ملاحظات على تحقيق الخزرجية (1)

محمود مرعي


"عن تحقيق لْخَزْرَجِيَّة كتاب متن لْقَصيدة لْـمُسمَّاة بِلْخَزرجيَّة للإمام لْعَلَّامة لْعُمدة لْفَهَّامة ضياء الدِّين أبي محمَّد أبي عبد الله(1)"- د. نادر مصاروة*

//
اِطَّلعت مؤخَّرًا على تحقيق الدُّكتور نادر مصاروة (للرَّامزة) أو (لْخَزرجيَّة) لْـمَنشور في مجلَّة لْكرمل (جامعة حيفا)، العدد 36/2015، وقد وجدت من لْواجب التَّنبيه على مجموعة من لْأَخطاء وردت في التَّحقيق، وَذلِكَ عبر ملاحظات أسوقها راجيًا أن يأخذ بها الدُّكتور نادر، وسأحاول قدر لْإِمكان لْإِيجاز في لْـمُلاحظات.
أوَّلًا: موضوع الشَّواهد الشِّعرية الَّتي هي من صلب فكِّ رموز لْخَزْرَجِيَّة، كما أظنُّ، كان لْواجب تبيانها وتفصيلها، كون المادَّة تحقيقًا وليست مقالًا عاديًّا.
اَلْـمُلاحظة الثَّانية: ذكر التحقيق لْآتي "ثُمَّ خرج على النَّاس بخمسة عشر بحرًا، بقواعد مضبوطة، وأصول محكمة في خمس دوائر سمَّاها علم لْعَروض، ثُمَّ أتى بعده تلميذه لْأَخفش لْأَوسط فزاد بحرًا واحدًا سمَّاه لْـمُتَدارَك أو لْـمُحْدث(2)". أقول: كان يجب التَّقصِّي حول هذا لْأَمر، فَلْخليل هو صاحب لْـمُتَدارَك، وَلْأَخفش ليس تلميذ لْخَليل، بل تلميذ سيبويه.
قبل لْخَوض في لْخَزْرَجِيَّة وما يتعلَّق بها، أجد لزامًا عليَّ التَّطرُّق إلى شخصيَّة لْخَزرجيِّ وتقصِّي لْأَخبار عنها للوقوف على ما يرتاح لْفكر إليه، وأوَّل ما أثار نتباهي مسألة جَعْلِ أبي لْجَيش لْأَنْصاريِّ وَلْخَزرجيِّ  شخصًا واحدًا، رغم أَنَّ كلًّا منهما يفصح عن نفسه ونتمائه، فأبو لْجَيش يقول في مفتتح (علل لْأَعاريض) أو (لْعَروض لْأَنْدلسيِّ) " بسم الله الرَّحمن الرَّحيم قال لْعَبد لْفَقير إلى الله عزَّ وجلَّ أبو عبد الله محمد لْـمَعروف بأبي لْجَيش لْأَنْصاريّ لْأَنْدلسيِّ(3)" وفي نسحة مخطوطة جامعة طوكيو "اَلْفَقير إلى الله لْغَنيِّ(4)"، فَلْـمُؤلِّف يعرِّف عن نفسه ويصرِّح بِسمه، أَمَّا لْخَزرجيّ فيقول في آخر بيت من الرَّامزة:

وَقَدْ كَمُلَتْ سِتًّا وَتِسْعينَ فَالَّذي.. تَوَسَّطَ في ذا لْعِلْمِ تُوسِعُهُ حِبَا

وَيَسْأَلُ عَبْدُ اللهِ ذا لْخَزْرَجِيُّ مِنْ.. مُطالِعِها إِتْحافَهُ مِنْهُ بِالدُّعَا(5)

فهو أَيْضًا يصرِّح عن نفسه وَأَنَّهُ (خزرجيٌّ)، وأبو لْجيش صرَّح أَنَّهُ (أنصاريٌّ)، وقد رأينا جلَّ من تعرَّض لِهذَيْنِ لْأَديبين لْكَبيرين خلط بينهما وجعلهما شخصًا واحدًا، وأرجِّح السَّبب الرَّئيس في هذا مردُّه إلى النَّقل عن لْـمَقَّريِّ (نفح الطِّيب من غصن لْأَنْدلس الرَّطيب)، وسبب آخر هو تشابه لاِسْمين ( ضياء الدِّين مُحَمَّد)، وقد يكون سبب لْاِلْتباس مردُّه إلى تشابه في أسلوب لْعَروضيَّيْن في علل لْأَعاريض أو لْعَروض لْأَنْدلسيِّ والرَّامزة، كون كليهما عتمدا الرَّمز وحساب لْجُمَّل، ثُمَّ سبب آخر وهو وفاة كلٍّ منهما، بحيث يظهر أَنَّهُما نفس الشَّخص، بل وجدت من يفصل بينهما ثُمَّ يعود فيجعلهما شخصًا واحدًا. فالزِّرِكْليُّ يعرِّف أبا لْجَيش " لْأَنْصاريّ/ 000- 549ه- 000- 1154م/ مُحَمَّد بن عبد الله لْأَنْصاريُّ، أبو عبد الله، لْـمَعروف بأبي لْجَيش: فقيه عَروضيٌّ أندلسيٌّ مغربيٌّ، له (لْعَروض لْأَنْدلسيِّ) رسالة هي غير (الرَّامزة) لْـمَعروفة بِلْخَزرجيَّة، نسبة إلىى مؤلِّفها عبدالله بن مُحَمَّد لْـمُتوفَّى سنة 626"(6). ثُمَّ عند تعريف الخزرجيِّ هناك خلط بين لْاِثْنين" الْخزرجيُّ/ 000- 626ه/000- 1229م/ عبد الله بن مُحَمَّد لْخَزرجيّ، ضياء الدِّين، أبو مُحَمَّد: عروضيٌّ أندلسيٌّ نزل بِلْإِسكندريَّة وتوفِّي فيها قتيلًا. له (الرَّامزة في علمي لْعَروض وَلْقافية) قصيدة تُعرف بِلْخَزرجيَّة نسبة إليه، و (علل لْأَعاريض"(7)، قوله (نزل لْإِسكندريَّة) سنأتي على ذكره لاحقًا. وكتاب علل لْأَعاريض ليس للخزرجيِّ، بل للأنصاريِّ كما صرَّح بنفسه "بسم الله الرَّحمن الرَّحيم قال لْعَبد لْفَقير إلى الله عزَّ وجلَّ أبو عبد الله محمّد لْـمَعروف بأبي لْجَيش لْأَنصاريّ لْأَنْدلسيِّ، أحمد الله وأتوكَّلُ عليه، وأصلِّي على نبيِّه مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد قصدت في هذا لْـمُختصر أن أذكر علل لْأَعاريض لْأَربع والثَّلاثين والضُّروب الثَّلاثة والسِّتِّين"(8). ويذكر فيه الْـمُتَدارَك، بينما لْخَزرجيُّ لا يعتبر لْـمُتَدارَك من بحور الشِّعْر ولم يذكره في لْخَزرجيَّة. وذكر طاش كبري زاده عَروض أبي لْجَيش فقال "ومن لْكُتب النَّافعة لْـمُفيدة (عَروض أبي لْجَيش) لْأَنصاريّ لْأَندلسيّ، وهو أبو عبد الله مُحَمَّد؛ و (شرحه داود لْقَيْصريّ) لْـمُدرِّس بمدرسة أزنبق من بلاد الرُّوم؛ وشرحه أَيْضًا إلياس بن إبراهيم الرُّوميّ سمَّاه: (فتح النُّقوض في شرح لْعَروض). ثُمَّ قال " ومن لْكُتب النَّافعة في لْغاية: (لْقَصيدة لْخَزرجيَّة)، و (شرحها بن داود لْغَربيّ)"(9). فلو كان لْعَروض وَلْخَزرجيَّة لنفس لْـمُؤلِّف لذكر زاده ذلِكَ. وَهذا شارح آخر للعَروض لْأَندلسيّ " وبعد: فيقول لْفَقير إلى رحمة ربِّه الصَّمد، خليل بن لْحاجي مُحَمَّد الشَّهير بصولاق زاده، لَـمَّا كان مختصر لْأَندلسيّ في فنّ لْخَليل، عليه غفران لْجَليل، مشتملًا على قواعد لطيفة وأبيات تتضمَّن رموزًا وفوائد (شريفة) وكان مرعونًا (هكَذا في لْـمَصدر/ وأظنها مرغوبًا) عندنا الطُّلَّاب مقبولًا لدى ذوي لْأَلباب، وقد شرحه لْفاضل لْقَيصريّ عليه رحمة لْباري"(10).
أَمَّا كحَّالة فقال في معجم لْـمُؤلِّفين "عبدالله لْخَزرجيّ (000- 549ه- 000- 1154م) عبدالله بن مُحَمَّد لْخَزرجيّ، لْأَندلسيّ، لْـمَالكيّ (ضياء الدِّين أبو مُحَمَّد)، عَروضيٌّ. من آثاره لْقصيدة لْخَزرجيَّة في لْعَروض وتعرف بالرَّامزة"(11).
وقال حاجي خليفة "عَروض لْخَزْرَجِيَّة- (قصيدة معروفة بالرَّامزة) في لْعَروض وَلْقَوافي، قصيدة منظومة في لْبَحر الطَّويل، للإمام ضياء الدِّين أبي مُحَمَّد لْخَزْرَجِيّ (عبد الله بن مُحَمَّد لْـمَالكيّ لْأَندلسيّ) أَوَّلها: لك لْحَمد يا الله والشُّكر والثَّنا"(12). ولعلَّ حاجي خليفة اطَّلع على النُّسخة الَّتي أضيف لها بيتان في مقدِّمتها:
لك الحمد  يا الله والشكر و الثنا.. فصل على من جاء بالنور والهدى
وبعد فقرضُ الشعر ليس بهينٍ.. وليس بصعب عند مستكمل القوى(13)
أَمَّا لدى إسماعيل باشا لْبَغداديُّ فَإِنَّ الشَّخصين شخص واحد مات مقتولًا بلْإِسكندريَّة " الخزرجيُّ- عبدالله بن مُحَمَّد لْأَنصاريّ ضياء الدِّين أبو مُحَمَّد لْخَزرجيّ لْأَندلسيّ نزيل لْإِسكندريَّة لْـمَعروف بأبي لْجَيش لْـمالكيّ، توفِّي قتيلًا سنة 626 سِتٍّ وعشرين وستِّمائة، من تصانيفه: الرَّامزة: قصيدة في لْعَروض"(14).  أَمَّا سركيس فزاد في نسبه "الْإِسكندريّ"، فقال "الخزرجيّ لْأَندلسيّ: ضياء الدِّين أبو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد لْأَنصاريّ لْخَزرجيّ لْـمالكيّ لْأَندلسيّ لْإِسكندريّ لْـمَعروف بأبي لْجَيش لْـمَغربيّ (لْـمُتوفَّى سنة 626 أو 627). الرَّامزة الشَّافية في علم لْعَروض وَلْقافية أو لْقَصيدة لْخَزْرَجِيَّة وتُعرف أَيْضًا بِلْخَزرجيَّة أَوَّلُها: لك لْحَمد يا الله والشُّكر والثَّنا"(15). قال في هامش الصَّفحة "رأيت سم أبي لْجَيش في كتاب مخطوط له سمه «علل لْأَعاريض» كما يأتي: أبو عبد الله مُحَمَّد الْـمَعروف بأبي لْجَيش لْأَنصاريّ لْأَندلسيّ الْـمَغربيِّ". فهما عند سركيس شخص واحد وفي نسبِه زيادة لْإِسكندريّ، وتاريخ لْوَفاة، سنرى لاحقًا أَنَّهُ خطأ إِلَّا أن يكونا شخصين، وَهذا تاريخ وفاة أبي لْجَيش وليس لْخَزرجيّ. أَمَّا الدُّكتور عمر فرُّوخ في حديثه عن السَّبتيّ فيقول "وهو مصنِّف له: رفع الحجب لْـمَستورة عن محاسن لْـمَقصورة (شرح مقصورة حازم لْقَرطاجنِّيّ)- رياضة لْأَبيّ في شرح قصيدة لْخَزرجيّ (أرجوزة: الرَّامزة الشَّافية في علم لْعَروض وَلْقافية أو لْقَصيدة لْخَزرجيَّة لأبي عبدالله مُحَمَّد بن عثمان لْخَزرجيّ من أحياء النِّصف لْأَوَّل من لْقرن السَّابع للهجرة"(16). وهي ليست أرجوزة، بل مقصورة على بحر الطَّويل. وفي حديثه عن مؤلَّفات بن مرزوق قال: "…لْـمَفاتيح لْـمَرزوقيَّة لحلِّ لْأَقفال وَستخراج خبايا لْخَزرجيَّةالمُسمَّاة: الرَّامزة الشَّافية في علم لْعَروض وَلْقافية (لأبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد لْأَنصاريّ لْخَزرجيّ لْـمُتوفَّى نحو سنة 626"(17). وفي حديثه عن الونشريسيّ ومؤلَّفاته قال "شرح لْخزرجيَّة في لْعَروض"، وفي لْهامش قال " لْقَصيدة لْخَزرجيَّة (=الرَّامزة الشَّافية) لضياء الدِّين أبي مُحَمَّد عبدالله بن مُحَمَّد لْأَنْصاريّ لْخزرجيّ (ت 626 أو 627ه)(18). أَمَّا محقِّقا كتاب السُّحب لْوابلة على ضرائح لْحَنابلة فقالا  "«الرِّسالة لْأَندلسيَّة» في لْعَروض مختصر جيِّد، وجد عناية من لْعُلماء حفظوه ونظموه وشرحوه، ورووه بأسانيد إلى لْـمُؤلِّف، ومؤلِّفه أبو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد لْأَنصاريّ لْخَزرجيّ لْـمَغربيّ ثُمَّ لْأَندلسيّ لْـمَعروف بِبن أبي لْجَيش لْإِسكندريّ لْـمُتوفَّى سنة 549ه، وقفتُ على نسخ كثيرة مختلفة من لْأَندلسيَّة هذِهِ، كما وقفت على شروح كثيرة لها، منها شرح مُحَمَّد بن إبراهيم لْحَلبيّ لْحَنفيّ لْـمَعروف بـ (ابن لْحَنبليّ ت 971ه) وشرحه يُسَمَّى: «لْحَدائق لْأُنْسيَّة». وَعلم- رحمك الله- أَنَّهُ قد يشتبه عليك بـ «لْأَندلسيَّة» في لْعَروض أَيْضًا، وتسمَّى «الرَّامزة» ومؤلِّفها أبو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله لْأَنصاريّ لْأَندلسيّ (ت 726ه)، فهي تشاركها في لْاِسم، ومؤلِّفها يشارك مؤلِّفها في لْاِسم وَلْكُنية واللَّقب والنِّسبة ويخالفه في سنة لْوَفاة. وَهذِهِ لْأَخيرة قصيدة أَوَّلها:
لك لْحَمد يا الله والشُّكر والثَّنا
وشرحها أَيْضًا عدد غير قليل من العلماء، من أشهر شروحها شرح الدَّمامينيّ النَّحويّ «لْعُيون لْغامزة…» وهو مطبوع، وشرح الشَّريف السَّبتيّ (ت 760ه)… وغيرهما. والرِّسالة لْأَندلسيَّة تُسَمَّى أَيْضًا: «مختصر علل لْأَعاريض» وقد طبعت"(19).
هنا نجد تاريخيْ وفاة لشخصين اتَّفقا في لْاِسم وَلْكُنية والسَّكن واختلفا في سنة لْوَفاة، ومرَّة أخرى نسبة لْـمُقدِّمة للقصيدة (لك لْحَمد يا الله…). لعلَّ هذَيْنِ الشَّخصين هما لْأَقرب إلى لْـمَنطق إذا حذفنا كلمة (لْإِسكندري) فهو شخص آخر بكنية مختلفة وتاريخ وفاة مختلف ومتأخِّر عنهما. وَهكَذا نهج لْجَميع دون التَّقصِّي والتَّحقُّق،  فَهذا م. حازم كريم عبَّـاس الكلابيُّ و أ. د. شاكر هادي حمُّود التَّميميُّ يذكران "هو عبد الله بن مُحَمَّد لْأَنصاريُّ الخزرجيُّ، لْأَندلسيُّ لْـمالكيُّ، نزيل لْإِسكندريَّة،لْـمَعروف بأبي لْجَيش (ضياء الدِّين، أبومحمّد)، أديب،عروضيٌّ معروف. اِختلف أصحاب التَّراجم في سنة وفاة صاحب الرَّامزة، إذ ذكر أغلبهم أنَّ سنة وفاته كانت سنة (626هـ)، بينما ذكر آخرون أنّ سنة وفاته كانت في (627هـ). وقد قيل إنّه مات مقتولًا"(20). وَهذا التحقيق: "ضياء الدِّين عبد الله بن مُحَمَّد لْأَنصاريّ لْخَزرجيّ لْأَندلسيّ لْـمالكيّ، أبو محمد لْأَندلسيّ" وأضاف  أَنَّ لْخَزرجيَّ "ولد بلْأَندلس ثُمَّ رحل إلى  مصر، وَهذا ما ذكره بن رشيد لْـمُتوفَّى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، حيث لْتَقى به في ثغر لْإِسكندريَّة، وتوفِّي فيها. اِشتهر في حدود سنة 650ه/ 1252م وقيل توفِّي سنة 621ه/1228م، وذكر أَنَّهُ- أي لْخَزرجيّ- قد أجاز له ولِبنه ولغيرهما"(21). ومصدر التحقيق(نفح الطِّيب من غصن لْأَندلس الرَّطيب). فإذا ما عدنا إلى نفح الطِّيب، وأغلب الظَّن أَنَّ لْجَميع عتمد على نفح الطِّيب في تقرير أَنَّ لْخَزرجيَّ نزل لْإِسكندريَّة وتوفِّي فيها. "ومنهم الشَّيخ لْأَديب لْفاضل لْـمُعمّر ضياء الدِّين أبو لْحَسن علي بن بن مُحَمَّد بن يوسف بن عفيف لْخَزرجيّ، السَّاعديّ.
من أهل غرناطة، ويشهر بِلْخَزرجيّ، مولده ببيغة، رحل عن لْأَندلس قديمًا واستقرَّ أخيرًا بلْإِسكندريَّة، وبها لقيه لْحافظ بن رشيد غير مرَّة، وقد أطال في رحلته في ترجمته"، إلى أن قال: "وذكره صاحبنا أبو حيَّان، وهو أحد من أخذ عنه ولقيه، فقال: تلا لْقُرآن بلْأَندلس على أبي لْوَليد هشام بن واقف لْـمَقَّريّ، وسمع بها من أبي زيد لْفازازيّ لْعِشرينيَّات، وسمع بمكَّة من شهاب الدِّين السُّهْرَوَرْديّ صاحب "عوارف لْعَوارف" وتلا بلْإِسكندريَّة على أبي لْقاسم بن عيسى، ولا يعرف له نظم في أحد من لْعالم إِلَّا في مدح رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم ، ومن شعره يعارض لْحَريريّ:
أهنْ لأهل لْبِدَعِ-   وَلْهَجر والتَّصنُّعِ
وَدِنْ بتَركِ الطَّمعِ
……
وهي طويلة فلتراجع ترجمته في "ملء لْغَيبة" لِبن رشيد، رحمه الله تعالى"(22).
عندما بدأت مرحلة التَّقصِّي للتَّحقُّق من سم لْخَزرجيِّ صاحب "الرَّامزة" تبيَّن لي أَنَّ لْجَميع تقريبًا قد خلطوا في لْأَسماء، وأغلب ظنِّي أَنَّ ذلِكَ عائد إلى كتاب نفح الطِّيب من غصن لْأَندلس الرَّطيب، دون أن يكون للمقَّريِّ ذنب في أخطاء النَّاقلين عنه، ويرجع أصل الخطأ إلى ورود سم لْخَزرجيِّ ضياء الدِّين، في نفح الطِّيب، لكِنَّ لْـمَقَّريَّ يَتَحَدَّث عن شخص سمه ضياء الدِّين لْخَزرجيِّ رحل عن لْأَندلس وَستقرَّ في لْإِسكندريَّة، وَلْتَقاه بن رشيد فيها وله قصَّة معه يرويها في كتابه (ملء لْعَيبة)، وَهذا لْخَزرجيّ، لْتَقاه بن رشيد أواخر لْقَرن السَّابِع لْهِجريِّ، كما يروي في لْكِتاب ويحدِّد السَّنة، بينما لْخَزْرَجِيّ صاحب الرَّامزة تضاربت سنة وفاته وهي سابقة على وجود لْخَزرجيّ الثاني. فلْأَوَّل توفِّي سنة 621ه/1228م وقيل سنة 649ه- 1251م، أو 650ه/ 1252م. لم يذكر لْـمَقَّري الرَّامزة، ولو كان هذا لْخَزرجيّ هو صاحبها لما أغفل لْـمَقَّريُّ ذلِكَ. أَمَّا بن رشيد فيحدِّث قائلًا "وممَّن لقيناه أَيْضًا بثغر لْإِسكندريَّة لْـمَحروس: الشَّيخ لْفاضل لْـمُعمِّر ضياء الدِّين أبو لْحَسن علي بن مُحَمَّد بن يوسف بن عفيف لْخَزرجيّ السَّاعديّ، من أهل غرناطة ويشهر بِلْخَزرجيّ.
مولده ببيغو، رحل عن لْأَندلس قديمًا وَستقرَّ أخيرًا بلْإِسكندريَّة. لقيته بها غير مرَّة. وأجاز لي ولبني مُحَمَّد ولأختيه عائشة وأمة الله ولأخواتي عائشة وفاطمة ورحمة، جميع ما يجوز له روايته وما له من نظم ونثر- وكَتَبَ عنه- بإذنه وبمحضره ومحضري-  زين الدِّين أبو بكر بن منصور شيخنا، وَذلِكَ في الثَّامن من جمادى لْآخرة سنة أربع وثمانين وستِّمائة، لتعذُّر بصر الشَّيخ"…."وضياء الدِّين هذا شيخ صالح فاضل ثبت حاضر الذِّهن يتصرَّف في حوائجه بنفسه، عدل بالدِّيار لْـمِصريَّة، أديب ناظم مطيل مطيّب. وقد وُصف لنا بِلْعالم لْعامل. وجمع بعض شعره في ديوان سمَّاه لْـمَواجد لْخَزرجيَّة"(23). لو أخذنا التَّاريخ لْأَخير الَّذي يذكره بن رشيد (الثَّامن من جمادى لْآخرة سنة أربع وثمانين وستِّمائة)، فلن يكون لْخَزرجيَّ صاحب الرَّامزة من أهل لْحَياة في تلك السَّنة، لأنَّه توفِّي سنة 621ه أو سنة 649ه، أو سنة 650ه. كَذلِكَ ولادة بن رشيد 657ه، أي بعد 7 سنوات على وفاة لْخَزرجيّ، لو سلَّمنا أَنَّ وفاته كانت سنة 650ه، ثُمَّ لْاِسم وَلْكُنية، فالَّذي لقيه بن رشيد هو (ضياء الدِّين أبو لْحَسن علي بن مُحَمَّد بن يوسف بن عفيف لْخَزجيّ السَّاعديّ)، أَمَّا صاحب الرَّامزة فهو (ضياء الدِّين عبد الله بن مُحَمَّد لْأَنصاريّ لْخَزرجيّ لْأَندلسيّ لْـمالكيّ، أبو محمد لْأَندلسيّ)، اَلْأَوَّل أبو لْحَسن، والثَّاني أبو محمّد، وفرق بعيد بين لْاِثنين، ولْأَهمُّ أَنَّهُ ذكر أَنَّ للخزرجيِّ ديوان شعر سمه (لْـمواجد لْخَزرجيَّة) ولم يُشر ولو إشارة للرَّامزة الَّتي انتشرت في لْأَندلس وَلْـمَشرق وذاع صيتها حَتَّى طبَّق لْآفاق، اَضف لِهذا أَنَّ ابن رشيد عَروضيٌّ وهو تلميذ حازم لْقرطاجنِّيِّ وله كتاب "وصل لْقَوادم بِلْخَوافي في ذكر أمثلة لْقوافي"، ويعدُّ شرحًا لكتاب حازم "ما تبقَّى من كتاب لْقَوافي"، "يعدُّ بن رشيد السَّبتيّ من تلاميذ حازم لْقَرطاجنِّيّ، فلقد لقيه وأخذ عنه، وهو يؤكِّد ذلِكَ في دواعي تأليفه لكتاب "وصل لْقَوادم بِلْخَوافي في ذكر أمثلة لْقَوافي"، حيث يقول: "وقُدِّر أن وقفت بحضرة تونس، كلأها الله، على أنموذج فيها- يقصد علم لْقَوافي- لشيخنا لْإِمام لْبَليغ بحر لْأُدباء وحبر لْبُلغاء أبي لْحَسن حازم بن مُحَمَّد بن لْحَسن بن خلف بن حازم لْأَنْصاريّ القرطاجنِّي، رحمه الله تعالى، وَهذا لْأُنموذج الطَّريف في علم لْقافية سلك به حازم لْقَرطاجنِّيّ على عادته في صنع لْخِطاب النَّقديِّ مسلك لْوِجازَة  والتَّكثيف شأن لْفُحول وَلْكبار، فقد "ألمع فيه للألمعيّ بأصولها، وألمع للنَّقَّاب بفصولها،بيد أَنَّهُ ترك جيدها عاطلًا من حليّ لْـمثل، وكلَّل آياتها بأكثف لْكلل"(24). فهل يُعقل أن يلتقي عَروضيٌّ بآخر ولا يذكر له قصيدة طبَّق ذكرها لْآفاق؟ وَبن رشيد من طبقة لْحُفَّاظ كما وصفه لْـمَقَّريُّ، وهو رحَّالة كما يظهر من أسفاره، وليس من عامَّة النَّاس، فلو كان هذا لْخَزرجيّ لْـمقصود، لما كان بن رشيد يدع ذكر الرَّامزة أو لْإِشارة إليها. ويذكر لنا لْـمَقريزيُّ وفاة لْخَزرجيّ، ففي حديثه عن أحداث سنة 686ه، ومن توفِّي في تلك السَّنة يقول "وتوفِّي لْأَديب ضياء الدِّين أبو لْحَسن علي بن يوسف بن عفيف لْأَنصاري لْغِرناطيّ بلْإِسكندريَّة، وقد أناف على التِّسعين"(25). ويذكر بن رشيد أَنَّهُ سأل لْخَزرجيَّ عن سنِّه "وكَتَبَ عنه- بإذنه وبمحضره ومحضري-  زين الدِّين أبو بكر بن منصور شيخنا، وَذلِكَ في الثَّامن من جمادى لْآخرة سنة أربع وثمانين وستِّماالدكتورئة، لتعذُّر بصر الشَّيخ. سألت الشَّيخ ضياء الدِّين في هذِهِ السَّنة عن مولده فقال: سنِّي خمس وتسعون سنة. فعلى هذا يكون في حدود التِّسعين وخمس [من] لْـمائة"(26). وحديث لْـمقريزيُّ بعد لقاء بن رشيد بِلْخَزرجيّ بعامين، وبعمليَّة حسابيَّة بسيطة نقف على تاريخ مولد لْخَزرجيِّ، ففي سنة 684 سأله بن رشيد عن سنِّه فأجاب إِنَّهُ 95، وعليه نخمِّن أَنَّ مولده كان سنة 589ه. وبإضافة ما ذكر لْـمقريزيِّ فإنَّه توفِّي عن 97 سنة. وأبو زيد لْفازازيّ صاحب لْعِشرينيَّات الَّتي درسها عليه لْخَزرجيُّ "توفي بمرَّاكش في شهر ذي لْقِعدة سنة 627ه"(27). أَمَّا الصَّفديُّ فيقول عنه " (ضياء الدِّين لْغِرناطيّ) علي بن مُحَمَّد بن يوسف بن عفيف، ضياء الدِّين، أبو لْحَسن لْخَزرجيُّ الصُّوفيُّ الشَّاعِر. ينتسب إلى سعد بن عبادة. وقال الشِّعْر على طريق محيي الدِّين بن عربي. وله مدائح مؤْنقة في النَّبيِّ، صلَّى الله عليه وسلَّم. وأضرَّ بآخره وَزَمِنَ وعُمِر. وروى عنه الدِّمياطيُّ وَلْبِزراليُّ، وكان مقامه بلْإِسكندريَّة. توفِّي سنة ستٍّ وثمانين وستِّمائة"(28). أَمَّا لْكُتُبيُّ في حديثه عن لْـمائة السَّابعة للهجرة فيقول عنه "وفيها توفِّي ضياء الدِّين علي بن مُحَمَّد بن يوسف لْخَزرجيّ لْغِرناطيّ الشَّاعِر الصُّوفي أقام بلْإِسكندريَّة وقال الشِّعْر الرَّائق، وكان مشهورًا بالزُّهد وله مدائح في النَّبيِّ، صلَّى الله عَلَيْه وسلَّم، وأضرَّ في آخر عمره وزَمِنَ وعاش دهرًا طويلًا قارب لْـمائة(29). غير أَنَّ محقِّقة "الـمفاتيح لْـمَرزوقيَّة" تؤكِّد أَنَّ لْإِسْكندريَّ هو صاحب الخَزرجيَّة " ولد ضياء الدِّين علي بن مُحَمَّد بن يوسف بن عفيف لْخزرجيّ بمدينة (بيغو) بِلْأَندلس، سنة تسعين وخمسمئة (590ه)، أيَّام ولاية لْأَمير يعقوب بن يوسف، الَّذي وصفت أيَّامه بِأَنَّها "أيَّام دَعةٍ وأمن ورخاء ورفاهية وبهجة.
وقد لتبس على لْكثير من لْباحثين ولْـمُؤرِّخين أمر التَّفريق بين ضياء الدِّين لْخَزرجيّ، ومُحَمَّد لْأَنْصاري لْخَزرجيّ، الْـمَعروف بأبي لْجَيش لْأَنْصاريّ لْـمُتوفَّى عام (627ه- 1229م)، صاحب لْـمَنظومة لْأَنْدلسيَّة في لْعَروض، معتبرين ضياء الدِّين لْخَزرجيّ صاحب متن الرَّامزة الشَّافية في علم لْعَروض وَلْقافية هو أبو لْجَيش لْأَنْصاريّ ناظم لْأَنْدلسيَّة، وَهذا خطأ وخلط، وربَّما يعود سببه إلى تشابه لْعَالِـمَيْن في لقب (الخزرجيّ)، كما يعود أَيْضًا إلى أَنَّ للعالِـمَيْنِ نظمًا في علمي لْعَروض وَلْقافية"(30). وَهذا موضع شكٍّ عندنا، حيث لم يذكر بن رشيد الَّذي لتقى الخزرجيَّ أَنَّ له منظومة لْخزرجيَّة، ولم يذكر لْـمَقَّريُّ كَذلِكَ، ثُمَّ وفاة لْخزرجيّ كانت بِلْإِسكندريَّة، وتضيف محقِّقة لْـمَفاتيح لْـمرزوقيَّة "لقد عكف لْخزرجيُّ منذ صغره على طلب لْعِلم وَلْـمَعرفة، فتلقَّى علوم الدِّين على شيخه أبي مُحَمَّد بن حوط الله، وأبي لْوليد هشام بن واقف لْـمُقرئ، ليرتحل من الأندلس متَّجهًا إلى مكَّة، أين تلقَّى علوم الدِّين وَلْأَدب، فسمع عن شهاب الدِّين السُّهرورديّ صاحب كتاب (عوارف لْعَوارف)، ليرتحل بعدها إلى مصر، حيث جتمع بجعفر لْهَمدانيّ وأبي الخطَّاب بن دحية، ليعود الشَّيخ لْخَزرجيّ إلى موطنه مزوَّدًا بزادٍ معرفيٍّ غنيٍّ، نفع به تلامذته، وعلى رأسهم بن رشيد صاحب كتاب (ملء لْعيبة بما جُمع من طول لْغَيبة)، وزين الدِّين أبو بكر بن منصور، وغيرهما.
للشَّيخ ضياء الدِّين لْخَزرجيّ مؤلَّفات قليلة، أشهرها ديوانه الشِّعريّ الَّذي جمع فيه شعره، وسمَّاه (الْـمواجد لْخَزرجيَّة)، وقصيدته لْـمَشهورة (الرَّامزة الشَّافية في علمي لْعَروض وَلْقافية"(31). الأمر لْـمُثير للشَّكِّ هنا أَيْضًا أَنَّ لْخزرجيَّ عاد إلى وطنه، أي لْأَندلس، لِأَنَّها وطنه وفيها وُلد، وَهذا مخالف لِـما ذكره لْـمَقريزيُّ الَّذي حدَّد مكان وفاة لْخَزرجيّ وَأَنَّهُ توفِّي في لْإِسكندريَّة وليس في لْأَندلس "وتوفِّي الأديب ضياء الدِّين أبو الحسن علي بن يوسف بن عفيف الأنصاري الغرناطيّ بالإسكندريَّة، وقد أناف على التِّسعين"، كَذلِكَ عدم ذكر بن رشيد وهو عَروضيّ وَلْتقى لْخَزرجيَّ وأجازه لْخَزرجيُّ، بمعنى أَنَّ لْخزرجيَّ أستاذ بن رشيد، فهل يكتم التِّلميذ خبر مُؤَلَّفٍ لأستاذه (الخزرجيَّة) ويكتفي بذكر ديوان شعر؟؟
(يتبع - الهوامش في آخر أقسام المقال)

الجمعة 17/2/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع