تشومسكي: من يحكم العالم..(2)





*فيما يلي ترجمة القسم الثاني من الجزء الأول من المقتطفات التي نشرتها صحيفة لوموند دبلوماتيك من كتاب المفكر الأمريكي التحرري البارز نعوم تشومسكي*


**التحديات اليوم: أوربا الشرقية


لننتقل إلى المنطقة الثانية، أوربا الشرقية، حيث توجد أزمة وشيكة على الحدود بين روسيا والناتو. وهي ليست بمشكلة صغيرة. يكتب ريتشار ساكوا Richard Sakwa  في دراسته المضيئة والدقيقة للمنطقة  أوكرانيا الخط الأمامي: الأزمة في الأراضي الحدوديةFrontline Ukraine: Crisis in the Borderlands -والكلام كله معقول جداً- إنّ "الحرب الروسية الجورجية في آب 2008 كانت عملياً أولى 'الحروب لإيقاف توسيع الناتو'؛ أما الأزمة الأوكرانية في 2014 فهي الثانية. ليس من الواضح ما إذا كانت الإنسانية ستتخطى حرباً ثالثة.”
لا يرى الغرب خطراً في توسيع الناتو، وليس غريباً أن لدى روسيا بالإضافة إلى قسم كبير من جنوب العالم رأياً مغايراً، وكذلك بعض الأصوات الغربية البارزة. لقد حذر جورج كينان George Kennan في وقت مبكر من أن توسيع الناتو "خطأ مأساوي”، وقد وافقة الرأي سياسيون أمريكيون مهمون في رسالة مفتوحة إلى البيت الأبيض واصفين توسيع الناتو بأنه"خطأ سياسي ذو أبعاد تاريخية.”
إن للأزمة الحالية جذورها في عام 1991في نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي. حيث كان هناك رؤيتان متعاكستان لنظام أمني وسياسي جديد في يوراسيا. كانت إحدى الرؤيتين -بتعبير ساكوا- " 'أوربا الموسعة' 'Wider Europe' والتي يكون الاتحاد الأوربي في موضع القلب منها ولكن مع سمات أكثر فأكثر تماثلاً مع المنظومة الأوربية-الأطلسية. ومن ناحية أخرى كانت هناك فكرة 'أوربا العظمى' 'Greater Europe' وهي رؤية لأوربا القارية الممتدة من لشبونةLisbon إلى فلاديفوستوك Vladivostok  والتي لها مراكز متعددة من ضمنها بروكسل وموسكو وأنقرة ولكن بغاية مشتركة وهي التغلب على التقسيمات التي ابتليت بها القارة تقليدياً.”
لقد كان الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف النصير الأساسي لـ أوربا العظمى، وهو مفهوم له جذوره أيضاً في الديغولية ومبادرات أخرى. لكن مع انهيار روسيا تحت وطأة إصلاحات السوق المدمرة التي جرت في عام 1990 تلاشت هذه الرؤية. ولم يُعَد تجديدها إلا عندما بدأت روسيا بالتعافي والبحث عن مكانها على المسرح العالمي بقيادة فلاديمير بوتين الذي دعا مع مساعده ديميتري ميدفيديف مراراً إلى "التوحيد الجيوسياسي لكل 'أوربا العظمى' من لشبونة إلى فلاديفوستوك، من أجل خلق 'شراكة استراتيجية' صادقة.”
يقول ساكوا إن هذه المبادرات قد قوبلت "بازدراء مهذّب”، ونُظر إليها على أنها " لا تعدو كثيراً عن كونها غطاءً لتأسيس 'روسيا العظمى' وجهداً " لدق إسفين " بين أمريكا الشمالية وأوربا الغربيّة. تعود هذه المخاوف إلى مخاوف الحرب الباردة من أن أوربا يمكن أن تصبح "قوة ثالثة" مستقلة عن كلا القوتين العظميين الكبرى والصغرى وتتقدّم نحو روابط أقوى مع الآخيرة ( وهذا ما يمكن رؤيته في مبادرة ويلي براند الأوستبوليتيكOstpolitik ومبادرات أخرى).
ردة الفعل الغربية تجاه انهيار روسيا كانت اعتباره انتصاراً. ورُحّب به باعتباره مؤشراً لـ "نهاية التاريخ" نصر الديمقراطية الرأسمالية الغربية الأخير، لقد نظروا إليه تقريباً وكأنه قد أوعز إلى روسيا العودة إلى حالتها ما قبل الحرب العالمية الأولى كمستعمرة اقتصادية فعلية للغرب. بدأ توسيع الناتو مباشرةً، وكان ذلك خرقاً للضمانات الشفهية التي أعطيت لغورباتشوف بأن قوات الناتو لن تتقدم "إنشاً واحداً نحو الشرق" بعد أن وافق على أن تصبح ألمانيا الموحدة عضواً في الناتو – وهو تنازل مهم في ضوء التاريخ. لم يتعدّ هذا النقاش ألمانيا الشرقية. ولم تُناقش مع غورباتشوف احتمالية أن يمتدّ الناتو إلى ما بعد ألمانيا ، وإن كانت في موضع الاعتبار بمعزل عنه.
فعلاً بدأ الناتو مباشرة بالتحرك إلى ما بعد ألمانيا، إلى الحدود مع روسيا تماماً. وغُيّرت المهمة العامة للناتو رسميّاً ليصبح مخوّلاً بحماية "البنية التحتية الحيويّة" لنظام الطاقة العالمي أي خطوط الملاحة البحرية وخطوط الأنابيب، ما أعطاه منطقة عمليات على امتداد العالم. زيادةً على ذلك، ففي ظل التعديل الجوهري الغربي لمبدأ "مسؤولية الحماية"- المُبشر به على نطاق واسع الآن والمختلف عن النسخة الرسمية للأمم المتحدة- يمكن أن يقوم الناتو الآن بوظيفة قوة التدخل تحت إمرة الولايات المتحدة.
إن لخطط توسيع الناتو ليشمل أوكرانيا أهمية خاصة بالنسبة إلى روسيا. ولقد أفصح عن هذه الخطط بوضوح في قمة بوخارست للناتو في أبريل 2008 عندما أعطيت جورجيا وأوكرانيا وعداً بأن تصبحا أخيراً عضوين في الناتو. كانت الصياغة واضحة: “يرحب الناتو بالطموح الأوربي-الأطلسي لأوكرانيا وجورجيا إلى عضوية الناتو، لقد وافقنا اليوم على أن يصبح هذان البلدان عضوين في الناتو.” مع انتصار "الثورة البرتقالية” للمرشحين الموالين للغرب في أوكراينا عام 2004 سارع وزير الخارجية دانييل إلى هناك و"أكّد دعم الولايات المتحدة طموحات أوكرانيا الأوربية-الأطلسية وتطلعها إلى العضوية في الناتو”، حسب ما كشف تقرير لويكيليكس WikiLeaks.
يمكن فهم مخاوف روسيا بسهولة. وقد أوجزها الباحث في العلاقات الدولية جون ميرشامر في الصحيفة الرئيسية للنخبة في الولايات المتحدة Foreign Affairs حيث كتب إن "جذر الأزمة الحالية [حول أوكرانيا] هو توسيع الناتو والتزام واشنطن بإخراج أوكرانيا من مدار موسكو ودمجها بالغرب" وهو ما يراه بوتين على أنه "تهديد مباشر للمصالح المركزية لروسيا."
يسأل ميرشايمر “ومن يستطيع لومه؟" موضّحاً أن "واشنطن قد لا يعجبها موقف موسكو، ولكن عليها أن تفهم المنطق الكامن وراءه."من المفترض ألا يكون هذا صعباً جداً . ففي النهاية، وكما يعلم الجميع ” فإن الولايات المتحدة لا تطيق أن تنشر قوى عظمى غير صديقة قوات عسكرية في أي مكان في نصف الكرة الغربي، حتى وإن كان ذلك أبعد بكثير عن حدودها.”
في الواقع إن موقف الولايات المتحدة اقوى بكثير فهي لا تتسامح مع سمّي رسمياً "عصياناً ناجحاً" لمبدأ مونرو Monroe المعلن عنه في عام 1923  والذي صرَّح (ولكن لم يُنفَّذ) عن سيطرة الولايات المتحدة على نصف الكرة. وإن أفلح بلد صغير بعصيان ما فإن ذلك سيجعله عرضة لـ "أهوال الأرض” وعقوبات مدمّرة -كما حدث لكوبا-. لا حاجة لتصور ردة فعل الولايات المتحدة لو أن بلدان أمريكا اللاتينية انضمت إلى حلف وارسو وكانت هناك ترتيبات لضم المكسيك وكندا كذلك. إن أقل تلميح باتخاذ الخطوات المبدئية الأولى في هذا الاتجاه كان "سينتهي بتحيّز شديد" نحو تبني لغة الـ CIA.
كما في حالة الصين، لا حاجة للتعاطف مع تحركات بوتين ودوافعه لفهم المنطق الكامن وراءها أو استيعاب أهمية فهم هذا المنطق بدلاً من إصدار اللعنات الغاضبة عليه. كما في حالة الصين، فإن المخاطرة كبيرة وتطال نتائجها -حرفياً- مسألة البقاء.


**التحديات اليوم: العالم الإسلامي


لننتقل الآن الآن إلى المنطقة الثالثة والتي تشكل مصدر قلق رئيسي وهي العالم الإسلامي (بغالبيته إسلامي) وإلى مشهد الحرب العالمية على الإرهاب Global War on Terror (GWOT) التي أعلن عنها جورج دبليو بوش في عام 2001 بعد الهجوم الإرهابي في الحادي عشر من أيلول سبتمبر أو بمزيد من الدقة أعاد الإعلان عنه. فالحرب العالمية على الإرهاب كانت قد أعلنتها إدارة ريغان عند توليها السلطة، مع خطاب محموم عن "بلاء نشره شذّاذٌ يعادون الحضارة نفسها" (بحسب قول ريغان) و "العودة إلى البربرية في العصر الحديث" (بتعبير جورج شولتز George Shultz وزير خارجية ريغان). إن الحرب العالمية الأصلية على الإرهاب قد امّحت من التاريخ بهدوء. فقد تحولت إلى حرب إرهابية إجرامية مدمّرة أصابت أمريكا الوسطى وجنوب إفريقيا والشرق الأوسط واستمرّت عواقبها المخيفة حتى اليوم، حتى أنها أدت إلى إدانة الولايات المتحدة من قبل المحكمة الدولية (رفضت واشنطن هذه الإدانة). في أي حدث، لا تكون القصة صحيحة للتاريخ. لذلك فإنها تختفي.
يمكن تقييم نجاح نسخة بوش-أوباما من الحرب العالمية على الإرهاب بمعاينةٍ مباشرة. عندما أُعلنت الحرب، كانت الأهداف الإرهابية محصورة في بقعة صغيرة في أفغانستان القبلية. وكان الأفغان -ورغم أنهم كانوا يكرهون هؤلاء الإرهابيين أو يزدرونهم – هم من يحمي هذه الأهداف، وهذا ما حيّر الأمريكيين عندما رفض الفلاحون الفقراء “تسليم أسامة بن لادن مقابل 25 مليون دولار وهو مبلغ هائل بالنسبة إليهم.”
هناك أسباب معقولة للاعتقاد بأنه كان يمكن لعملية بوليسية معدّة بإتقان أو حتى مفاوضات دبلوماسية جادّة مع الطالبانيين أن تؤدي إلى تسليم هؤلاء المشتبه بهم بجرائم الحادي عشر من أيلول سبتمبر إلى الأمريكيين. ولكن هذه الخيارات لم تكن مطروحة على الطاولة، بدلا من ذلك كان الخيار الانفعالي العنف واسع النطاق -ليس بهدف الإطاحة بطالبان (وهو ما حدث لاحقاً) ولكن لإظهار ازدراء واشنطن لما قدمته طالبان من عروض مبدئياً بإمكانية تسليم بن لادن إليهم لمحاكمته. لا نعرف مدى جدية هذه العروض حيث أنّه لم ينظر بعين الاعتبار إلى إمكانية التطرق إليها. أو ربّما كانت نية الولايات المتحدة هي "محاولة إظهار عضلاتها، وإحراز انتصار وإخافة الجميع في العالم. إنّهم لا يعبؤون بمعاناة الأفغان أو كم سنفقد من الناس.”
هذا هو رأي القائد المناهض لطالبان والذي يحظى باحترام كبير عبد الحق، وهو أحد المعارضين الذين أدانو حملة القصف الأمريكية التي بدأت في تشرين الأول من عام 2001 ووصفها بـ" عقبة كبيرة" أمام جهودهم الرامية إلى الإطاحة بطالبان من الداخل، وهو هدف اعتبروه في متناول يدهم. هذه الرؤية أكّدها ريتشارد كليرك Richard A. Clarke الذي كان رئيس مجموعة الأمن المضادّة للإرهاب Counterterrorism Security Group في البيت الأبيض في عهد الرئيس جورج دبليو بوش عندما وضعت خطط الهجوم على أفغانستان. حيث وصف كليرك اللقاء عندما أُبلغوا بأن الهجوم مخالف للقانون الدولي "صرخ الرئيس في غرفة المؤتمر الضيقة 'لا يعنيني ما يقوله القانون الدولي، عقابنا سيكون شديداً '”. لقد قوبل الهجوم بمعارضة شديدة أيضاً من قبل منظمات الإغاثة الرئيسية العاملة في أفغانستان والتي حذرت من ان الملايين على حافة المجاعة وأن العواقب ستكون مريعة.
لا حاجة لاستعراض ما ترتّب من نتائج على الأفغان الفقراء بعد سنوات من الهجوم.
كان العراق الهدف التالي للمطرقة. الغزو الذي قامت به الولايات المتحدة والمملكة المتحدة دون أي ذريعة كان الجريمة الكبرى في القرن الحادي والعشرين. لقد قاد الغزو إلى موت مئات الناس في البلد الذي كانت العقوبات الأمريكية والبريطانية قد دمرت مجتمعه المدني مسبقاً. كانت هذه العقوبات قد اعتبرت "عقوبات إبادة” من قبل الدبلوماسيَّين البارزَين الذَين كانا مشرفين عليها واستقالا احتجاجاً لهذا السبب. لقد أدى الغزو أيضاً إلى ملايين من اللاجئين ودمّر البلد على نطاق واسع وأثار صراعاً طائفيّا يمزّق الآن العراق والمنطقة بكاملها. ما يذهل في ثقافتنا الفكرية والأخلاقية هو أنه في الدوائر المثقفة والمستنيرة يطلق ببرود على ما حدث "تحرير العراق".
وجدت الاستطلاعات التي أجراها البنتاغون ووزارة الجيش البريطانية أن 3% فقط من العراقيين يعتبرون الدور الأمني للولايات المتحدة في منطقتهم شرعياً، وأقلّ من 1% يعتقدون أن "التحالف” أي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة كان جيداً بالنسبة إلى أمنهم و80% يعارضون وجود قوات التحالف في بلدهم وأن الأكثرية يدعمون الهجمات على الوحدات العسكرية للتحالف. أما أفغانستان فقد كان دمارها أكبر من أن يسمح بإجراء استطلاع رأي يمكن الاعتماد عليه، ولكن هناك دلائل على أن الوضع هناك يمكن أن يكون مماثلاً لما هو عليه في العراق. لقد عانت الولايات المتحدة في العراق بالتحديد هزيمة مؤلمة، وتخلت عن الأهداف الرسمية للحرب وتركت البلاد تحت سطوة المتنصر الوحيد إيران.
لقد حُملت هذه المطرقة أيضاً في مناطق أخرى، بشكل ملحوظ في ليبيا حيث أصدرت القوى الإمبريالية التقليدية الثلاث (بريطانيا، فرنسا، والولايات المتحدة) أصدرت قرار مجلس الأمن 1973 وخرقته فوراً، لتصبح القوة الجوية للمتمرّدين. والنتيجة كانت تقويض احتمالية حصول تسوية سلمية عن طريق التفاوض؛ زيادة عدد الضحايا بشكل حاد (عشرة أضعاف على الأقل بحسب الاختصاصي في العلوم السياسية آلان كوبرمان Alan Kuperman)؛ ترك ليبيا مدمّرةً في أيدي الميليشيات المتقاتلة؛ وفي الآونة الأخيرة إعطاء الدولة الإسلامية قاعدة يمكنها استخدامها لنشر الإرهاب إلى ما بعد ليبيا. يستعرض أليكس دو وال Alex de Waal الاختصاصي في شؤون إفريقيا تجاهل الثلاثي الإمبريالي المقترحات المعقولة جدّاً التي تقدّم بها الاتحاد الإفريقي والتي قبلها معمّر القذافي من حيث المبدأ. لقد أدى التدفق الهائل للأسلحة والجهاديين إلى انتشار الإرهاب والعنف من غرب أفريقيا (التي حازت البطولة حالياً في جرائم القتل الإرهابي) إلى بلاد الشام، بينما أدى هجوم الناتو إلى فيضان من اللاجئين متدفق من إفريقيا إلى أوربا.

الأحد 12/2/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع