أهمية الفلسفة الماركسية


د. خليل اندراوس



* من أجل إحداث قفزة الانسانية من حكم الضرورة الى حكم الحرية

//
لكي نفهم المادية الجدلية علينا ان ندرك الفكرة الكامنة خلفها، ولكي ندرك ذلك يجب ان نؤكد بأن الفلسفة الماركسية هي المنهج الاكثر عمقا وتفسيرا لطبيعة العالم ولمكان البشرية ومصيرها فيه. وكل حزب ثوري شيوعي يريد ان يقوم بدوره الثوري التاريخي، يحتاج لا بل من الضروري ان يعمق دراسة ونشر وممارسة هذه الفلسفة الثورية الطبقية الاممية خلال كل نشاطه ونضاله الاجتماعي الثقافي السياسي، ونضاله الطبقي كحزب يقود الطبقة العاملة من اجل احداث تراكمات وتغييرات سياسية مرحلية تدفع بالعمل النضالي الطبقي الى الامام من اجل تسريع العملية الثورية، والوصول الى إحداث الثورة مستقبلا.
 وهنا يجب ان نؤكد بأنه حين يكون المجتمع منقسما  الى  طبقات، وقد انقسم المجتمع الى طبقات دائما منذ انحلال المشاعية البدائية، أي طوال الفترة التاريخية التي ينتمي اليها تاريخ الفلسفة – فان مختلف الأفكار الجارية في المجتمع تعكس دائمًا نظرات مختلف الطبقات، ومن هنا نستطيع ان نستنتج ان مختلف مذاهب الفلاسفة تعبر دائما ايضا عن نظرة طبقية، وهي في الواقع تعبير لأيديولوجية طبقة معينة.
فالفلسفة هي نظرة عامة الى العالم وهي محاولة لفهم العالم والمجتمع الانساني ومكان الانسان في هذا العالم، ولا يمكن ان تكون مثل هذه النظرة العامة الا نظرة طبقية، ويؤدي الفيلسوف وظيفة الممثل الفكري لهذه الطبقة او تلك.
وفي مجتمعنا الامبريالي المعاصر هناك حرب شعواء وتهميش مدروس ومبرمج من قبل طبقة رأس المال ضد الفكر الماركسي، ولذلك نشاهد الكثير من ايديولوجيي طبقة رأس المال، ينشرون افكارًا وايديولوجيات بعيدة كل البعد عن الحقائق التاريخية وتخدم طبقة رأس المال، واكبر امثلة على ذلك كتاب "صراع الحضارات" لهنتنغتون و "نهاية التاريخ" لفوكوياما.
لذلك على الطبقة العاملة واحزابها السياسية، اذا ارادت في عصرنا الحالي ان تشغل مكان القيادة في المجتمع الرأسمالي، وتمثل القوى الثورية المثابرة وبشكل منهجي، عليها ان تعبر عن فلسفتها ونظرتها الطبقية – الأممية بشكل مدروس وواع ومتعمق قولا وممارسة وان تعارض بفلسفتها الثورية كل الفلسفات والايديولوجيات التي تعبر عن مصالح الطبقة البرجوازية وطبقة رأس المال العالمية والمحلية ومكافحة كل الايديولوجيات العنصرية الشوفينية اليمينية، وعلى رأس اليمين الامريكي الارهابي والايديولوجية الصهيونية العنصرية الشوفينية والتي تمارس الارهاب في منطقة الشرق الأوسط كجزء من مجمّع الشياطين الامريكي السعودي التركي القطري، وايضا من خلال استمرار الاحتلال الاسرائيلي واستمرار الاستيطان، وبرأي كاتب هذه السطور هذا هو المرض الأساسي لكل ما يعانيه الشرق الأوسط وكل الأحداث الاخرى التي تجري في المنطقة هي ظواهر لهذا المرض.
كتب لينين: "في اوروبا الراقية" ليست من طبقة راقية غير البروليتاريا اما البرجوازية الحية فهي على استعداد لاقتراف كل عمل وحشي اجرامي آثم لكيما تذود عن العبودية الرأسمالية السائرة الى الموت".
وفي عصرنا الحالي التقيح المدهش للرأسمالية الامبريالية الامريكية – الاوروبية يظهر ويتجلى بكل بشاعته ووحشيته وارهابه من خلال احتلال العراق وافغانستان والمؤامرة على سوريا واستمرار الاحتلال الاسرائيلي لما تبقى من فلسطين التاريخية واستمرار الاستيطان السرطاني المدعوم من الولايات المتحدة في الاراضي المحتلة.
قال لينين في رثائه لانجلز: "يمكننا ان نعبر في بضع كلمات عن الخدمات التي أداها ماركس وانجلز للطبقة العاملة على الوجه التالي: لقد علما الطبقة العاملة ان تعرف نفسها، وان تعي ذاتها، وأحلاّ العلم محل الاحلام".
ونستطيع ان نقول بأن ماركس وانجلز وضعا النظرية الثورية لنضال الطبقة العاملة، النظرية التي تضيء الطريق الذي يمكِّن الطبقة العاملة من الاطاحة بالاستغلال الرأسمالي، وان تتولى قيادة كل جماهير الشعب، وبذلك تحرر المجتمع بأسره مرة واحدة والى الابد من كل قهر طبقي او قومي ومن كل استغلال للإنسان بواسطة الانسان ، وبناء مجتمع المستقبل، مملكة الحرية على الارض.
وكما كتب انجلز في تحليله عملية تكوين المقدمات النظرية للاشتراكية العلمية وتوصل الى واحدة من اهم موضوعاته – حيث تحدث عن الاكتشافين العظيمين لماركس حيث قال: "إننا مدينون بفضل هذين الاكتشافين العظيمين – الفهم المادي للتاريخ وتعرية سر الانتاج الرأسمالي بواسطة القيمة الفائضة، الى ماركس. وبفضل هذين الاكتشافين اصبحت الاشتراكية علمية، والميزة الاساسية للاشتراكية العلمية هي المنهج الجدلي الديالكتيكي، والفهم المادي للتاريخ ونظرية القيمة الفائضة.
وعلى هذا الأساس أي الفهم المادي – الجدلي الديالكتيكي للتاريخ نستطيع ان ندرس ونستكشف مكونات مجتمع المستقبل بواسطة تحليل المجتمع الرأسمالي في أعلى مراحل التطور الامبريالي، ودراسة الأساس الاقتصادي لهذه المرحلة التاريخية، ومن خلال ممارسة معيار التدقيق الذي يتحدد بالظروف الموضوعية وليس بالتطورات الطليقة وغير المدروسة.
فأسس الفهم المادي الجدلي للتاريخ تقود الى استنتاج منهجي موضوعي هام يتعلق بطرق تحول المجتمع: "يجب ان لا نخترع هذه الطرق من الرأس، بل يجب اكتشافها، وبمساعدة الرأس، في وقائع الانتاج المادية المتوفرة". ولذلك علينا ان نرى بأن التناقض الأساسي في المجتمع الرأسمالي – التناقض بين طبيعة الانتاج الاجتماعية وبين شكل التملك الخاص، وبالتالي بين القوى المنتجة الجديدة وبين العلاقات الانتاجية التي اصبحت قديمة أي شكل التملك القديم وبالذات الملكية الخاصة. "وهذا التناقض... يحتوي على جميع بدايات الاصطدامات الحديثة".
يكفي ان نذكر ما نشر في الفترة الأخيرة في وسائل الاعلام العالمية وخاصة في الولايات المتحدة بأن هناك عددًا قليلا من العائلات يمتلك مئات المليارات في حين هناك مئات لا بل آلاف الملايين حول العالم يعانون من الفقر والمرض والبطالة والتهميش. يكفي ان نذكر بأنه خلال الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة، والتي كان نتيجتها انتخاب رئيس يميني عنصري شوفيني، لم يشارك في الانتخابات عشرات الملايين من مواطني الولايات المتحدة المهمشين.
فالمجتمع الرأسمالي الحالي كما قال ماركس وانجلز "لم يترك علاقة باقية بين الانسان والانسان سوى المصلحة الذاتية العادية، سوى علاقة الدفع الفوري الجافة". (ماركس، انجلز بيان الحزب الشيوعي).
إن الرأسمال المولود حديثا ينزف دما وقذرا من جميع مسامه، من الرأس حتى أخمص القدمين (منشأ الرأسمال الصناعي – من الفصل الرابع والعشرين للمجلد الأول من رأس المال).
قال لينين: "المبدأ الماركسي مبدأ قادر لأنه مبدأ حقيقي، إنه مبدأ كامل متجانس يزود الناس بتصور متكامل للعالم لا يقبل أي شكل من اشكال الخرافة او الرجعية او الدفاع عن القهر البرجوازي". (لينين: المصادر الثلاثة والاجزاء المكونة الثلاثة للماركسية).
لذلك من اجل مكافحة الأفكار الرجعية، ومكافحة الاستغلال الطبقي والقومي ومكافحة الخرافات وعلى رأسها الخرافات الدينية، يهودية كانت ام مسيحية، صهيونية ام اسلامية وهابية متطرفة علينا ان ننشر ونعمق دراساتنا للفكر الماركسي المادي الجدلي الثوري وايصال هذا الفكر الى أوسع شرائح المجتمع وخاصة الطبقة العاملة.
فكما قال لينين: "لا يوجد في الماركسية ما يشبه "الحلقية" بمعنى كونها مذهبا جامدا ضيق الأفق مذهبا نشأ بعيدا عن طريق تطور المدنية العالمية. بالعكس ان عبقرية ماركس لتكمن بالتحديد في  انه استطاع ان يقدم اجوبة لأسئلة شغلت بالفعل أعظم الأذهان التي انجبتها الانسانية، فقد نشأت كاستمرار مباشر وفوري لتعاليم اعظم ممثلي الفلسفة والاقتصاد السياسي والاشتراكية (لينين: "المصادر الثلاثة والاجزاء المكونة الثلاثة للماركسية). وهذه الفلسفة تخدم الطبقة العاملة وكل شرائح المجتمع المستغلة والمضطهدة في نضالهم للتطويح بكل استغلال، ومن اجل بناء مجتمع لا طبقي. فالماركسية فلسفة تسعى الى فهم العالم من أجل تغييره.
يقول ماركس: "كان كل ما قام به الفلاسفة هو تفسير العالم بطرق مختلفة، بيد ان القضية هي تغييره" (ماركس قضايا عن فيورباخ).
لذلك نستطيع ان نقول بأن المادية الجدلية هي نهج وسلاح نظري في أيدي الشعب، ولذلك مهم جدا ان تصل هذه النظرية لأوسع شرائح المجتمع، لاستخدامه من اجل تغيير العالم، فهذه الفلسفة هي فلسفة ممارسة، فلسفة متماسكة علمية متحررة من الخيالات والخرافات والاوهام، تساعد الناس على ابداع  تاريخهم بوعي وادراك علمي كامل، وعند ذاك ستؤدي الاسباب الاجتماعية التي دفعوها في حركتها، بمعيار متغلب ومتزايد، الى تلك النتائج التي يرغبون فيها. وهذه هي قفزة الانسانية من حكم الضرورة الى حكم الحرية". (ماركس. انجلز– مختارات في اربعة اجزاء).
المراجع
- ملامح المستقبل –انجلز والمجتمع الشيوعي –بغاتوريا.
- مدخل الى المادية الجدلية – موريس كورنفورت.
- البيان الشيوعي – ماركس انجلز.
- ماركس انجلز– مختارات في اربعة مجلدات.

الأحد 12/2/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع