قصة ألرَّماد


محمد نفاع




- مَحْروم من رماد الموقدة!
كان جَدي يشعر بانبساط وبهجة وهو يعيد هذه الحكاية عن جد جدّه الذي حرمه أبوه من رماد الموقدة لأنه تزوج صبية غير مَرضي عنها.
- أهل الحارة هذيك مش من وَقِمنا ولا من نَسبْنا، والحَجر مطرحُه قنطار!!
ومع ذلك يروح يوصف خلقة العروس على ذمة الناس بإسهاب هادئ عميق وكلمات طالعة متهادية متمهلة من القلب بينها فواصل ووقفات وصَفْنات، أحلى صبية في البلد، في الحارتين، بتقول للشمس غيبي تأقعد مطرحك، وجه ابيض احمر مثل البرقوقة، عيون زرق متل نور العِلت، شعر اشقر لغليظ الفخذ بلا معنى، قامة سبحان المعطي، طالعة في طلعة العين متل المهرة.
جدتي لا تَستنظِف هذا الحكي، ولا صاحبه،
- مش فالح الا في سيرة النسوان، بَشّر القاتل في القتل والزّاني في الفقر.
الجدّ لا يتنازل للرّد على هذا الكلام،
- غارت العجوز!!
- ريح غوري!!
كان أهلنا وجهاء البلد، مَلاّكه، الشمس ما بتغيب عن ارزاقهم، أرض مُفْتلح، شَلعة معزى، ثلاث حوزات زيتون غير موارس الخيط، حَلال، جمال وبقر، قبْو، عَقد على ثلاث قناطر، رْواق، بيت للفرس، مربط للخيل، الضيوف حَوّل واركَب، الدّم ما بِنشّف من باب بيتهم.
يعيد نفس الكلمات بوقار؛ وكأنه يحكيها لأول مرة، مع انه رواها اكثر من مئة مرة، وعاد عليها اكثر مما عاد على كلمة الحمد لله. في ساعات البسط والرضا يقول بخشوع وصوت وَرِع مسموع: الحمد لله يا رَبي من خيرَك اللي عِزْتْنا إلَك ولا عِزْتْنا لَغيرك.
جدي يحدّث الحضور السّهار وهو يحرّك رماد الموقدة بالملقط والشوكة المعقوفة، يظل يرسم أشكالا وحزوزًا ودوائر وأتلاما كأنه يشق الأرض في تشارين، يمعر الرّماد ويبدأ من جديد، ولا يتوقف عنه ذه الحركة الا ليتناول النفّاخة وينفُخ النار. وتنتفخ أنياعُه ويُبطْبِط وجهه، كل سنة في تشارين يأخذ المنشارة المعلقة على الحيط، وينشر قضيب تين برّي عن عرق التينة البقراطية، يقيس الطول المطلوب، يحمِّي الشيش على النار حتى يحمرّ رأسه ويصير كالجمر، ويروح يقدح القضيب الأخضر على الجنبين حتى تصير جاهزة، بعد أن يحترق اللبّ بنشيش له رائحة مميزة، فقط فنود التين تصلح لذلك، لها لبّ ابيض يسهل حَرقُه وخرقُه. ويعيد الشيش الى مطرحه، فهو الوحيد لشيّ الباذنجان ورأس الديك واللحم اذا انوجد. وعندما تشعل النار، يعود جدي لإكمال الحديث.
- بَقَتْنا يرجع مرجوعنا..
كل ليلة أسهر عند دار سيدي، مع اننا نسمي بيتهم خشة سِتي، من هناك صارت معي عادة تحريك الرماد في حَرون الموقدة الواسع على تفصيل الحوش، والموقدة معمولة من تراب ابيض حيّيل، قبل ان نتعلم عن: أرى خَلَل الرماد وميض نار، وأيقاظ أمية ام نيام، وقبل ان اسمع اغنية والنار عمتغفى في حضن الموقدة، واغنية يا بو جاكيت رمادي لا تتمشى بالوادي بالليل يا عيني بالليل.
كنت استحلي حكي سيدي وهو يعدد حُسن وشلبنة العروس التي حرمتنا من رماد الموقدة وأقول بين سري وخالقي اذا كانت الصبية شلبية متل ندى وغزالة وفاطمة وزمرد وعفيفة ويمامة ونايفة وشهربان، أحسن من كل الرزق.
كنا نضع الرماد السخن في تلابيسنا العتيقة الممزّعة، مشايات وكنادر ولَساتيك وبَساطير، ونذهب الى المدرسة، والمدرسة باردة، لا نار ولا شحار، في الثلج نكوّم كومة رماد على الثلج ونوقف  الغربال على طارتِه ونربطه بخيط طويل، تأتي العصافير الجائعة وتدبّ حالها على حبّات القمح المرشوشة على الرماد، نشدّ الخيط وينكفئ الغربال على عددٍ منها. الواحدة تجلي قَزازة الببَور والفِنْيار بالماء والرماد، والمجلاية عودة حطب رفيعة على طرفها شْريطة مربوطة، ولها مكانها المعروف. بعض النساء المتقّنات يعملن الزيتون المرمّد بالماء المغلي والرماد. لا يوجد خُم دجاج بلا رماد، يتفعفل فيه الدجاج من الفَشّ، ويبيض على الرماد ونطول البيض بالشَّطَبة، ولها مكانها المعروف. في موسم العنب يرشون مُسْطاح الزبيب بصفوة الزيت والماء والرماد بقصفة طيون. إذا لا يُطوّش صاج الخبز بالرماد يحترق الرغيف ويتشلوَط، كنت أحب ان أتفرج على امي وهي تطوّش الصاج بالماء والرماد، بأصابعها تعمل حزوزًا متعاكسة بصوت طري.
"جمرة الليل تصبح رماد"!! كل يوم يَقحفون رماد الموقدة والوجاق والداخون، يجمعون الرماد في لجَن ويرمونه على عروق جَرْد العنب والشجر، فهو سماد، ويمنع الذّرّ والنمل عن العِرق. والأرض محروثة ناعمة مثل الرماد، يومها، في الصّبوح العالي، والدنيا مغطِغْطَة، يا دوب الواحد يشوف قدَامه، كانت تحمل لجن الرماد على راسها لتكبّه في الكرم.
- تَروح أكبّ الرمادات!!
من أول العام عرفت موقع كرمهم، كنت أنا وشفيق في الوعر، والتقينا هناك، ولليوم نسمي الكرم كرم البنت ونضحك.
لحقتها من ورا لورا. في تلك الأيام كنا نشتغل اكثر في الكروم والأرض. كل الأراضي محروثة ناعمة يتفعفل فيها الحَجل، والشِّتا اكثر، الوديان تحمِل، والعيون أقوى، عيون كثيرة نشّفَت، امراض الثّمر كانت أقل، من النادر ان تجد تينة عليها حَلَزون، أو دالية عنب مهدِلْنِة، حبّ الجوز كان كلُّه ابيض بلا سوس، وكان الطير اكثر، والبرّ ملان وحوش، ذئاب وضباع، حصينيات ، واوية، نِمس، والواحدة تدعي على الديك:
- نمس يقزع رقبتك!!
كم من طيور دجاج اكلها النمس أو غَفّت عليها الشّوحة والنسور.
أول مرة طرحت عليها الوقت، ردّت من روس شفافها، عن غير نفس، ثاني مرة شَحطت إجرها على الأرض. وكأنها تقول: ردّي يا صرمايتي. ثالث مرة نطقت وقالت: إسّه بَلمّ الناس عليك.. تخيّب!!
كانت تلك الأيام غير اليوم. بعدين لَيَّنَتْ.
كانت تلقح على رأسها حطّة قطن سوداء، ومْبَشنَقة، ولجن الرماد على رأسها، عند التينة الشحمانية أفرقت على كرمهم، والطريق طلوع، أسمع خطماتها على بلاط وحجارة الطريق، والغطيطة ثقيلة.
- شو جاش تسوّي!! تِجيك موجِة.
- إجيت.
عندما كفتت لجن الرماد، تلاقت غبرة الرماد مع الغيم الرّقّاد، غاب الكون والجبال والوعر والوديان، وسناسل الكرم والطريق.
رحت أحكيلها سيدي عن جد جدّه اللي حرمُه أبوه من رماد الموقدة....
- من يومِتْها وانتِ على بالي، إنتِ أشلب، خدودها طرية من عدّان الغطيطة، وريقها ترياق الصبح على الريق، نَفَسها طيّب، لا حَكي ولا شَكي.
اليوم بعد هذا العمر الطويل مَيّلْت.
- السقعة بتقصّ المسمار برّه!!
- اليوم أول سعد ذابح،
لكشتْ النار في الملقط وعدّلتْها، في حارون الوجاق رماد مخطّط ومعرعج، فيه فتافيت فحم وكم بصبوصة جمر.
انبسطت وأنا أحكي عن تطويش الصاج، وجلي القزازة، ورش مساطيح العنب، والزتون المرمّد،
- ييه!! ما أحلى هذيك الأيام
صوتها طري، وعلى رأسها شرشف ابيض، فيه طاقات ضيقة، مخرّم.
- اليوم يضعون الرماد في اكياس نايلون ويرمونه في الحاويات، على المزابل.
- هو بَسّ الرماد!! والخبز، والأكل، والفراش، والأواعي، والأثاث....
- قبل كانت الواحدة تروح تكبّ الرماد في الكروم، فوق التينة الشّحمانية والدنيا مغطغطة.
اليوم أيضا لقحت إيدي على رقبتها، خدودها دافئة طرية.
هاوَلتْ عَليَ في الملقط.
- بعدك عنيدة وبتلاوصي!! إهدي عاد.
- معلوم!! عال علملّله. قلّه نام تذبحك، قلّه إشي بطير النَّعَس.
- اضربي !! في هاي الإيد الشلبية!! مش في الملقط.
- بدنا قَتل انا وياك على عمايلنا السودا.
- ومنرَمّد !!
- الله لا يقدر! منقسيش في بعضنا.
والرماد يصير من تراب الأرض والكرم
- ييه ما أحلى هذيك الأيام.
- جبهتك ناعمة وطرية ودافْية والدّفا عَفا، وعنقك، كان وَصفة في الحَلا وبعده!! (....)
- وهاي الايام حلوة. قولي رماد
م مـَ مُو .... مود – ماد....
الأحد 12/2/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع