فتى عمره 14 سنة، مبتور الرجل، اعتُقِل لمدة أسبوع تقريبا


جدعون ليفي



(ترجمة: أمين خير الدين)

عيسى عبد المعطي، مبتور الرجل عمره 14 سنة، اعتقله الجنود بعد منتصف الليل عندما كان في بيت جدته في مخيّم اللاجئين. خضع للتحقيق بغياب عائلته ومحاميه، ويدّعي أنه ضُرِب أثناء التحقيق. وقال لأمّه إن المحققين ركلوه على  رجله حتى سقطت الرجل الصناعيّة،  عندئذ توقّفوا عن ركله. هذا ما تقوله أمّه على لسان ابنها، عندما التقت به في قاعة المحكمة العسكريّة حين نظرت المحكمة في تمديد اعتقاله يوم الأحد. اعتقل هذا الفتى ذو الرجل المبتورة  لمدّة أسبوع تقريبا في سجن عسكري.
      أطلق الجنود النار قبل سنة ونصف السنة على عيسى عبد المعطي، حين كان عمره 12 سنة. جُرِح  وبعد شهرين ونصف من المكوث في مستشفى هداسا عين كارم، اضطر الأطباء إلى بتر رجله. وبعد عملية تأهيل طويلة رُكِّبت له رجل صناعيّة في الولايات المتحدة، بعد أن أُرْسِل إلى هناك. عمره اليوم 14 سنة ويقبع مع رجل صناعية في سجن عوفر.
     حسب عمره كان يجب أن يكون عيسى عبد المعطي في الصف التاسع، لكنه اليوم في الصف السادس في مدرسة صلاح الدين في بيت لحم، لأنه تعطّل عن الدراسة خلال مدّة علاجه وعملية تأهيله. والداه، رضا وأحمد، أبناء  35 سنة ، يقيمان في بيت لحم، لكنه اعْتُقِل الأسبوع الماضي في مخيم الدهيشة للاجئين، بالقرب من بيت جدته المريضة، في نفس الليلة بات مع أمه في بيت جدته – بناتها يتناوبن النوم عندها في الأشهر الأخيرة  من أجل تمريضها – وهناك أيضا التقينا بأمِّهِ هذا الأسبوع.
   جدته، أمينة، 80 سنة،  ترقد بدون حركة على السرير الحديدي بجانب حائط غرفة الضيوف، بين الحين والآخر يمسحون العرق المتصبب عن وجهها، وبين الحين والآخر تهمس بشيء ما. تعاني من تورّم لحدٍّ كبير بأرجلها، الأم رضا مُنْهكة من شقائها في السنوات الأخيرة، تراكضت هذا الأسبوع بين أبنائها الصغار في البيت، وبيت أمها المريضة والمحكمة العسكريّة في عوفر، حيث جيء بابنها مرتين، للنظر بتمديد اعتقاله. عيسى هو ابنها البكر. عندها غيره ولدان وبنت واحدة.


* جريح، مُقَيّد بالسرير 


 مخيم الدهيشة جنوبي بيت لحم، مكان مكتظ وصعب. بيت الجَدّة في الطابق الثاني من بيت لاجئين بالقرب من المسجد الكبير في المخيم. تزدحم أزقّة المخيم عند الظهيرة بالأولاد وبشباب المخيم الذين ليس لديهم مكان يذهبون إليه. الجدران مزيّنة  بشعارات سوداء قتاليّة،  مما يزرع الخوف والعدوانيّة في العيون.
    جُرح عيسى في 18 أيلول 2015. كان يوم جمعة وقد ذهب مع أخيه الأصغر منه بسنة، عدنان، إلى حديقة مدينتهم. سمعا عن وقوع أحداث بالقرب من قبر رحيل فأسرعا إلى هناك. هناك جُرِح قبل الغروب برجليه الاثنتين من رصاص حيّ. كانت إصابته برجله اليُمْنى بالغة. اعتُقِل عيسى وحسب أقوال أمه، أُعيق  حوالي نصف ساعة حتى نقلته سيّارة إسعاف تابعة لنجمة داود الحمراء إلى مستشفى هداسا عين كارم. 
  في الأيام ألـ 28 الأولى من مكوثه في المستشفى كان عيسى مُعْتَقَلا – مُقيّدا بيديه الاثنتين بالسرير، كانت رجلاه مجروحتين. بشكل خارج عن المألوف سُمِح لأمه بالبقاء بجانبه، ربّما بسبب بلاغة جروحه وصِغَر سنّه. وفي الأسبوع الثاني سَمَح لها الجنود بالنوم على سرير بجانبه، بعد أن منعوها من ذلك في الأسبوع الأول. في حينه تركت رضا ابنها الطفل، كان عمره في حينه شهرين ونصف الشهر،  وتركت أبناءها الآخرين وأُمّها المريضة، وبقيت بجانب سرير ابنها في المستشفى. زوجها أحمد يعمل  في إحدى المستوطنات القريبة، اهتمّ مع أمّه بالأولاد، أُطْلق سراح عيسى بعد 28 يوما من المُعْتٌل بكفالة مقدارها 2000 شاقل ، لكنّه بقي في المستشفى.
   مكث عيسى عبد المعطي شهرين ونصف الشهر في المستشفى، وخلالهما بُتِرت رجله اليمنى على مراحل: في البداية بُتِرت قدمه، وأُجْريت له بعد ذلك عمليّتا بتر، بذل الأطباء مجهودا لإنقاذها، لكن بسبب الغرغرينا التي نمت بها اضطر الأطباء إلى بترها من تحت الرُكْبة. خرج من المستشفى في بداية كانون الأوّل 2016، مبتور الرجل اليُمْنى.
  محقق منظمة بتسيلم، موسى ابو هشهش، يعمل  في المنظمة منذ 17 سنة، رأى منظرا أو اثنين من المناظر المرْعِبة على الشارع. التقى بعيسى عند خروجه من المستشفى، مُعاقا لكل العمر.  يقول أبو هشهش "كان أكثر الأولاد  الذين التقيت بهم حزنا. لن أنسى منظره أبدا عندما التقيت به". 
    بعد أسبوعين من خروجه من المستشفى تزحلق في الحمام وجُرِح في مكان البتر. لم تستطع أمّه من الحصول على تصريح  لتنقله إلى  مستشفى هداسا، فعولج  في مستشفى الحُسيني وفي المستشفى التأهيلي ، وكليهما في بيت جالا. في شهر آب تقرر إرسال عيسى إلى مستشفى تأهيلي في ديترويت. لتركيب رجل صناعيّة، بعد أن تبرعت منظمة للصدقة بتمويل السفر والمكوث في المستشفى. أُرْسِل عيسى، ابن 13 في حينه إلى أمريكا وحيدا. وقد ساعدته عائلة فلسطينيّة في ديترويت عندما كان في المستشفى. يظهر في إحدى الصور هناك خجولا ومبتسما، قبل أن تُرَكّب له الرجل الصناعيّة. عاد بعد شهر مع رجل صناعيّة وقد سببت له  في بداية الأمر  صعوبات جمّة. وكُسِرت مرّتين، تقول أمّه عندها عاد لعكازيه، ويعرضون واحدة منهما، في بيت الجَدّة.


*    عمليّة اعتقالات


عاد عيسى هذه السنة إلى الدراسة وبدأت الحياة تعود تدريجيّا إلى مسارها، مسار فتى فلسطيني معاق من عائلة مهمومّة. تقول أمّه إن عيسى قد تحول إلى فتى عصبي ومتوتّر، يتشاجر مع الجميع وبعد ذلك يعتكف في غرفته لساعات طويلة. هل يبكي في غرفته؟ هو بنفسه لا يعرف.
   يوم الخميس الماضي، الساعة الثانية صباحا، استيقظت الأم في بيت الجَدّة على  أصوات قنابل ارتجاجية وعلى رائحة غازات مُسَيِّلة للدموع تنتشر في بيت الجدة.  في هذه الليلة اقتحم جيش الاحتلال المُخيَّم  في إحدى عمليات الاعتقالات المتكررة التي يقوم بها، وبدأت اشتباكات بين الشباب والجنود. وبعد مضي وقت بدا لرضا أن الجنود قد تركوا المخيّم فخرجت للشارع مع عيسى. لكن القوة  كانت لا تزال هناك. لا تعرف ماذا حصل في عتمة الليل، لكن بعد قليل اتضح لها أن الجنود اعتقلوا عيسى مع ستة فتيان آخرين. كان عيسى أصغرهم. واتضح لها في اليوم التالي أن ابنها أُخِذ للتحقيق في مُعسكر عتسيون ونُقِل من هناك إلى سجن عوفر.
  وقد توجهّت جريدة "هآرتس" للناطق  بلسان جيش الاحتلال بالأسئلة التالية: لماذا اعتُقِل عيسى عبد المعطي؟ هل عرف الجنود الذين اعتقلوه أنه مبتور الرِجْل؟ وهل كان ذلك معروفا للمحققين معه؟ عند تمديد اعتقاله يوم الأحد ألم يعرفوا أنه مبتور الرجل؟ وطُلِبتْ أيضا الإجابة عما ادّعى عبد المعطي من أنهم ضربوه خلال التحقيق معه.
  وقد صرّح جيش الاحتلال إنه "خلال عملية عسكريّة لقوّات الأمن في مُخّيّم اللاجئين الدهيْشة، بدأ إخلال بالأمن تخلله عنف من قبل بعض الفلسطينيين الذين ألقوا حجارة، وزجاجات حارقة وقنابل مُرْتَجَلَة باتجاه القوّة. وقد قامت القوّة ببعض الاعتقالات للمخلّين بالنظام، من بينهم عيسى عبد المعطي الذي كان فعّالا بمساهمته في الإخلال بالنظام. لم تكن حالته الصحيّة معروفة للقوة عند اعتقاله وقد حوِّل للشرطة لمتابعة التحقيق معه".
   يوم الأحد طلب محاميه، طارق برغوث، إطلاق سراحه بسبب إعاقته، لكن المدعي العام رفض ذلك، واتُّفِق على أن تقدّم العائلة للمحكمة شهادات طبِّيّة تؤكّد أنه فعلا مبتور الرجل (من يعرف، قد يتظاهر بذلك). كان من المقرر أن تنظر المحكمة بقضيته يوم الثلاثاء، لكن النظر  بالقضية أُجِّل. وكان من المقرر أن تنظر المحكمة قبل ايام بقضية ضده منذ جُرِح برجله. والتهمة في القضيتين هي إلْقاء حجارة. وقد أطْلِق سراحه في نفس اليوم بدون كفالة وبلا شروط.
    وقد صدر رد شرطة إسرائيل "لقد اعْتُقِل المتهم بتهمة إلقاء الحجارة والعربدة العنيفة خلال الإخلال بالنظام الذي تخلله إلقاء زجاجات حارقة على الجنود، وقنابل وشحنات ارتجالية. وقد ساهم المتّهم بذلك رغم إعاقته. وبعد توقيفه، نُقِل للتحقيق في مركز الشرطة ومن ثمّ للمحكمة لتمديد اعتقاله. وكان قد أُطْلِق سراحه  بشروط قبل أيّام. واتّضح من البحث أنه لم تُمارس القوة خلال التحقيق معه ولا عِلْمَ لنا بادِّعاء كهذا خلال التحقيق أو خلال النظر بقضيّته في المحكمة. بالنسبة للادعاء الذي طرحه أمام المحققين بما يتعلّق بالمشكلة الطِبّيّة، طُلِب منه إبراز مستندات طبيّة حتى يحصل على علاج طبي كامل خلال اعتقاله. وسيُحوّل ملفّه قريبا إلى النيابة العامة لتقديم لائحة اتهام ضده”.



(عن هآرتس)

الثلاثاء 21/3/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع