صانع النكبتين.. صانع النكبات


فيصل طه



 وقفة تضامنية في رام الله ضد العدوان الأمريكي على سوريا



يؤرقني جدًّا حال حصانتنا ومناعتنا الوطنية، بل حدود إدراكنا ووعينا لماهيّتها التي تترآى اليوم عبثية لدى العديد من شرائح شعبنا العربي عامة والفلسطيني خاصّة.
إن كل ما حلّ بشعبنا الفلسطيني من وَيْلات وتشتيت عبر عشرات السنين وما زال، كان جديرًا بتحصيننا وتعميق فهمنا لتحديد وحصر العدو المركزي، ذاك الذي ما انفكّ يلاحقنا كشعب نحو التصفية، هو الثالوث الدّنس المُكوّن من قوى الاستعمار المُتمثلة بالإمبريالية الأمريكية صاحبة شركات الإحتكار العملاقة الجشعة وأدواتها الصهيونيّة والرجعية العربية.
إزاحة البصر والبصيرة عن مُسبّب البلاء والدمار البشري والبيئي والتراث والتاريخ وحامل لواء الحرية وحقوق الإنسان زورًا وبُهتانًا، والتي باسمها طرد وسلخ شعبنا الفلسطيني من وطنه واخترق سوءًا وتزييفًا ثقافتنا السمحة وأدياننا السماويّة الشرقية الحنيفة وأحدثَ الفتنة والتمزيق لنسيجنا الاجتماعي الفُسيفِسائي والمتعايش سلمًا وثراءً ثقافيًّا عزيزًا عبر آلاف السنين، وأدخل بإنسانيّته الفجّة والمهترئة عصابات الذبح والقتل والحرق والإرهاب من أهل الوطن وخارجه ضد الوطن. هذا الثالوث الدنس الحقير الدموي ناهب الخيرات اللاعب بمصائر الشعوب مجنّدًا أضخم مضخّة إعلامية لتشويه الحقائق وتزييفها قالبًا الوهم والغيب والبُهتان إلى حقيقة تخدم مشاريعه القذرة.
تتعالى صرخة صريحة مدويّة تُسمع من به صمم، ماذا فعل شعبنا الفلسطيني المُسالم والبريء لهذا العالم الإنساني المتنوّر من ضرر أو جرم حتى ينال هذا الجزاء القاتل، وأن يدفع الباهظ من الأثمان، حتى يُقلَع من جذوره ويتشتّت أيدي سبأ، وقد تشتّتت، حتى تحل به النكبة، هذا الخراب الذي فاق يَبابُه العهن المنفوش، وما هي ذرائع هذا الخراب؟ أهي دكتاتورية نظامه اللا نظام؟ أم امتلاكه أسلحة الدمار الشامل؟ أم انتهاكه لحقوق الانسان وتقييده للحُريّات؟! مَن الذي اقترف هذه الكارثة؟ أليس الثالوث الدّنس بعينه، الذي ما زال ينهش ويُفتت شعوبنا وأوطاننا بتلفيق أعذار ساقطة مختلفة يتماهى معها ويوافقها بعض المثقفين والحركات السياسية العربية؟!
هل هناك تبرير لنكبتنا؟.. لنكبة شعوبنا العربية في كل أرجاء الوطن العربي الجريح والذي ما زال ينتظر جُرحه.
بوصلتنا فلسطين والحَيدة عنها هو الإرتماء في أحضان مشرِّدها وقاتلها، والذي ما زال يعمل على ذبحها ونسيانها وطمسها وعلى شرذمة وتفتيت ونهش وطننا العربي عامة.
حصانتنا الوطنية والانسانية هي بقدرتنا وبإرادتنا على قشع الغبار السام وفضح الادعاء بالأعذار المُغلّفة ببريق حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية وكشف أعداء الإنسانية وأدوات الخزي والعار من الرجعيّة العربية المَلَكِية وغيرها الغارقة في الديمقراطية والحرية إلى درجة نقع المرأة في غياهب الجهل والكبت والقيود والقبور، وكذلك الصهيونية ودورها في تصفية فلسطين، وأيضا من المجرم الأمريكي الأكبر مقترف كل الجرائم ضد شعوب العالم المسالمة ومرتكب الجريمة الأكبر في التاريخ الحديث وهي الإبادة النوويّة لأبرياء هيروشيما وناغازاكي اليابانيّتين، ألا تحتاج هذه الكارثة الإنسانيّة المعتّم عليها قصدّا إلى وقفة تأمّل لإدراك الحقيقة؟! مُقترِف هذه الجرائم الكبرى هو نفسه الذي ينتصب ساخرًا على أرضه تمثال الحريّة!
يُؤرقني تأرجُح المواقف من مبرّر لتدمير تدمُر وتهشيم تمثال أبي العلاء المعريّ والإبداع في الحرق والذبح وقتل الإنسان الى مُستنكرٍ هائج للإرهاب في تركيا، فرنسا والعالم الغربي، والى المراوحة والمفاوضة بين داعش العراق وداعش الشام، وبين إرهاب هنا وبين إرهاب هناك، إنه كالقابع في فوضى المواقف قاطعًا بإصرار مُدهش حبل التواصل بين الجرائم والجرائم، وبين النار ومصدر لهيبها، وبين النكبة والنكبة... صانع النكبتين صانع النكبات.
التبرير والصمت والتلوّن هو الضامن والدافع لاستمرار العنف والإرهاب وإلى تدفّقه إلى بيوتكم، بيوتنا، وإلى زمن لا ينفع فيه الندم أي ندم.



صفورية – الناصرة

الجمعة 21/4/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع