صراع الحضارات؟ - احياء لصامويل هانتنچتون


باسل خلايلة


الصراع الأساس صراع طبقي



*القوى الإمبرياليّة تخلقُ نظريات ثقافية لتبرير تصرفاتها في الخارج وفق تعبير إدوارد سعيد، ولم يكن هانتنجتون وما وضعه من نظرياتٍ بائسة سوى ذراع لما سماه الحضارة الغربية، يحاول تبرير التدخلات الخارجيّة للدول الغربية ونهب ثروات الشعوب المسحوقة والتنظير للعب الولايات المتحدة دور الشرطي في العالم*



قد شهدت فترة انتهاء الحرب الباردة معركة نظرية شرسة بين تياراتٍ علمية متعددة تهدفُ الى التنبؤ بمستقبل الصراعات في العالم بعد ما سُمي بـ "موت الأيديولوجيات" وانهيار المعسكر الشيوعي و"انتصار الديموقراطية الليبرالية”. ولعل من أبرز ما طُرح آنذاك تصوّر فوكوياما لـ "نهاية التاريخ" وانتشار الديمقراطية حول العالم وباتت تلك الرؤيا هي المهيمنة في مجال العلوم الاجتماعيّة والسياسية، الى حد قدوم الزلزال الهانتتچتوني الّذي طرح من خلاله صامويل هانتنجتون تصورًا جديدًا يستشرف من خلاله الطبيعة الجديدة للمنظومة الدوليّة والعلاقات بين الدول، ومفاده أن الصراعات بين الدول لن تتوقف بالرغم من موت الأيديولوجيات والصراعات بينها، وأننا سنشهد صراعًا جديدًا حول العالم، ثقافيٌ وتربوي الجوهر يُفضي الى ما أسماه "صراع الحضارات".
في صراع الحضارات لن تكون الدولة القوميّة هي اللاعب الأساس في العالم وإنما سنشهدُ انقسام العالم لمعسكراتٍ حضارية تتصارع فيما بينها وذلك لأن لا سبيل للهروب من الانتماءات الّتي تتشكل منها الحضارة ولأنها العامل الأساسي في الاختلاف ما بين البشر، وعلى عكس الأيديولوجيا القابلة للتبدّل وفق مزاج حاملها الا أنه ومهما تلّون الفرد لا مناص من الاثنية، القوميّة، الدين، التاريخ واللغة وكافة المركبات العضويّة الّتي تشكل حضارة الفرد أو المجموعة.
قد أعطت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تلاها من غزو للعراق وصِدامٍ بين الغرب والشرق دفعةً لعلو شأن نظرية صراع الحضارات وقيلَ ان صراع الحضارات أصبحَ حقيقة، يتغنى بها البعض الى يومنا هذا.
وبالرغم من الرواج الهائل لما قد نظّر له هانتنجتون الا أنه من السهل دحض ونسف ما طرحه، ويكفينا لذلك نظرة لطبيعة التحالفات والصراعات الدوليّة. كيف لهانتنجتون أن يفسرَ التحالف الروسيّ-السوريّ او الخليجي-الغربي-الإسرائيليّ وفق نظريته، او أن يحلل الصراع ما بين السعودية وإيران أو دعم ما سماه دول الحضارة اللاتينية للشعوب المضطهدة والمُحتلة، أو ان يفكك تحالف دول البريكس التجاري الاقتصادي او أن يفسر انضمام دولٍ لا تنتمي للحضارة الغربية للاتحاد الأوروبي، أو أن يقول لنا وفق رؤيته الثقافية لماذا ما زالت تركيا تحمل عضوية في حلف شمال الأطلسي؟ إن هذا يقودنا الى خلاصة واحدة، أن المصالح الاقتصادية والسياسيّة ما زالت تلعبُ كحجر أساس في العلاقات الدوليّة وأن للأيديولوجيات مكانا في هذا العالم.
إن القوى الإمبرياليّة تخلقُ نظريات ثقافية لتبرير تصرفاتها في الخارج وفق تعبير إدوارد سعيد، ولم يكن هانتنجتون وما وضعه من نظرياتٍ بائسة سوى ذراع لما سماه الحضارة الغربية، يحاول تبرير التدخلات الخارجيّة للدول الغربية ونهب ثروات الشعوب المسحوقة والتنظير للعب الولايات المتحدة دور الشرطي في العالم من خلال عرض التباينات بين الحضارات التي ستفضي لحتميةٍ تصارعية ما بين الحضارات.


**صراع في داخل الحضارات


ان صراع الحضارات وبالرغم من بؤس طرحه الا أنه قابلٌ للتعديل -حسب اعتقادي- كي يصبح نموذجًا لتحليل الصراعات الداخليّة في الشرق الأوسط أو لتحليل صعود اليمين في أوروبا وفي الولايات المتحدة، وبذلك يتحول صراع الحضارات الى صراع في داخل الحضارات.
ان الاحتكاك اليومي بين أبناء الحضارة الواحدة هو حقيقة لا سبيل لاعتراضها وإن انقسام الحضارة الى عددٍ من الحضارات – الأمر الّذي لم يفهمه هانتنجتون جيدًا – هو لب الصراع في داخل المجتمعات والحضارات المختلفة وهو العامل الأكثر تأثيرًا على الكيفيّة الّتي تُصنع فيها القرارات، فكم من حضارةٍ تترنح بين الدين والعلمانية، اليمين واليسار، المحافظة والتقدميّة، العولمة والانغلاق القومي، بين التناقضات ما بين مجموعات الأكثريّة والأقلية وبين السكان الأصليين والمهاجرين.
إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو مثالٌ صريحٌ للصراع في داخل الحضارات، بين معسكرٍ يسعى للانفتاح على العالم أكثر ولتعزيز التعاون الأوروبي أكثر وبين معسكرٍ اختار التقوقع القوميّ بسبب نزعات الاكزينوفوبيا الّتي يحملها، أو نجاح دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية هو مثالٌ اخر، فوكيل اليمين الشعبويّ لم يكن ليصعد نجمه لولا الصراعات الداخليّة في المجتمع الأميركيّ، فقد ولّدت أزمة "حزام الصدأ" نقمة لدى الطبقة العاملة الصناعيّة البيضاء تجاه الغرباء، المهاجرين، وتجاه المنظومة السياسيّة ككل وذلك بعد تدهور أحوال الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة مما سهّل على وكيل القومجية المنغلقة والعنصريّة أن يصل البيت الأبيض. وذلك ينطبق ايضًا على فرنسا، المانيا، هولندا ولا حاجة للحديث عن الشرق الأوسط وعن التناقضات الّتي تنخره الى حد الانفجار.
إن العامل الثقافي، التربويّ، الدينيّ، الاثنيّ والحضاريّ له الحضور الأكبر في تحليل مسرى الأحداث في داخل الدولة أو المجتمع أو الحضارة، ويكاد يكون معدومًا على صعيد المنظومة الدوليّة وعلى العلاقات ما بين الدول.

الخميس 20/4/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع