بَـلبَلَـة درامِـيَّـة رمضانـيَّـة


مَارون سَامي عَزّام



  يقولون دائمًا مع اقتراب بداية الشّهر الفضيل، جملة تجارية "رمضان الخير عنّا غير"، وهي أيضًا تنطبق أيضًا على الحملات الإعلانية التسويقيّة، التي أطلقتها الفضائيات العربية، قبل شهر من بداية رمضان، التي تُعلن عن "ربجة حصريّة" من المسلسلات!!وذلك نتيجة الارتفاع السّنوي في عدد الإنتاجات العربية للدراما على أنواعها، منتظرةً حلول شهر رمضان لتبيع أعمالها لقنوات عربية خاصّة ثريّة، "تُقدّر" قيمة العمل!!، ولا تبعيها لقنوات حكوميّة، مثل تلفزيون لبنان الذي يعاني منذ سنوات من مشاكل تمويليّة، ويُعَد فقيرًا ماديًّا، نسبة مشاهدته لا تُذكَر.
  هذا العام تتميّز الدراما السّوريّة، بكثافة إنتاج الأعمال البيئيّة بتعدد أجزائها، بالإضافة إلى الأعمال الاجتماعية التي تتناول موضوع الأزمة السورية،ولكن رغم تميزها، إلا أنها لم تصمد أمام التسونامي المالي العربي، الذي اقتلع بتاتًا أوقات الاستراحة الترفيهيّة للمواطن، شوَّش ذهنه، بشكل خطير، بتنقّله من قناةٍ لأخرى، بحثًا عن مسلسله المفضّل!! إلى أن أصبح من حوله فوضى ترفيهيّة عارمة.
  ما يشاهده المشاهِد العربي خلال 30 يومًا، مجرّد مقتطفات من مجموعة مسلسلات لأحَب نجومه، كلها تُعرض خلال شهر رمضان، وهذا يعني أن المواطن العربي بالنسبة للشّركات المعلنة، أداة شرائيّة لا أكثر، أمّا بالنسبة للقنوات الفضائيّة، فهو خاضع لأهواء ساعات عرضها للمسلسلات الدراميّة، في ظل ارتفاع حدّة المنافسة الخفيّة بين القنوات الخاصّة الشّهيرة، على شراء أعمال أهم النجوم العرب.
  القنوات الخاصة أو المتخصّصة بالدراما، لا تهتم براحة المواطن العائد من عمله منهكًا، لا تراعي ساعات بث هذه المسلسلات، ما يهمها هو مراعاة الشركات التجاريّة المعلنة، التي تدفع سعرًا عاليًا على بث إعلاناتها،لتُعرَض في ساعات ذروة المشاهدة، فمن جهة تحظى بنسبة مشاهدة تسويقيّة عالية، من جهة أخرى تربح هذه القنوات مَبالغَ طائلة، لأن رفاهية المشاهِد العربي ليست ضِمن أجندتها البرامجيّة، ممّا يضطر أن يُضيّع وقته هباءً أمام شاشة التلفاز، وهو يتصفّح كومة القنوات في جهاز الاستقبال، ليشاهد برنامجًا آخرَ على قناة تجارية أخرى.
  هذه الفوضى الدراميّة التي نشهدها في شهر رمضان تحديدًا، جعلت المواطن المسكين خلال فترة الإعلانات يقطف عن شجرة الدراما العربية المثمرة بالأعمال، حلقة من هذا المسلسل، أو مشهدًا من آخر، إذا حالفه الحظ يشاهد حلقةً كاملة، لأن معظم النجوم العرب، يصوّرون أعمالهم بسرعة، لتدخل في ماراثون رمضان، فيحتلّون أكبر مساحة من الخريطة الدرامية المخطّطة مُسبقًا،لذا نجد في الكثير منها أخطاءً إنتاجيّة وإخراجية، كما يحصل سنويًّا مع العديد من المسلسلات، منها "باب الحارة"، أو يُعرَض المسلسل قبل انتهاء تصويره...
  ... مثل هذا الأمر حصل مع مسلسل الزّعيم عادل إمام، "عفاريت عدلي علاّم"، وهو من إنتاج مجموعة "إم بي سي"، الذي باعته لعدّة قنوات،هذه سياسة تسويقية جديدة لم تنتهجها في الماضي، قبل عقد من الزّمن، فتخلّت عن حصريّة عرضها للمسلسلات، كي تسترجع تكلفتها الباهظة!كما لا ننسى في هذا السياق، أن مجموعة "إم بي سي" السعوديّة تحديدًا، ساهمت بخلق هذه البلبلة الدرامية لدى المواطن بشكل مباشر.
  هذا العام أنتجت "إم بي سي" أهم ثلاثة مسلسلات، سلسلة "باب الحارة" التي لا تنتهي، وأصبحت مبتذلة!!، ومسلسل عادل إمام، و"غرابيب سود"، الذي يحكي عن خفايا وفظائع تنظيم داعش، لذلك ينحصر تركيز المُشاهِد عليها، فيخبو رونق الأعمال الأخرى، وتختفي عن رادار عيون المتابعين اليوميين،لنستشف أن هدف قناة "إم بي سي"، تجاريَّ صرف!!، هكذا تحظى بنسبة مشاهدة عالية جدًّا... استمرار إنتاج هذه القناة السعوديّة للمسلسلات الناجحة، ليس لرفع من قيمة الدراما عربيًّا، بل لخلق بلبلة كبيرة، وبحثًا عن جني الأرباح بأي ثمن، على حساب جودة العمل.
  دار هناك حديث بين صنّاع الدراما عن عرض المسلسلات خارج الإطار الرّمضاني، لتخفيف الضَغط الترفيهي عن المواطن العربي، ولاقت هذه الفكرة استحسان البعض...هناك أعمال عُرِضَت خارج "عجقة" رمضان على قنوات متخصّصة جديدة، مثل قناة "النهار دراما" المصريّة، فمن أجل أن تكسب شهرةً جماهيريّة، وتأخذ لها مكانًا بين القنوات الرّائجة، عَرَضَت مسلسل "مملكة يوسف المغربي"، وهو من بطولة القدير مصطفى فهمي والنّجم منذر رياحنة، وغيره من المسلسلات، التي لاقت شعبيّةً لا بأس بها، هكذا حظيت القناة بتغطية واسعة، وتفادت حينها البلبلة الموسميّة الطّارئة!!
  يحتار عقل المشاهد ماذا يتابع، فيدخل في متاهة تلفزيونيّة موسميّة، فتتقطّع وتيرة متابعته اليومية، ويفقد متعة الاستمتاع بمشاهدة أداء نجومه...يجب ألا ننسى تكاثر القنوات الدراما المصريّة خاصةً، التي تحاول جاهدةً لفت الأنظار لمسلسلاتها، فاقمت البلبلة، نتيجة زيادة انتاج المسلسلات المصريّة سنويًّا، كي تحافظ نوعًا ما على حقّها في الريادة الدراميّة!!
  إن تفاوت ساعات عرض الأعمال، أو نجدها تُعرَض في وقتٍ واحد،خاصةً عندما تكون العائلة مجتمعة حول الوليمة الدرامية الدّسمة، كل فردٍ فيها يرغب بمتابعة العمل الذي يفضّله، ممّا ينتج عن ذلك جدالات أخويّة بينهم إذا جاز التعبير، فتتكسّر شاشة الالتزام لأي عمل، وتتضاءل جدوى متابعتها، حتّى الأولاد الذين يتابعون البطولات الوهميّة لسلسلة "باب الحارة"، الذي يُعرَض في ساعةٍ متأخّرة نسبيًّا، نجد أن بعضهم لا يستطيع الاستيقاظ صباحًا لمدارسهم، فيتغيّبون عنها قسرًا، وقد أُثارت هذه القضية مؤخّرًا نقاشًا واسعًا.
  لن يتوقّف محرّك الإنتاج عن العمل... لن تُراعي القنوات العربية حياة المواطن... لن تتغيّر ساعات بث المسلسلات، بل سيبقى هذا التزاحم يلازم الدراما العربية في رمضان، التي تُخلق هذه البلبلة اللامتناهية، سبّبت الفضائيّات العربيّة في عقلية المواطن خللا زمنيًّا في مواعيد سهراته الليلية الجميلة، حوّلت تسلتها المحبّبة إلى قلبه، إلى توتّر درامي، لذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار التداعيات الاجتماعية لهذه البلبلة المتلفزة!!
 
الجمعة 16/6/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع