نينار ومارد البحر الأعور


رياض خطيب



المسرح هو المرآة الحقيقية والواجهة الحضارية لأي شعب من شعوب العالم، وقد تبلور ذلك من خلال ما خلفته لنا الحضارات الخالده في تاريخ البشرية واكبر مثال على ذلك هو ما خلفته الحضارة الاغريقية من نصوص مسرحية شكلت حجر الأساس للمسرح العالمي فيما بعد، استمدت منها الإنسانية ما افرزته هذه النصوص المسرحية من قيم ثقافية وانسانية ما زالت وحتى يومنا هذا تنبض بالاحساس، لان دورة الحياة ما زالت مستمرة ولن تتوقف ما زال هناك انسان واحد واكبر مثال على ذلك النصوص الادبية لكتاب المسرح الخالدين أمثال سوفوكليس ويوروبيدوس وغيرهما وتشهد على ذلك مجسمات الحضارة الاغريقية التي ما زالت قائمة حتى الآن تتحدى الزمن.
فحالنا نحن العرب بالرغم ما زخرت به لغتنا العربية من معان ومصطلحات في غاية الروعة والجمالية للأسف لن نرتقي برأيي الى مستوى ما وصلت اليه الثقافة الاغريقية القديمة في المضمار المسرحي بالذات، وبالطبع هنالك ازمة حقيقية لن استطيع ان اعدد أسبابها في مقالتي هذه ولكن وبكل تأكيد لم نستطع اجتياز حاجز المسرح والخوض في مجالات ابداعاته الا في وقت متأخر جدًا مقارنة بالمسرح الاغريقي الذي خاض غمار هذه التجربة من بابه الواسع، بحيث أصبحت ابداعاته في مجال المسرح هي ملحمة الخلود والتحدي في عالم مليء بالصراعات بين بني البشر وبين البشر والآلهة او بين الآلهة بعضها البعض، وأرجو من جريدتنا الرائدة الاتحاد أن تتنوع في مختاراتها الثقافية ويقوم ادباؤنا ببعض المساهمات في عالم المسرح لكي تكتمل جمالية أدبنا ولغتنا العربية.
وأنا هنا ومن خلال مشهدي المسرحي المتواضع الذي يشكل جزءًا من مسرحية متكاملة تحت عنوان: "نينار ومارد البحر الأعور" التي سأحاول أن انشرها خلال سلسلة حلقات متواصلة عبر صحيفة الاتحاد لأساهم ولو حتى بجزء بسيط في اغناء الادب المسرحي المحلي.
نينار ومارد البحر الأعور هي قصة شعب وهوية وانتماء فقبل ان تحل النكبة كانت بلادنا فلسطين عامرة بأهلها، ناسها، بياراتها، زيتونها، وشواطئها الجميلة، مئات القرى الوادعة هدمت أو مسحت بين ليلة وضحاها واصبح أهلها مشردين عبر الحدود أو  لاجئين في ارض الوطن وهذه ربما تكون حالة فريدة وميزة في حركة لجوء الشعوب بأن يعيش الانسان بغربة عن بيته وارضه التي يراها امام عينه وتصبح بالنسبة اليه محرمة وملكا لأناس آخرين.
نينار: هو اسم لحفيدتي الأولى الذي تحول الى رمز لمئات الألوف من أبناء وبنات أطفال شعبنا تحولوا بين ليلة وضحاها الى لاجئين، وأنا هنا اهديها الى حفيدتي الغالية على قلبي نينار بمناسة عيد ميلادها الثالث ومعًا على طريق الحرية والانطلاق نحو آفاق المستقبل.



المشهد الأول
(تظهر في خلفية المسرح مجموعة من الصخور على احد شواطئ البحر، اضاءة خافتة يجلس على احدى هذه الصخور رجل مسن يرمي صنارته تجاه البحر محاولا اصطياد الأسماك، خلفية أصوات لأمواج البحر وهي تصطدم بصخور الشاطئ، فجأة ينبعث صوت جهوري من أعماق المسرح خلف الكواليس!)
- الصوت: تتساقط الأيام رميًا بالرصاص كتساقط بواكير المطر الخريفي من أعلى اغصان الأشجار مع هبوب النسمات، وهكذا تكبر النينارات الصغيرة في أعماق المخيم مصرع الموت والمعاناة تهيم على نفسها، تحلم ذلك الحلم الازلي الذي اصبح بالنسبة لها سيمفونية الحياة وايقاعاتها، هنا في أزقة المخيم حيث ينبت الفقر والحرمان وتتقاطع أمواج الحياة مع صخور الواقع المرير، مشهد يتكرر مع اشراقة كل شمس، لحن الحياة في كل صباح والامل دائما يلازمها نحو الانعتاق والحرية ككل الأطفال في هذا الكون .
(مع الانتهاء من هذه المقدمة تتصاعد حدة أمواج الشاطئ، الرجل المسن ما زال يحاول صيد الأسماك يرتفع الضوء وظهره ما زال نحو الجمهور تهدأ أصوات الأمواج يخرج الرجل المسن صنارته من الماء وهو يستدير نحو جمهور القاعة .. لحظة صمت، موجهًا كلامه للجمهور)

- الجد: "يلعنها على أبو هيك عيشة، أسبوع على هالحال وكأنو السمك اختفى لم تتحرك الصنارة ولو على فافوش شو صار؟ مالك بالعادة يا بحر!! معك حق، الزمن تغير ما عاد في الدنيا خير اووووف يعني حالة بتحير، بطل الواحد يقدر يواجه لولاد، كل يوم نفس القصة.. أكلة سمك!! يا حسرة لا سمك ولا بطيخ!!
(يلتفت نحو البحر): بس لي هيك يا بحر شو عدا ما بدا؟ زعلان؟! أوعك تكون زعلان مني؟
(يوجه الحديث الى نفسه) : بتزعل مني أنا لي لا سمح الله، ماحنا صحاب وحباب من سنين طويلة شو اللي زعلك مني؟ لا مستحيل بكون سويت اشي يخلي البحر يزعل مني؟
ثم يوجه كلامه للجمهور: "لا يا جماعة قصة عمر الله يرحم أيام زمان كان الواحد عايش بأرضو بهداة بال بتنفس هوا نظيف باكل من اللي ببعتو الله بألف خير ونعمة، كافي الناس شري بحلم دايما بالخير، بس شو نقول الله يجازي اللي كان السبب كأنو تغير كل شيء صار الواحد يحس انو غريب بتلفت حوالي زي اللي عامل عملة"
فجأة يسمع صوت وكأنه قادم من بعيد:
- الصوت: جدي.. يا جدي.. وينك يا جدي؟
- الجد يلتفت نحو الصوت: "أكيد هاي نينار... أكيد، جاي تشوف شو صار معي".
- الصوت: "سامعني يا جدي؟ أنا...."
- الجد: "ايوااا سامعك، سامعك ... أنا هون، أنا هون هون يا جدي.. وين بدي أروح!!"
(يقترب الصوت وتظهر في الجانب الايسر فتاة في مقبل العمر، تحمل بيدها صرة)
نينار: "شوا القصة يا جدي بعدك هون؟"
الجد: "هون... الا وين بدي أروح يا جدي"
نينار: "استعوقتك، أجيت أشوف شو صار معك"
الجد: "وشو بدو يصير يا قلبي؟ أنا وعدتكو بأكلة سمك وان شاء الله بصير خير"
(تقترب الصبية أكثر نحو الجد وهي تحمل صرة الطعام)
نينار: "تعال يا جدي تعال ارتاح، وكلك لقمة صرلك زمان طالع من البيت"
تضع صرة الطعام على احدى صخور الشاطئ وتتابع حديثها:
"تعال يا جدي عمرو لا كان في سمك، تقهرش حالك"
الجد: "لا يا جدي، أنا مش جوعان، ما ليش نفس"
نينار: "لا هيك بدك تزعلني منك، من شاني تعال وكول لقمة"
الجد: "الامر لله، زعلك كتير غالي علينا يا جدي"
( يقترب الجد يأخذ الصرة من على الصخر، ويجلس على الأرض، يفتح الصرة ويبدأ بتناول الطعام، بينما نينار تتجه بنظرها صوب البحر)
نينار وبصوت اشبه بالحالم: "يا الله شو بحب صوت الموج، كأنو بحملك لعالم تاني، بعيد عن هون بحملك وبطير فيك على بحار الدنيا وبخليك تشوف عالم تاني وناس تانيين مهو البحر يا جدي مش بس عنا، البحر موجود في كل مكان بحمل هموم الناس واحلامها.. الله يساعدو شو شاف ناس وشو مرق على اشكال والوان، بس شو نقول الزمن غدار، ما في أمان بهالدنيا، يوم فوق ويوم تحت!! بتهون، وانشالله بترجع الأيام زي ايامكو يا جدي"
الجد: "من تمك لباب السماء يا كبدي، اللي شاف وعاش مش متل اللي سمع"
(تقترب نينار من الجد وتأخذ كسرة خبزة، وتتجه نحو البحر وهي ترمي بفتات الخبز وتراقب حركة الموج، فجأةً تصرخ ...)
- نينار: جدي يا جدي، تعال وشوف يا جدي السمك، سمك كتير حوالي الخبز بتقاتلو بناتهن على لقمة الخبز.
تشير بيدها وبصوت عالي: "تعال وشوف يا جدي ما أكبر السمكه!!"
الجد: "وشو بدي أشوف الحكي مش متل الشوف، بدنا السمك يهجم عالصنارة، والصناره تغمز وتطلع السمكة.. يا حسرة زمان ما شفنا هيك منظر، أنا قلبي عم بقلي قريب انشالله وأنول الي ببالي يا جدي"
(يتقطع صوت الجد مع سماع صوت يقترب من الشاطئ وصوت صفارات انظار تنبعث من اتجاه القارب، حالة من الذعر تسري وعلى الأخص من نينار وهي تقترب من جدها، بينما الجد يتوقف عن الاكل ويغلق الصرة"

الجد: "شو القصة ؟ شو في يا جدي؟"
نينار: "الله العليم يمكن صوت زي صوت سيارة البوليس، هو صار في اشي يا جدي؟!"
الجد: "وشو بدو يصير؟ الحال من بعدو، ما صار غير كل خير، من وين اجا هالصوت؟ وشو السيرة؟"

(فجأة يظهر جندي من اتجاه البحر حيث القارب مسرع نحو الجد وحفيدته ملوحا ومحذرًا بيده)

الجندي بصراخ: "شو بتعمل هون؟ شو انت اعمى مش شايف اللافتة؟"
الجد باستغراب: "لافتة؟ أي لافتة؟ لا شفت لافتة ولا حتى بعرف انو في لافتة هون!"
الجندي بعصبية: "ولك انت هون بمنطقة عسكرية، ممنوع الدخول وممنوع الصيد، يلا هز حالك احسن ما...."
الجد مقاطعا: طولّي بالك شوي وهات فهمني شو القصة؟
الجندي: "قلتلك منطقة عسكرية . عسكرية شو ما بتفهم؟ يلا يلا"
نينار: "على مهلك شوي على جدي، زلمة كبير، احكي برواق، فهمنا شو اللي صار؟
الجندي موجهًا كلامه الى نينار: "انتو جيتو على منطقة عسكرية، ممنوع الدخول"
الجد باستهزاء: "عسكرية مين يابا، كل عمري وأنا باجي لهون عمري ما سمعت حدا قلي منطقة عسكرية! شو البحر هو بحر أبوك؟
(الجندي يهجم على الجد محاولا الإمساك به ولكن نينار تتصدى له وتقف أمام الاقتراب من جدها، ولكن الجندي يدفعها بيده)
الجد: "نزل ايدك احسن لا اكسرلك إياها شو بتفكر الدنيا على كيفك؟"
الجند : “ اسمع ولا، يا اما بتتحرك فورًا ولا بتشوف اشي مش منيح"
الجد باستهزاء: "ليه لحد هون شفنا اشي منيح؟ احترم حالك وخلي الأمور تمشي بالهوين، احسن الك واحسن النا"
(الجندي يرفع يده محاولا ضرب الجد ولكن الجد يمسك يده في الهواء، الجندي يسحب يده ويبتعد قليلا ويخرج من جيبه لا سلكي، ويتحدث)
الجندي: "الو سامعني؟ حول، أنا موجود على شط بات جليم وفي جسم غريب، حول.. ابعث دورية  فورًا"
(الجندي يوجه كلامه الى الجد)
- مبسوط اسا بتشوف شو راح اساويلك انت واللي معك، هاي البنت الوقحة مشيرًا الى نينار"
- الجد: "احترم حالك ما في حدا وقح غيرك، وقليل الادب كمان"
(تسمع أصوات إنذارات البوليس، يدخل الى المسرح جنديان)
الشرطي: "شو القصة؟ شو مالو الأستاذ؟"
الجندي: "الاستاذ وقح وقليل ادب"
الجد: "ما في حدا غيرك قليل أدب"
الشرطي يهجم على الجد ويحاول ان يضع الكلبشات في يديه
الجد: "على مهلك مش تنفهم شو القصة؟
الشرطي: "مش مهم اسا تفهم تعال معي وهناك بتفهم .
نينار تتدخل: "جدي زلمة كبير ومش خرج بهدلات"
يبعدها الشرطي ويضع القيود في يد الجد ويدفعه باتجاه سيارة الشرطة
نينار شو يا جدي شو بدي اساوي اسا؟ خدوني معو انا بدي افهم شو القصة؟
الشرطي: "روحي اسا عالبيت وبعدين بتفهمي شوا القصة"
نينار: "لا مستحيل جدي انسان كبير بالعمر ومش راح اتركو لحالو"
 تحاول اللحاق به لكن الشرطي الآخر يبعدها ويمنعها من الاقتراب، الجندي ينظر اليها بغضب ثم يرجع باتجاه الزورق نحو الشاطئ)
نينار: "طب يا ربي شو اعمل؟ لوينتا راح يستمر هالحال؟ الحال بطل ينطاق يا جماعة، بس بسيطة الظلم مش راح يدوم"
(وتخرج بسرعة باتجاه سيارة الشرطة)
(يتبع)
(شفاعمرو)


السبت 18/3/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع