استير أو عصر المسخرة


يوسف فرح



في ايام المسخرة هذه، التي تمر بنا او نمر بها، بات من غير العجيب،ان يُخصص للسخرية يوم احتفالي في كل عام، هو عيد المساخر، الذي ما زال اولاد عمنا، يحتفلون به منذ ثلاثة آلاف وخمس مئة سنة لا اكثر.  ألم يخصص غوار الطوشة في احدى مسرحياته، عيدًا للكذب، بحيث تحصل اصدق كذبة او اكذب كذبة على جائزة! عيد المساخر هذا له حكاية، قد يكون من المفيد سردها، والساخرون في المدن الاسرائيلية، يجوبون الشوارع والساحات بملابسهم التنكرية.
أصل الحكاية يا سادة يا قراء، ان الملك احشويروش "الذي ملك من الهند الى كوش على مئة وسبع وعشرين كورة"، قرر اقامة احتفالات لجميع رؤسائه وعبيده وموظفيه وجيش فارس ومادي في الاقطار التي كانت تحت حكمه، لا عندما اعتلى العرش بانتخابات ديمقراطية كما في السعودية وقطر وسائر دول الخليج، بل في السنة الثالثة لملكه! لا اعرف اذا ما كان التأجيل بسبب "قلة الفضاوة" او عدم الامكانيات. المهم ان هذه الاحتفالات استمرت مئة وثمانين يومًا، تُوجت بوليمة كبرى، وكأن الملك كانت تساوره شكوك الا ينجح في الانتخابات.
   خلال الوليمة الاحتفالية، وفي حين كانت مكبرات الصوت "ترقع" بالحان "دده واه" و"دق الماني" الخالدة، احب الملك ان يعرض زوجته على الجمهور، كي يرى حسنها وجمالها وبياضها وشقارها، فدعاها لتأتي. لماذا لم تكن حاضرة وفي اول صف منذ البداية، لا ادري. المهم انه دعاها. لكنها تمنّعت. كأني بها خافت على مكانة المرأة، وان يتحول الجسد الانثوي الى مادة للفرجة، او انها حسبت الف حساب للمنظمات النسائية. اما الملك، وهو الآمر الناهي، فقد خشي هو الآخر على مكانة الرجولة، اذ ان خبر العصيان النسائي هذا، سينتشر في جميع الممالك عبر شبكات الفيسبوك والتويتر والواتس اب. فيظهر الملك العظيم كمن لا "يمون" على زوجته!
   جمع الملك هيئة مستشاريه، اي "الكابينيت"، كما يفعل قادة عصر المساخر من ترامب الى اردوغان الى بيبي، طالبًا رأيهم، ويبدو ان ذلك "الكابينيت" لم يكن فيه عنصر لطيف مثل اييلت شكيد او ميري ريغف، فاجمعوا على وجوب تطليق "وشتي" وهذا هو اسم الملكة، لكي لا "يفرعن" النساء، الضلع القاصر، ويتشاوفن على الرجال "تاج رؤوسهن"!
   ورغم غضب المنظمات النسائية، وغيظ رئيسة لجنة مكانة المرأة برئاسة عايدة توما- سليمان، فقد "تنح" الملك وطلقها ثلاثًا!
   بعد ذلك بدأت مرحلة البحث عن زوجة طيعة تصلح للملك. ونشرت المناقصة التي تنص على "على كل عذارى المملكة التزبن والتعطر وتقديم الطلبات".
   استغرقت عملية التبرج هذه، سنة كاملة. "والعذارى يغرهن الثناء"! ستة اشهر لدهن اجسادهن اللينة اصلًا، "بزيت المر" لتزداد ليونة، وستة اشهر اخرى للتطيب بالاطياب والادهان العطرية المجلوبة خصيصًا كما يبدو، من البحر الميت!
ثم تمثل كل متقدمة للعرض، بين يدي حارس النساء، وهو خصيّ "صونًا للعرض"، كما قال مظفر النواب. و"من هذا الخصي ومن امانته"، لا كالذين انتهكوا عرض عروس عروبتهم، "ابناء القحبة".
   وجدير بالذكر، ان مواد التبرج والزينة التي تلزم العذارى المرشحات، كانت منحة من الملك.
   جاء دور استير، وكانت مرشحة وذات حظوظ جيدة. دخلت عند الملك في المساء وفي الصباح رجعت الى بيت النساء راضية مرضية. فكانت الفائزة في مسابقة الزواج هذه.
   فدخل عليها الملك وقام بوضع التاج على رأسها، بديلة للزوجة القديمة "وشتي"، التي أبت ان تكون ضرة، مع ان جلالته – ما شاء الله -  قادر و"عتعيت"!
  حتى الآن لم تكشف استير عن هويتها اليهودية، عملًا بنصيحة ابن عمها مردخاي المسبي مع سبي بابل، والذي كان موظفًا على باب الملك.
ذات يوم غضب حارسان من الملك، فتآمرا عليه كما يحدث عادة في القصور الملكية. الا ان العم مردخاي علم بالامر بطريقة ما. فأعلم ابنة عمه الملكة استير. التي اخبرت الملك بدورها.
   اعتقل الحارسان الخصيّان واعترفا بما نسب اليهما، اما تحت "المعاملة الحسنة" كالشبح بالكرسي او الصعقات الكهربائية، واما تحت الفحص بجهاز البوليغراف، الذي "ياما" مر من تحت شاشته رؤساء حكومات وسلطات محلية ووزراء....!
   صلب الخصيان في غياب منظمة "بتسيلم"، وكان ذلك قبل ان يمن الله على امتنا العربية بداعش وجبهة النصرة واخواتهما.
   في تلك الفترة كان الملك قد رقّى احد مرؤوسيه، هامان، وفرض على سائر زملائه السجود له لدى رؤيته بباب الملك. فاطاعوا، الا مردخاي الذي ابى واستكبر، مما اثار حنق هامان عليه. وحنق الملك كذلك. فقرر... إبادة اليهود في كل المملكة بوزر مردخاي! ألم يكن اقرب الى العقل البشري ان يفصل مردخاي من عمله مثلًا، وليس ثمة نقابة عمال تحميه، او حتى يحاكم ويعدم!! لكن الاسطورة يجب ان تتم. ويجب ان يظهر المهدي، او المهدية، فظهرت!
   فخلال جلسة خمر بين الملك وهامان، غامرت الملكة استير بالدخول الى الملك. مد لها الملك قضيبه الذهبي لكي تلمس رأسهُ (وهذه ليست ايحاءات جنسية تغيظ الشرف العربي) بل هي علامة الامان!
وخلال الوليمة الثانية التي اقامتها استير بمناسبة عيد الملك، وكان هامان مدعوًا لها، سألها الملك عن مطلبها، وكان مستعدًا لتلبيته حتى لو كان نصف المملكة!
   في وقت سابق، وفي آخر مرة لم يسجد فيها مردخاي لهامان، نصب الاخير "خشبة ارتفاعها خمسون ذراعًا" لصلب مردخاي عليها! ترى من اين لهم خشبة بهذا الطول ورافعة كالتي يستخدمها الاحتلال في الهدم؟ الا ان وساطة استير الغالية لدى الملك، جعلته يقرر صلب هامان على نفس الخشبة التي كان اعدها هامان لمردخاي! كأنها "الاوتوبيس السياحي الفاخر" في مسرحية الزعيم لعادل امام.
بدأت مسيرة الانتقام الدموية. صلب هامان. واعطي بيته لمردخاي هدية!
وقام اليهود بضرب جميع اعدائهم!
في القصر وحده قتلوا خمس مئة رجل. وقتل بنو هامان العشرة الذين صلبوا بناء على طلب استير بعد قتلهم. وبعد مدة قتل اليهود ايضًا ثلاث مئة رجل. وباقي اليهود في بلاد الملك احشويروش قتلوا خمسة وسبعين الفًا!
 وبفضل استير ومردخاي "كثيرون من شعوب الارض تهودوا"َ!
   انه لعمري تاريخ يغري بالعودة اليه، لولا ان الحاضر شديد الشبه به. اذ ان شعب استير ومردخاي ينتظرون كما يبدو ان يتهود جميع الغرباء في الاراضي الفلسطينية المحتلة.
فآه يا عصر المسخرة! او ليس الفارق بينها وبين "المفخرة" حرفًا! او لا تستحق مثل هذه المساخر عيدًا!!




* ملاحظة: المعلومات مأخوذة من سفر استير وهو من اسفار العهد القديم.

السبت 18/3/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع