تقاطعات دامية!


يوسف جمّال


بيت في صبارين المهجرة الباقية في الذاكرة والوعي والحُلم..



جلسوا على المقاعد في الصالة التي تمر بها الطريق المؤدية إلى غرفة الإنعاش، عيونهم جميعها كانت منصبه على الباب الذي يفصل بينهم وبين أبيهم، الذي كان مضطجعًا على سريره الطبي، موصولًا بالعديد من الأجهزه والأنابيب، وهم يعرفون انه يصارع الموت. انتظار محموم حتى يفتح هذا الباب ويخرج منه الطبيب ويعلن النتيجة.
حتى نوع النتيجة اصبحت لا تهمهم، فقد قضوا أشهرًا على هذه الحالة.. بين الموت والحياة. يريدون نتيجة قاطعة إما حياة تسرهم، او مماتًا يريحهم، ويعيد الى حياتهم اليومية الطبيعية..
بعد ساعات فتح الطبيب الباب، هموا باتجاهه متلهفين لسماع أي كلمة ورصد كل حركة يقوم بها، او تعابير وجهه..
- حالته كما هي..  مستقرة. رد الطبيب على أسئلة اعتاد سماعها في هذه الحالات.
- هل من الممكن الدخول ورؤيته يا دكتور؟.. سألت ابنة له في مقتبل العمر.
- نعم. لكن فردًا فردًا..
خرج الطبيب وتركهم.. تنفسوا الصعداء، وشعروا بالارتياح، عندما تأكدوا ان مدير القسم شلومو،غير متواجد في هذا اليوم، وأراحهم من نظراته العدوانية التي كان يرميهم بها.

***
 "خدمتي في الجيش كانت في قسم المستعربين، اني إتقن اللغة العربية جيدًا، وخصوصا اللهجة العامية.!". قال شلومو في المرة الاولى، التي قابلوه  فيها عند دخول ابيهم الى المستشفى.
كانت معاملته في البداية ودية عادية.. رغم ملاحظتهم أن المريض اليهودي، الذي كان ينام على السرير، الموجود في نفس الغرفة يحظى بمعاملة أفضل من العناية التي يتلقاها أبوهم.. هذا الأمر كان عاديًا ولكن سرعان ما انقلبت معاملته لهم رأسًا على عقب.. وبدأ وجهه يعبس عندما يلتقون به، داخلًا او خارجًا من غرفه العلاج المكثف.. بدا الجفاف يدخل في لهجته وصار يعد الكلمات التي يسعفهم بها حول وضع والدهم الصحي. حاولوا البحث عن اسباب تغيره، في معاملتهم، فلم يهتدوا الى أسباب مقنعة.
دخل أكبرهم الى غرفة أبيهم، فوجد ممرضًا عربيًا بجانبه.
بعد ان تعارفوا، قال الممرض: "إنه من مدينة ام الفحم، نُقل حديثًا إلى غرفة العلاج المكثف، وإنه على استعداد أن يساعدهم في كل ما يحتاجونه." وعندما سأله عن وضع أبيه  قال: "وضعه مستقر، لا خطر على حياته".
وهنا سأله الممرض : "ألم تستفسروا عن وضعه من رئيس القسم، الذي خرج من هنا قبل قليل.؟" فأجاب سعيد "انه في حالة جفاء من ناحيتنا".. "لماذا؟" سأل الممرض "علمي علمك اننا في حيرة من أمرنا!".. قال سعيد، وعلامات الغضب والخيبة ترتسم على وجهه.

***
- "طخ.. طخ.. قربوا.. قربوا..!! طوقوهم من هناك.. من وراء التلة..يا رجال.. يا شباب.. الثبات.. ! الثبات.. ! أجوا من شمال.. لاقوهم.. البلد في خطر".  
كلمات الهذيان لتي خرجت من فم أبيهم الشيخ، أوقعتهم في ذهول تام.. كانت كأنها صدمة كهربائية جمدت المكان.. توجهت عيونهم نحو هذا الشيخ، الذي تمسك به غابة من الخيوط  والأجهزة وانتظروا طويلًا بعد سكوته حتى استطاع الممرض أن ينطق:
- إنه هذيان عادي.. يقوم به المريض في غيبوبة مرضه!
-ان أبانا يتكلم عن الماضي..عن حربه مع الثوار في أيام النكبة. قال سعيد محاولًا تفسير الأمر..
- الحرب كانت ضد اليهود، الذين اقتحموا القرى والمدن  الفلسطينية. قال الممرض معطيا مزيدًا التوضيح.
- لقد كان قبل مرضه لا يتوقف عن رواية وقائع الأحداث التي أدت الى النكبة. قال الإبن. وخرج من الغرفة، مبقيًا الممرض وحده، كي يفسح المجال لباقي إخوته، من الدخول إليها، ورؤية أبيهم..
- منين انتو..؟ سألته امرأة كانت تجلس في الجهة المقابلة له.
- إحنا من صبارين. ولكن حاليا نسكن في عرعرة..
- أَي هو بعدْ بلد إِسمها صبارين!؟ راحتْ وراحوا أهلها. تشتتوا! قالت وهي تغالب أَلمًا مخزونًا في داخلها.. جاء من "نبشه"!
- ستعود يا خالتي! ستعود! قال الابن محاولا غلق ملف لا يتحمل فتحه في هذه اللحظة.
- انا من الفرديس! من سكان عين غزال سابقًا! قالت والدموع تملأ عينيها.

 ***
    بعد أيام بينما كان الإِبن الأكبر جالسًا بجانب أبيه، دخل الطبيب مدير القسم، وبعد أن انتهى من معاينات وفحوصات المرضى، وعلى غير عادته، في المدة الأخيرة سأله متوخيا أن يكون السؤال عفويًا:
- منين إِنتو..أُوين ساكنين؟
- من صبارين.. ونسكن الآن في عرعرة.
- وأَنا من صبارين.. ولدت فيها. قال الطبيب كأنه يرمي حجرًا، يغلي في بئر ساكنة، 
- إذًا أَنت من عمقام. رد بسرعة  كالذي يكتشف أمرًا له به صلة.
- نعم أنا من هناك. رد وهو يتفحص وجه الأبن، ليتبين تأثير وقع الخبر على تعابير وجهه.
  فلما قرأ موجات الألم تموج في قسمات وجهه، شعر برضى متشف ينتشر في  مكامن أحاسيسه.
- "طخوهم. قاتلوهم. قاتلوهم. اقتلوهم. بلدكم بخطر. صبارين بلدكم.. صبارين وطنكم".
كانت الكلمات المستغيثة تنطلق من الأب المريض.. تحول وجهه الى قطعة من اللهيب الأَحمر.. واشتعلت عيناه بنار حمراء، تقدح شررًا  تفجر ما حولها.
 غرست نيران هذا المشهد سهامها بالرجلين..  فتجمدا في مكانيهما. شعرا كأنهما اصبحا جزءًا من مشهد لم يستعدا له، ولا يمكنهما التنبؤ بالنتائج التي ستترتب عليه.
 قالها وسكت..بعد أن دفع الصخرة من أعلى انحدار الجبل، فتتدحرجت بسرعة كبيرة،وأغمض عينيه كأنه لا يريد أن يرى، ما يمكن ان تسببه هذه الصخرة،من أضرار ودمار.
وقف الطبيب على رجليه، بعد ان نشلهما من الضياع، وفر هاربًا.. راميًا نفسه، خارج دائره تأثير أحداث المشهد.. اما ابنه فقد بقي جالسًا مكانه،ولاقى مشاق مضنية حتى استطاع ان يسترق النظر الى وجه أَبيه، فوجده ساكنًا في مكانه، مغمض العينين، لا يسمع منه الا أَنفاسا متلاحقة، تحكي وقائع رحلة آلام طويلة  محفورة في أعماقه.

***
يعود إلى قصة اليهودي،موسى العراقي، التي كان لا يمل أبوه من روايتها..
لفا على دار المختار.. كنت يومها في عز أَول شبابي.. عرَّف نفسه أَنه عراقي، هاجر من مدينة البصرة، طلبًا للرزق، فصار الزمان ينقله من هنا الى هناك، حتى وصل الى بلدنا.. وأعلن عن نفسه أنه يتقن جميع المهن، اسكافي، حلاق، مصلح بريمسات، مجبِّر، طبيب أسنان عند الحاجة..  وقهوجي في الليل، يفتح مضافته الضيقه في الليل، فقال المختار : "انها بركه من الله، والله البلد بحاجة الى مثل هذا الشخص. "
فعاش في بلدنا عشرات السنين، حتى اصبح جزءًا حيويًا منها، وكان ينادى باسم موسى العراقي، أحبه الناس، واستراحوا الى صحبته، وأصبح مستودع أسرارهم، ساعده في ذلك  عدم انتمائه لأي عائلة، او حارة في البلد.. كان يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويضع يده في كل مسألة تحدث في القرية، محاولًا دائمًا أن يظهر بمظهر المحسن المحايد، الذي يتمنى الخير للجميع.
ولكن كانت له اهتمامات خاصة،م ستغربة في كثير الاحيان.. كان كثير الاسئلة والاستفسارات.ي هتم بالأرض وكيفية توزيعها بين ملاكها.. وبعد ذلك كشف عن مهنته الجديدة حيث بدأَ بتصليح الأسلحه! وأُعجب الجميع بخبرته فيها، فأصبح المستشار الاول لكل حاملي السلاح، حتى انه صار يعرف مكان ونوع كل قطعه سلاح في البلد. ولكنه كان يختفي أَحيانًا، كان يغيب عن البلد أيامًا معدودات كل عده اشهر، دون أن يعلم أحد أسباب ومكان غيابه.. وكان يقول دائما، عندما يعود، انه سافر لزيارة بعض الأقارب في أَربيل.
مرت هذه الروايات في مخيلته كأنها شريط مسجل.. وكان  والده لا يمل من حكايتها لهم منذ الصغر..أعادها مئات المرات، حتى طبعها في ذاكرتهم، لقد عاش من اجلها.. من اجل أن يرويها لكل الأجبال، ليطبع في ذاكرتهم أحداث سقوط صبارين، وأَخواتها من البلدات العربية، في يد اليهود، وتحول سكانها الى مشردين  في الشتات.

***
 قام من مكانه وتقدم من أبيه، ترتب غطاء سريره،وعاد ليغرق في أحداث الرواية. رواية صبارين.
-إنظر! انظر يا أبو العبد. الى ذلك اليهودي الذي يتقدم المجموعة. همس أبوه في أُذن رفيقه، الذي كان يستحكم بجانبه، عندما رأى رجلًا يتقدم مجموعة من عصابات اليهود، بين الصخور متجهة نحو البلد.
-  لا استطيع ان اراه، إِنهم يحتمون خلف الصخور. رد أبو العبد وهو يحاول تصويب أَنظاره نحوهم.
- انه موسى  العراقي. انه هو. إِني استطيع تمييزه من بين ألف رجل وعن بعد ميل! قال  بلهفة الواثق مما يقوله..
- انك تهذي يا أبا محمد..! موسى العراقي رحل من بلادنا من زمان.
- " لوين رحل دخلك!؟ " قال جدّي وفي صوته شيء من السخرية.
- على بلاده على العراق! قال ابو العبد بلغة المتأكد  مما يقول.
-  الآن تأكدت أن موسى العراقي يهودي، أجا على بلدنا وسرقنا وراح.
- لا تحاول يا أبا محمد. لن اقتنع باقوالك مهما حاولت. وصلت بعيد. وصلت معك أن تقول انه يهودي.؟ موسى العراقي يهودي؟
-  ضحك على ذقوننا ومشى، أجا كشف أسرارنا، وها هو يرجع مع عصابته ليستولي على بلدنا. سيأتي اليوم الذي تتأكدون فيه أننا كنا هبلان.!.. قال معبرًا عن يأسه في محاولة إِقناعه بما يقول.

 خبت أنفاس المريض، ولم تعد تصل الى أسماعه.. فقام من مكانه وأسرع إلى وجهه ليطمئن عليه.. فوجده غارقًا في سبات عميق وهادئ.. فشعر بارتياح وعاد ليسلِّم نفسه لشريط الروايه.. رواية أبيه..لتأخذه بعيدًا عن هذه الحالة التي  يقبع فيها بجانب أبيه  الذي يغوص في غياهب المرض.
 أول شهيد لبلدنا كان جدك يا ولدي.. أحضره الثوار من الجبل..عندما وصلوا الى مشارف البلد، وصل الخبر الى أهلها، خرجوا جميعًا، الرجال والنساء والأطفال.. لم يعرفوا ماذا يعملون.؟ أَيبكونه.!؟ أَيغنون له !؟ أَيحممونه حمام الميت ام يدفنوه كما هو.؟
إبتسامته المعهودة.. جبينه العريض.. عيناه الواسعتان.. كان كأنه يريد ان يترجل ويواصل المسيرة.. اقتربت منه امي. لم تكن تبكي، نادته :
"إِنزل يا ابو علي عن أَكتاف رفاقك، واركب فرسك الأصيلة، وعد الى ساحة المعركة، لا وقت للراحة ".!
بكَّت الناس ولم تبكِ.
 كان يقول لها عندما كانت تغلبه بالكلام :"انت أَقوى مني بالكلام يا بنت الشيخ، لقد تعلمتِ الكلام على يد أبيك شيخ جامع عين الغزال،!
 لما انتهوا من دفنه في مقبره القرية، رجعوا مارين باب دارها، سألتهم : "وين بارودة ابو علي.؟ "
 تناول أحدهم بارودة كانت معلقة على كتفه، وناولها إِياها، فتناولتها من يده، ودخلت عليّ منبطحًا في غرفتي على فرشتي، ويصدر عني بكاء مر، فصاحت بي : "قم وارفع راسك، وامسح دموعك، وتوقف عن البكاء."
ولما وقفت، علقت البارودة على كتفي قائلة:
"خذ هذا البارود وسد مكان ابيك.!"
التحق بالثوار حالًا.. الليلة. وعندما لبست لبستي العسكرية، أردت أن أمر بغرفتهما لأودعها قبل ذهابي الى الجبهة، تناهي الى سمعي نحيبها المفجوع،. فهربت من طعناته الدامية دون وداع.!
وفي زيارة الأطباء الصباحية، تعمد رئيس القسم، أن يدخل الى غرفتهم دون أن يرافقه أحد من زملائه..
- أَتعلم ان أَبي قُتل على يد الثوار في معركة صبارين؟ وجه للإبن سؤالًا وهو يتشاغل بفحص أَبيه متظاهرًا أن الأمر ليس له أهمية بالنسبة له.
- في بلدنا؟ قال الإِبن بعد ان أَفاق من هول الصدمة.
- نعم والذين قتلوه هم أهل بلدكم.
- أهل بلدنا؟
- نعم اهل البلد التي كانت بلدكم. قال مصوبًا خنجره الى مقتله.
"أطلقوا عليه النار. أَلم اقل لكم أَنه موسى العراقي؟ أَلم أقل لكم انه جاسوس.؟  صوبوا عليه واقتلوه." عاد هذيان الأب الى غزو المكان..إسترق الأبن نظرات الى وجه الطبيب، فوجده يقطر سمًا.. ويغالب احاسيس تغلي في داخله، كي يمنعها من الأنفجار.
أَتدري من هو موسى العراقي!؟
- لا.!! 
- انه أبي. ان اسمه الحقيقي يتسحاق كرمي؟ أكمل في كيل طعناته.
- هل تعلم من الذي قتله؟
- لا. لا. رد الإبن محاولًا تحييد السهام المسمومة التي تهاجمه.
- الذي قتله هو جدك. أطلق عليه النار وأرداه قتيلا. قالها، وفرّ من الغرفة، تاركًا الابن يتقلب في حوام مسعور.
(عرعرة)

الخميس 16/2/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع