في ندوة هامة في معهد إميل توما:
تقارير استراتيجية أم طرح بدائل استراتيجية خطيرة!





//تقرير خاص
بدعوة من معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية والاسرائيلية عقدت ندوة تناولت "التقارير الاستراتيجية" التي تصدر بين حين وآخر عن مراكز أبحاث وجمعيات المجتمع المدني ، وخاصة ما يتناول منها واقع ومكانة الأقلية القومية العربية في اسرائيل. وكانت الندوة تحت عنوان: "التقارير الاستراتيجية حول الجماهير العربية في إسرائيل – تقارير استراتيجية أم أيديولوجيات بديلة". وقد ترأست الندوة وحاورت المشاركين فيها الرفيقة نسرين مرقس – الرئيسة المشاركة في مشروع مجتمع مشترك في جمعية سيكوي. كما شارك في الندوة على التوالي البروفيسور أمل جمال ، رئيس مركز إعلام ، والصحفي والحقوقي سليم سلامة وشرف حسان عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي ، حيث شارك في مداخلات في النقاش عصام مخول ، ود. هشام روحانا ورجا زعاترة والمحامي شادي شويري وغسان مخول ، وسوف تنشر الندوة كاملة في "منصة معهد إميل توما " على الواتساب في الايام القريبة، كم ستنشر الاتحاد قريبا مداخلتي النائب جبارين وشرف حسان.


**البروفيسور أمل جمال: التقرير الاستراتيجي استشراف المستقبل وليس طرح الالتزامات الايديولوجية

كان البروفيسور أمل جمال أول المتحدثين موضحًا أن مجموعة التفكير الاستراتيجي المكونة من عدد من المثقفين والاكاديميين والفاعلين الاجتماعيين الفلسطينيين في الداخل بدأت بالعمل على استيضاح التحديات والاحتياجات الخاصة بالمجتمع الفلسطيني في الداخل محاولة تحليل الواقع على كل مركباته وذلك من اجل استشفاف واستشراف المستقبل. وعملت المجموعة على التواصل مع اقطاب مختلفة بالمجتمع من اجل التحقق من تحليلاتها حول الواقع، بما في ذلك العمل مع مجموعة التفكير الاستراتيجي الفاعلة في الاراضي المحتلة العام 1967. كما عملت المجموعة على بناء سيناريوهات مستقبلية جائزة ممكن ان تتطور بناءً على الواقع والإرادات السياسية والاستراتيجية للقوى الفاعلة فيه.
وأضاف: انطلقت المجموعة من الفرضية بأن الفلسطينيين في الداخل هم الاجدر بتعريف مصالحهم مقابل المؤسسة السياسية الاسرائيلية وبالتماشي مع هويتهم الفلسطينية، خاصة تماهيهم مع احتياجات ومصالح الشعب الفلسطيني بأكمله. كما انطلقت من الادعاء بأن المجتمع الفلسطيني في الداخل يُعتبر من منظور اسرائيلي جزءًا من المشكلة ولكنه لم يكن جزءًا من الحلول المطروحة على الساحة. تهميش المجتمع الفلسطيني في الداخل هو جزء من الاستراتيجية الاسرائيلية تفكيك الشعب الفلسطيني وطرح الحلول تتماشى مع المصالح الاسرائيلية.
وقال: من أهداف المجموعة العمل على بناء استراتيجية عمل، قادرة على تشخيص وضع ومكانة العرب، وبناء خطة عمل تحوّل المجتمع الفلسطيني في الـ 48 إلى فاعلٍ على مستوى الصراع ومستوى تحصيل الحقوق والتأثير ليس على واقع الفلسطينيين في الداخل فقط وانما تقديم يد العون للمجتمع الفلسطيني في الاراضي المحتلة وفي الشتات كجزء لا يتجزأ من نفس الشعب. 
وتطرق بروفسور جمّال إلى التقرير قائلا: التقرير الاستراتيجي خلص إلى ان هنالك مستويين اساسيين للتعامل مع الواقع الاسرائيلي- الفلسطيني القائم. المستوى الاول يتعلق بنوعية العلاقة بين الطرفين، تصالحية كانت او تصادمية. المستوى الثاني يتعلق بنوعيات الحلول المطروحة للصراع بين الطرفين والتي تتلخص بمشروع الدولتين من جهة ومشروع الدولة الواحدة من جهة اخرى.
وفسر بروفسور جمّال الى ان التقاطع بين هذين المستويين يطرح 4 امكانيات مختلفة: الامكانية الاولى هي التصالح للوصول الى حل الدولتين، الامكانية الثانية هي التصادم والانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة 1967 وصولا الى دولتين، الامكانية الثالثة التصالح في اطار دولة واحدة، والامكانية الرابعة التصادم في اطار دولة واحدة يمكن تعريفها بدولة ابرتهايد.
واسهب جمّال: تم توصيف كل واحدة من هذه الامكانيات وتشعباتها في التقرير الاستراتيجي مبينين امكانيات حصول اي منها والتداعيات الناتجة عن ذلك، إلا أنه وحسب التطورات الحاصلة في الواقع الاسرائيلي والفلسطيني في السنوات الاخيرة فان الامكانية الاكثر ترجيحا للحصول في المستقبل القريب على الاقل هي استمرار التصادم القائم في اطار واقع دولة واحدة تتحكم فيها اسرائيل على المستوى الاستراتيجي والعسكري. خلص التقرير بأن هذه الامكانية لا تخدم مصالح الشعب الفلسطيني، بما في ذلك المجتمع الفلسطيني في الـ 48 وهنالك حاجة لتطوير استراتيجيات مستقبلية للتعامل مع هذا الواقع للتغلب عليه وتغييره باتجاهات يريدها الشعب الفلسطيني ليس كمجموعات مختلفة وانما كشعب واحد له مصالح مشتركة.
ونوّه بان التقرير الاستراتيجي يتمحور في مكانتنا كأقلية داخل إسرائيل، مع التأكيد أن حل الدولتين ليس قيميّا، وبالرغم من ان هنالك ارادة سياسية الوصول إليه علينا الا نتجاهل أنه ومن بعد اتفاقيات أوسلو بدأ هذا الحل يفقد مضمونه، حيث أفرغته القيادة السياسيّة الإسرائيلية من أي مضمون، خاصةً بعد تعاظم قوة اليمين الفاشي في الحكم. وعلى القيادات الفلسيطينية الاعتراف بهذا الواقع وأخذ ملابساته بعين الاعتبار عند طرح الحلول امام الشعب الفلسطيني بأكمله، بما في ذلك الفلسطينيين في الـ 48.
ورد على ملاحظات الجمهور مؤكدًا أن هدف التقرير الاستراتيجي ليس تقديس النص وانما طرح نوعية عمل ونمط من التفكير يأخذ بعين الاعتبار ديناميكيات الواقع والتطورات الحاصلة عليه ومصالح اللاعبين الاساسيين فيه من اجل استشراف المستقبل وطرح البدائل امام القيادات للتحضر للتعامل مع الامكانيات المستقبلية وتجهيز الموارد اللازمة لذلك. كما وضح ان هدف الندوة هو جمع الملاحظات على التقرير وسماع رأي الجمهور من باب العمل على تعديله.
ونوه جمّال أن التقارير الاستراتيجية تهدف الى استشراف المستقبل وليس طرح الالتزامات الايديولوجية وذلك من أجل التخطيط المستقبلي وتحميل القيادات المسؤولية عما يحدث في المجتمع، وذلك من اجل منع القيادات من التستّر وراء عدم المعرفة والحد من المفاجآت المستقبلية عند عامة الجمهور.
كما فسّر بروفسور جمّال ان من خصائص التقارير الاستراتيجية هو عدم التناسق الداخلي لانها تهدف الى طرح سيناريوهات مختلفة من الممكن ان تكون بينها تناقضات اساسية ولهذا فان قراءة التقرير وكأنه مانفيستو ايديولوجي هي قراءة خاطئة لا توفي التقرير حقه وتحمّل كاتبيه مسؤولية تتجاوز وظيفتهم الاساسية كأكاديميين ومثقفين يرون بأن دورهم الاساسي هو التوعية والترشيد الفكري والاستراتيجي.



**النائب د. يوسف جبارين: لا بد من خلق تقاطعات بين العمل الاكاديمي والنضال السياسي


وفي مداخلته، قال النائب د. يوسف جبارين أن هناك توترًا معروفًا بين الكتابة الأكاديمية وبين العمل السياسي الميداني، مؤكدًا على أن هناك بَونا متوقعا بين التحليلات والتفسيرات النظرية المطروحة وبين ظروف العمل السياسي على أرض الواقع، لكن هذا التوتر لا يجب ان يقود لانقطاع بين هذين المستويين، الأمر الذي من شأنه أن يمسّ بالنضال الساعي لتحقيق المساواة والحقوق للجماهير العربية في البلاد.
وقال أن هنالك ضرورة لخلق تقاطعات بين هذين المجالين لضمان تكامل بين العمل الأكاديمي والسياسي بهدف توظيف المعرفة النظرية والبحثية لدفع مشروع التغيير المجتمعي والسياسي، خاصةً في ظل هذه التحدّيات التي يمر بها مجتمعنا وشعبنا.
وأشار الى نموذج المثقف العضوي الذي يندمج بالحياة السياسية والحزبية ويعمل على التداخل مع قضايا مجتمعه وهموم شعبه، وعدم الانقطاع عن النضالات الميدانية الأساسية التي يتوخى المجتمع منه أن يكون شريكًا فيها. كما أكد جبارين على أهمية اندماج الأكاديميين والمثقفين في الحياة الحزبية والسياسية، وان تقوم الأحزاب باحتضان الخبرات الأكاديمية والعمل سوية على بلورة نُظم التغيير المجتمعي ودفع النضال السياسي. وقال جبارين، أن التكامل بين العمل السياسي والحزبي وبين العمل الأكاديمي من شأنه اثراء آليات النضال ومن شأنه أن يُشكِّل رافعة أخرى للضغط على المؤسسات الحكومية ومتخذي القرارات.
وفي ملاحظاته حول الخطاب السياسي قال جبارين أن الحق الأساسي الذي تضمنه الشرعية الدولية وتم تضمينه في البند الاول من المعاهدات الدولية المركزية لحقوق الانسان، هو حق الشعوب بتقرير مصيرها. وأضاف جبارين ان قرار التقسيم من العام 1947 نصَّ على اقامة دولتين ديمقراطيتين، إلَّا أنه وحتى يومنا هذا لم تقُم الدولة الفلسطينية، بينما قامت اسرائيل على 78% من ارض فلسطين التاريخية.
وأكد جبارين ان الفلسطينيين في كافة اماكن تواجدهم يعانون من انتهاكات صارخة لحقوق الانسان، وتحديدًا الحق بتقرير المصير والسيادة الوطنية. فالمواطنون الفلسطينيون في دولة إسرائيل يعانون من التمييز وسياسات الاقصاء، ويتم التعامل معهم كمواطنين من درجة ثانية او ثالثة، رغم كونهم اقلية اصحاب الوطن الأصليين. اما الفلسطينيون في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 فلا تزال اسرائيل تسلبهم الحق بتقرير المصير من خلال اقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة كما تمليه الشرعية الدولية، اما اللاجئون الفلسطينيون في الاراضي المحتلة والشتات فلا تزال اسرائيل تسلب حقهم بالعودة إلى قراهم وبلداتهم.



**سليم سلامة: ما هي الحاجة؟ ومن المستفيد


استهل سليم سلامة مداخلته بالتنويه إلى ضرورة مقاربة موضوع ما يسمى بـ"التقارير الاستراتيجية"، إجمالًا، بالانطلاق من سؤالين أساسيين جوهريين: ما هي الحاجة؟ ومن هو المستفيد؟
في الإجابة على سؤال "ما هي الحاجة"، ينبغي التأكيد على أن ما ينقص الأقلية العربية في إسرائيل ليس المزيد من "التقارير الاستراتيجية"، إذ لا شيء تغير جوهريا منذ "وثيقة التصور المستقبلي" بما يستدعي إعداد ووضع "تقرير استراتيجي" جديد. وفي الإجابة على سؤال "من هو المستفيد"، من الضروري الانتباه إلى الجهة المبادرة، الراعية، المنظمة والممولة لأي "تقرير استراتيجي"، بما يمكن أن يعين على فهم المقاصد والغايات من ورائه: لماذا؟ ولأية أهداف؟ 
وحين نناقش "التقرير الاستراتيجي" العيني، الجديد، الذي صدر بمبادرة ورعاية وتمويل من "مجموعة أكسفورد" ووزارة الخارجية النرويجية (راعية اتفاقيات أوسلو!)، حريّ بنا أن نضع الحقائق التالية أمامنا، أولًا: 1. أن "مجموعة أكسفورد" هذه تعتمد في منظورها إلى الشرق الأوسط وقضيته المركزية ـ القضية الفلسطينية ـ ما تسميه "منهج الواقعية السياسية"، من جهة أولى، وتسعى، من جهة ثانية، إلى تشجيع ما تسميه "الحوار والأمن المشترك كبدائل مستدامة للمواجهات العالمية العنفية".
وهذان المصطلحان ـ "الواقعية السياسية" و"نبذ العنف" ـ يشكلان عصبًا مركزيًا في نص وتوجه "التقرير الاستراتيجي" الحالي، قيد النقاش، بما يحملانه من تعريفات ورؤى، مفاهيم وتطبيقات غربية تتسق، تمامًا، مع تعريفات ومفاهيم "اليسار الإسرائيلي" (الصهيوني) في منظوره السياسي والأخلاقي تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته ومقاومته، كما تجاه الأقلية العربية في هذه البلاد. وهذا "اليسار" هو شريك أساسي في رسم وإعداد هذا "التقرير الاستراتيجي"، كما يتضح، وذلك من خلال "معهد فان لير"، الذي هو "الشريك الأساسي" لهذه المجموعة (مجموعة أكسفورد) في إسرائيل ومقرر أنشطتها في البلاد (حسبما هو مثبت على موقع المجموعة على الشبكة). 
ولهذا، فمن الواضح أن هذه الجهات المبادرة، الراعية والممولة لا ترى الأمور بالمنظور السياسي نفسه الذي يراه الفلسطينيون هنا في إسرائيل، على الأقل، مما يجعل السؤال عن المستفيد (من هذا التقرير) على درجة عالية من الأهمية والحيوية.
وارتباطا بهذا، وقبل الخوض في مناقشة نصوص هذا "التقرير الاستراتيجي" ومضامينه وتوجهاته، ينبغي التأكيد على خطأ، بل خطر، إقدام مجموعة، أيًا كانت ـ مع حفظ الاحترام الشخصي للأفراد ـ وإعطاء نفسها الحق في وضع "تقرير استراتيجي" عن الأقلية القومية وباسمها، بعيداُ عن هيئاتها التمثيلية المنتخبة والمعترف بها ومن وراء ظهرها، رغم كل ما يمكن أن يقال عن قصوراتها وإشكالياتها وأزماتها، والتي لا تبرر ـ ولا في حال من الأحوال ـ ما يذهب إليه هذا التقرير من "جزم"(!) بأن "لجنة المتابعة العليا لا يمكن التعويل عليها... في حالتها الراهنة، على الأقل" وبأنه "تنقصنا مرجعية استراتيجية لا يطغى عليها أي حزب أو فكر إيديولوجي"! وهما مقولتان سياسيتان تمهدان لما سينتهي إليه هذا "التقرير" من استنتاجات وخلاصات وتوصيات!
وفي قراءة متمعنة لنصوص هذا "التقرير الاستراتيجي"، نرى أن المصطلحين المركزيين اللذين اعتبرناهما "عصبا مركزيا في نص التقرير وتوجهاته" ("الواقعية السياسية" و"نبذ العنف") يحكمان لغة التقرير، صياغاته ومفرداته بما يشكل مجمل المواقف، المقولات والتوجهات السياسية التي يأتي هذا التقرير لطرحها وتسويقها، كما سنبين أدناه. وللنمذجة على هذا، نكتفي بالإشارة السريعة إلى:
1. يعتبر التقرير ما يجري في بعض الدول العربية، في أكثر من مكان، بأنه "حروب أهلية" (في سوريا وليبيا واليمن)... أهي كذلك، حقًا؟
2. يتعمد التقرير، في عرضه تاريخ الصراع هنا، أي حديث عن الاستيطان الكولونيالي الإحتلالي في فلسطين، بل يختار "لغة ناعمة" (!) فيتحدث عن "استحواذ على الحيزّ" في أكثر من مكان، فيشير إلى "مواجهة مع الحركة الصهيونية التي أحدثت النكبة واستحوذت على فلسطين التاريخية" وإلى "الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل الرسمية التي استحوذت على فلسطين التاريخية"!
3. وفي اعتماده المقصود لهذه "اللغة الناعمة"، يتحدث التقرير عن الحروب العدوانية التدميرية التي شنتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة باستخدامه المصطلحات الإسرائيلية عن "عمليات عسكرية ضد الفلسطينيين في غزة والضفة" و"استعمال مفرط للقوة ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967".
4. واللغة ذاتها تطغى، أيضا، في الحديث عن "أحداث أكتوبر 2000" و"القمع السلطوي للعرب الفلسطينيين في تشرين الأول عام 2000" ويعتبر أن قرار الحكومة الإسرائيلية حظر "الحركة الإسلامية" (الجناح الشمالي) وجميع الجمعيات والهيئات التابعة لها إنما جاء "من أجل الحدّ من نشاط الحركة الإسلامية في المسجد الأقصى"!!
هذه مجرد عينة صغيرة فقط من المنظومة اللغوية ـ الاصطلاحية ـ المفاهيمية التي تنسجم، تمام الانسجام، مع منهج "الواقعية السياسية" و"نبذ العنف" الذي يقوم عليه التقرير ليخلص، بالتالي، إلى البناء على ما يسميه "أفول نجم المسألة الفلسطينية"، ثم القول بأنه "يتوجب على الفلسطينيين في الداخل أن يشكلوا ذاتا مستقلة وأن يلعبوا دور الوسيط في حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي" وذلك من خلال "فك الارتباط (ارتباطهم!) عن مشاريع شمولية ترفض اليهود وإسرائيل من حيث المبدأ" و"الامتناع عن الربط بين نضالاتهم هنا، في إطار توجهات سياسية محسوبة، وبين العنف الواقع على إسرائيل كدولة أو مواطنين من خارج الحدود، بصرف النظر عن أسبابه... هناك ضرورة لفك الارتباط بعنف كهذا والانتباه إلى الضرر الذي يلحقه بقضيتنا ونضالاتنا العادلة"!... هذا هو المطلوب، إذن: "فك الارتباط مع العنف الواقع على إسرائيل من خارج الحدود، بصرف النظر عن أسبابه"! بيد أن "العنف" المقصود هنا ليس إلا المقاومة... مقاومة الاحتلال والعدوانات الإسرائيلية المتكررة، في الضفة الغربية وقطاع غزة و.. لبنان!
ولكي تكتمل دائرة نزع الأقلية القومية ـ الوطنية هنا عن انتماءاتها وسياقاتها، ثم تدجينها وحصرها في شرنقة "تغليب المدني على القومي" (لأن "القومي ليس إلا عائقًا أمام تحقيق الحقوق المدنية"، كما يرى التقرير!)، وذلك من خلال بوابة "الشراكة اليهودية ـ العربية" التي "قد لا تظل آلية المرتجى فقط، وإنما هي غاية التغيير المرتجى"، فإن هذه الأقلية مُطالَبة ـ حسب التقرير ـ بـ"النزوع نحو تطوير أشكال المقاومة اللاعنفية كخيار استراتيجي نهائي، وهو ما تحتمه شروط الحالة"!
ولنا أن نسأل عن هذا التزوير لواقع الحال وقلب المعادلات رأسا على عقب: متى كانت "أشكال المقاومة العنفية" بمثابة "خيار استراتيجي" للأقلية القومية هنا؟ من هو الذي بيده وسائل العنف (الرسمية، المؤسساتية والقانونية) ومن هو الذي يستخدمه، يمارسه ويفرضه؟


*شرف حسان: بين وثيقتين، "المؤتمر المحظور" والحالية


وقدم شرف حسان مداخلة تحت عنوان "بين وثيقتين" قارن فيها بين سيرورة التفكير الاستراتيجي التي رافقت مؤتمر الجماهير العربية (المحظور) في العام 1980 ومخرجات هذه السيرورة واثرها وخصوصا وثيقة 6 حزيران 1980 وبين وثائق التخطيط والتفكير الاستراتيجي التي نشرت في العقد الاخير. واعتبر  ان المقارنة العلمية ستساهم في استخلاص عبر هامة من الضروري تعلمها اليوم في اي محاولة لتخطيط او تفكير استراتيجي تخص الجماهير العربية في اسرائيل.
واكد  على اهمية تجربة الجماهير العربية الفلسطينية في اسرائيل في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي وتجربة المؤتمر المحظور رغم ان هذا المؤتمر لم يحظ باهتمام اكاديمي كاف واحيانًا تم تجاهله كليًا. وحول هذه التجربة  قال  ان عملية التفكير انطلقت من قلب النضال السياسي وبقيادة ناشطي وقياديي العمل السياسي وبمشاركة واسعة من قبل الجماهير التي تفاعلت مع النشاطات التحضيرية للمؤتمر وكانت شريكة في جميع مراحله، مما منح هذا المؤتمر ووثائقه التي خاطبت الجماهير الواسعة شرعية وتأثيرا كبيرين لم يستطع امر المنع الحكومي الغاءها. واضاف حشان ان صياغات المؤتمر تضمنت مواقف سياسية واضحة، رؤية ديمقراطية ووطنية وطبقية عميقة، رسمت المستقبل الذي نريد بناءه وطرق النضال المعتمدة وغيرها. واكد حسان على ان هذه التجربة كانت محلية وأصلية بامتياز واسست لمرحلة جديدة توجت باقامة اللجان التمثيلية ولجنة المتابعة وايام نضالية اضافية.
بالمقارنة مع هذه التجربة الرائدة في حياة الجماهير العربية، فان التجارب الحديثة للتخطيط والتفكير كانت نخبوية بطابعها وجوهرها وغالبا تمت بمبادرة جمعيات في المجتمع المدني، ولم تحظ بشرعية واسعة من قبل الجماهير التي يخطط لها واحيانا كانت منعزلة عن الاجسام والهيئات السياسية التي تخص العرب في البلاد.
وفي محاولة لتحليل هذا الاختلاف اشار حسان الى اختلاف مجتمعنا اليوم عن قبل قرابة الاربعة عقود وعلى اختلاف السياق التاريخي، كما ان التراجع في العمل السياسي واحيانا الفوضى التي احدثتها التعددية السياسية واجنداتها المختلفة وخصوصا غياب مرجعية سياسة فاعلة تحظى بشرعية واسعة  تقود عمليات التفكير والتخطيط الاستراتيجي خلق نوع من الفراغ ساهم في انطلاق مبادرات مدنية- سياسية من قبل جمعيات مختلفة تحاول التأثير وفق اجندتها. واكد حسان على ضرورة استخلاص العبر وبناء سيرورات جديدة للتفكير والتخطيط تشبه مميزات مرحلة المؤتمر المحظور تلائم مجتمعنا اليوم خصوصًا ان الواقع السياسي يفرض تحديات هائلة يجب مواجهتها بكل قوة.



**عصام مخول: نحن إزاء مطب استراتيجي!


واعتبر عصام مخول في معرض نقاشه أن التقارير الاستراتيجية في هذه الحالة لا تأتي لتعكس الوضع القائم، بقدر ما تأتي لإنتاج "وضع قائم" على مقاس رؤاها والترويج له. ولذلك عندما نطرح سؤالا من المموّل، فإننا نناقش في صلب الموضوع. وقال: هذا المنتج الذي بين يدينا على شكل تقرير استراتيجي هو منتج خطير. ويتميز هذا التقرير في محصلته، بمنطق سياسي واضح، ولغة سياسية واضحة المعالم ، وسياق سياسي يجعل من التقرير مطبا استراتيجيا أكثر من أي شيء آخر.
وأضاف: إن هناك مغالطة و"تضييع للطاسة" في تعريف المسألة الفلسطينية وكأنها: دولة واحدة أو دولتان. لأن السؤال الصحيح هو هل تقوم دولة فلسطينية أم يتواصل منعها. هل بمارس الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير أم يحرم من هذا الحق. ومن يدعو اليوم الى حل الدولة الواحدة فهو في المحصلة يطرح تخلي الشعب الفلسطيني عن هذه المعركة.
وتوقف مخول عند اللغة التي استعملها تقرير "إعلام" مع الموقف من قرار التقسيم اعتبر أن الفلسطينيين عملوا على منع تنفيذ قرار التقسيم حتى العام 1987 "لأنهم لا يقبلون بنصف وطن"، فقال إن في هذا الطرح يتبنى التقرير الصيغة الاسرائيلية ويغسل أيدي إسرائيل والحركة الصهيونية من مسؤوليتها عن منع قيام الدولة العربية في القسم المخصص لها من فلسطين وفق قرار التقسيم (الذي لم توافق القيادة الفلسطينية عليه)، ومسؤوليتها عن تنفيذ النكبة تفاديا لقيام الدولة العربية في فلسطين.
وأضاف: إن التقرير يتطرق الى الوضع الاقليمي ويتساءل، ماذا سيحدث لو تحولت المنظمات الارهابية الاسلامية المتطرفة الفاعلة في سوريا وفي طليعتها داعش، من محاربة الدولة السورية وقررت توجيه نيرانها في سيناريوهات معينة الى اسرائيل، فما هي الخيارات التي ستكون مطروحة أمام المواطنين الفلسطينيين في داخل الخط الاخضر؟ ( كما "يتنبّأ" التقرير) ؟ ويحدد التقرير أحد خيارين. فإما أن يندمج الموطنون الفلسطينيون المعادين لداعش  في الجيش الاسرائيلي وفي جهوده للدفاع عن إسرائيل، وإما أن يندمج المواطنون العرب من ذوي الميول الاسلاموية، في تنظيم داعش لمحاربة إسرائيل. وكأن الخيار المطروح أمام هذه الجماهير هو بين الانخراط في الجيش الاسرائيلي أو الانخراط في داعش.
وأضاف هناك تغييب كامل في التقرير للدور الامبريالي في القضية الفلسطينية وللمشاريع الامبريالية في الوضع الاقليمي. ومحاولة مستميتة لنسف مفهوم مترسخ في فهم التاريخ والمشاريع المعتمدة اقليميا. فقد جرى تغييب الامبريالبة نهائيا من لغة التقرير ، وجرى استبدالها بالحديث عن.."تقاطع مصالح في الوضع الراهن، تستثمره دول غربية لصالحها..فلا توجد مشاريع امبريالية ، ولا مشاريع للسيطرة على الطاقة ومسارات نقلها، ولا مؤامرة لتفكيك سوريا وتفتيت شعبها. ونحن نعرف أن هذه صياغات أناس يعتبرون أن الامبريالية متخيلة، وليست قائمة، ويدعون الى تقسيم سوريا الى دويلات على أساس طائفي ومذهبي، إن مثل هؤلاء لهم باع طويل في كتابة هذا التقرير. إن اللغة السياسية المستعملة في التقرير تشكل منظومة فكرية وسياسية خطيرة تستدعي من عدد من الاسماء التي نحترمها ونقدرها، أن تتنصل منها.

الأحد 12/2/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع