مِن أَجْلِ أمّـي

أدلين أسعد زهران


 
تـمضي الأيام، تذهب وتعود تلاحِقُنا قصّته في نفس اليوم من كلّ سنة، يقصّ علينا تجربته الـمميّزة والـمؤثّرة. لكن هذا العام قَطعْتُ عليه الطّريق وقبل حلول الـموعد بأسابيع، نادَيتُه وطَرقْتُ بيدي على الأريكة وقلْتُ: "تعال اجلس". نظر طويلا يتساءلُ ثمّ ردَّ: " خير إن شاء الله، ما الـموضوع؟"
طلبْتُ منه أن يسردَ حكايتَه السّنويةَ من بدايتها، وعلى الفور أحضرْتُ القلم والدّفتر لأغوصَ معه في بـَحرِ الذكريات فاسْتهَلـها قائِلا:
"كنت حينها في الثانية عشرة من عمري، وخَصّني أبي دون إخوتي، فأرسلني لأتعلم خارج القرية في مدرسة في الناصرة، ولم يأبه لرسوم الـمدرسة الباهظة مهما كلّفه الأمر.
في كلّ أحدٍ أحمل حقيبتي وكتبي مودّعا والديّ وإخوتي بقلب يعتصر الألم،والدمعة مسجونة تتحسّر ألَـمَ البعاد، أخْفيها وأتابعُ طريقي متَّجها نـحو الناصرة. وكم مرّة تـمنّيتُ أن تأتيني الجرأة وأُعْلِم أبي أنّ روحي تُنْتزَعُ مني وتُفارِقَني رُغْمًا عنـّي في كلّ مرة أغادرهم، فلم أرتوِ بَعد مِن رِفقتهِم.
وكم كانت فرحتي حالَ عودتي في كلّ يوم جـُمعة، الجميع ينتظر الزّائر، أمّي تستقبلني بـِما لذّ وطاب وأبي متحضّر بسؤال وجواب. أما الإخوة فَعَلى الجمر ينتظرون الأخ الأكبر، يـَمرحون ويضحكون وكم من شوق يحملون. تأرْجَحَت سنواتـي بين ذَهاب وإياب في حِضن تلاقٍ وافتراق، يكبرُ الصّغير منهم، وفي ابتعاد وحدي أكبر.
عمل أبي مُعلّما وكان في كلّ أسبوع يُعطيني سَبعَ ليرات. في تلك السّنة قرَّرْت أنْ أوفِّرَ خـَمس ليرات من مصروفي كلّ أسبوع، فتوجّهْتُ إلى الأرشـمندريت في الـمدرسة حينها، وأعْلَمْته برغبتـي في ادّخار مبلغ وحِفظه معه، تفاجأ من طلبـي، ابتسم وقَبِلَ دون أن يسألَ عن السّبب والهدف.
قَتّرتُ على نفسي عدّة أشهر، والزّملاء يتلذّذون بالحلوى والـمأكولات الشّهية، أمّا أنا فاقتصدتُ وحَرَمْتُ نفسي الكثير، فعِشت حالة صراع بين الرّغبة وذاكَ القَرار، لكن في كلّ مرة عقلي ينتصرُ فَتابعت الـمَهمّة والـمبلغ يزداد في كلّ مرّة.
حلّ شهر آذار وسرى الدّفء في الأجواء والأرضُ تزيّنت ألوانا، والطّير أنَشَدَ ألـْحانا، والكون بَشَّر بقدوم الرّبيع وسِرّ التّقتير والتّوفير انكشف، ففي أوّل أسبوع من آذار سألْتُ الأرشـمندريت الـمال، فسألَنـي متعجّبا: " ماذا ستفعل بـهذا الـمبلغ الكبير- مائة وعشرين ليرة كاملة؟"  فأعلَمْته برغبتـي شِراء هديّة لأمّي وتقديـمِها لـَها في عيد الأمّ. فرَبَّتَ على كَتفي مسرورا.
لـمّا عدْتُ إلى القرية ناولْتُ أبي النّقود وطلبْتُ منه أن يرافقَني إلى الجواهريّ لاقتناء خاتَـم ذهَبٍ لأمّي. لن أنسى نَظْرة أبي حينَها، وبَريق هاتيْن العينين الّلتين اغرورقتا بدموع الفَرح. ووَعَدني أن يبقى الأمرُ سرّا.
وفي الواحد والعشرين من آذار حضرَ أبي إلى الناصرة، رافقْتُه إلى الجواهريّ واختَرْنا الخاتَـم، ثمّ عُدْتُ معه إلى القرية. وكالعادة استقبلونـي بالتّحيات والقُبلات، دَنَوْتُ من أمّي، قبّلتُها وقدّمْتُ لها الخاتـم، حضَنتني، قبلتني، وشكرتني على الهدية الأغلى والأحَبّ على قلبها.
تفاخرَت أمّي كثيرا بالهدية، ولم تتـرُكْ مـَجلَسًا إلّا وذكَرَت الخاتَم. وفي أحد الأيام أخْبَرونـي أنّ أمّي فَقَدَتِ الخاتم بينما كانت تَنكشُ الأرضَ قربَ البيتِ وتـحضّرها للزّراعة، فأَشْجاها فُقدانُه وأحْزنَ أبي ضَياعُه.
وبعد مُرور سَنتين، شاءَت الأقدار وظَهر الـخاتَـم مـُجدّدا، وجدَه أبي مع أوّلِ ضَربةِ مِعولٍ في الأرض، لاحَ في التّربة يلمعُ، تناولَه ثمّ مَسَحَه ونفضَ عنه التُّراب العالِق، ثمّ أخذَ يـَجري وينادي بأعْلى صوتَه: "الخاتم، الخاتم". فكانت فَرحَةُ العائلةِ أكبر مـمّا كانت في الـمرّة الأولى.
سكَتَ الصّمتُ وأنْـهى حديثَهُ، رَفعْتُ رأسي فَرأيتُ العَبرات تتلألأُ في عُيونه، دُموع شوقٍ وحَنين لأيّام مَضَت، ورافَقتْها بَسمةُ فَخرٍ واعتزاز لصبـيّ صغيرٍ مَسؤول. (القصة حقيقية)



(عبلّين)

الثلاثاء 21/3/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع