوة، فإن جرائم الهدم هذه جاءت لتقول لفلسطينيين من مواطني إسرائيل أن هذه الدولة مصرة على مسح الخط الأخضر وأنها بذلك تعادي مواطنيها كما تعادي سكان المناطق المحتلة إذ أن المعركة ليست إلا قومية بين العرب واليهود- كل العرب ضد اليهود كلهم وبالعكس! وضمن هذا المنطق أرفقت عملية إخلاء عامونا بسن ما يعرف بـ "قانون التسوية" وهو القانون الذي يؤكد الولاء المطلق للمستوطنين ومشروعهم بدوس فج للخط الأخضر. هذا كله رغم الإدراك التام لخطورة القانون الذي حذّر من اسقاطاته المستشار القضائي للحكومة بل رئيسها ذاته، لتنافيه مع القانون الدولي بل والإسرائيلي، إذ أن هذا القانون يتيح التوصل إلى تسوية بشأن البؤر الاستيطانية التي تقام بشكل غير شرعي على أراض فلسطينية خاصة من خلال فرض التعويضات على أصحابها الأصليين.
الكثيرون اعتبروا هذا القانون - وبحق- حجر عثرة آخر أمام التوصل إلى حل الدولتين، وهذا أمر لا شك فيه، وكان يكفينا أن نسمع محتالا كنتنياهو يتحدث عن هذا الحل لندرك أنه ما احتضنه إلا ليطعنه ويجهضه، وبالفعل فإن الممارسات الإسرائيلية تضع تحديات أمام هذا الحل، وأمام من ينادون به - وعلى رأسهم حزبنا الشيوعي ومنظمة التحرير الفلسطينية - فإن كان إخلاء 40 عائلة من عامونا بهذه الحدة فكيف سيكون إخلاء المستوطنين كلهم، والذين بلغ عددهم في نهاية العام 2016، وفق معطيات مجلس المستوطنات (يشاع): 421,000 مستوطن في الضفة الغربية، يسكنون في 173 مستوطنة، من بينها 4 مدن كبيرة وتشتمل 14 منطقة صناعية يعمل فيها 17 ألف عامل (من بينهم 11 ألف عامل عربي!) وحرما جامعيا وكليتين، وتسيطر على أهم مناطق الضفة الغربية بما فيها أهم مجمعات المياه الجوفية؟ وهذا كله طبعا دون الحديث عن نحو 300 ألف مستوطن في مدينة القدس الشرقية وحدها!
ولكن أيكفي الحديث عن موت هذا الحل ومناكفة حكومة اليمين الفاشي بالقول: "طيّب، إن لم تريدوا حل الدولتين فنحن أيضا نكاية بكم.. لا نريده؟!" ليس الهدف هنا التشكيك بنوايا من يرى بأن الحل الأكثر عدالة ومثالية للقضية الفلسطينية يكون بالدولة العلمانية الواحدة، ولكن السؤال هنا، ولأننا لسنا في مختبر منعزل عن الواقع: كيف بالإمكان تحقيق ذلك في ظل المستجدات الراهنة؟ في ظل الفجوات الهائلة في كافة المجالات بين المواطنين اليهود والعرب؟ هنالك من يقول: فلتكن إذا دولة أبرتهايد لنفضحها أمام العالم! ولكن، أليس كونها دولة الاحتلال الأطول والأبشع والأخير كفيلا بفضحها؟ ثم، أليست اليوم في المناطق المحتلة دولة أبرتهايد بالفعل؟! أكتب هذا الكلام وتتملكني الخشية من أن البعض يريدها "دولة أبرتهايد" ليفضحها دون التفكير العميق بما يعنيه هذا الأمر، وهنا تعود بي الذاكرة إلى زيارتي لجنوب إفريقيا، فهناك ورغم العزة القومية والنشوة التي يعيشها أهل البلاد من سمر البشرة إلا أن الفجوات الاقتصادية واضحة للعيان منذ اللحظات الأولى، وفي الطريق من المطار أفهمني سائق سيارة الأجرة كل القصة بجملة واحدة: المحاصصة هنا واضحة - السياسة للسود والاقتصاد للبيض!
في النهاية، أعتقد بأن الاجتهاد هام ومطلوب، وهنالك متسع حتى للدعوات بالتنازل عن المشروع التحرري الفلسطيني المنادي بإقامة دولة فلسطينية في حدود العام 1967، لصالح الدولة الواحدة، رغم أنني أراه اعترافا بنجاح سياسة الرفض والتعنت الإسرائيلية، لكن من غير المناسب أن يقوم بعض أصحاب هذا الموقف بالترويج لطرحهم بطرق شعبوية  ثورجية وكأن من ما زال يتمسك بالموقف الوطني التاريخي متحجر وانهزامي، كما أن على من ما زال مؤمنا بحل الدولتين أن يبين بأن هذا ما زال هو الحل الأصح والأكثر واقعية رغم كل هذه المستجدات وهو ما آمل أن يقوم به المؤتمر التاسع لجبهتنا، الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في نيسان القريب.
وأخيرًا لا بد من التذكير بأن واجبنا الوطني - نحن الفلسطينيين من مواطني إسرائيل- لا يقتصر على اغناء هذا السجال والحوار الفلسطيني الفلسطيني فحسب، إنما يؤدي إلى تحمل مسؤوليتنا بالعمل على بناء جبهة عربية يهودية واسعة مناهضة للفاشية المعربدة في إسرائيل- وهي إحدى ثلاث ركائز في المعركة ضد الاحتلال إلى جانب انهاء الانقسام الفلسطيني واستنهاض النضال الشعبي على الصعيد الداخلي، وتحشيد الرأي العام والدعم لقضية شعبنا وعدالته على الصعيد العالمي.

الأحد 12/2/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع