وشهد شاهد من أهله


يوسف فرح


**ثقافة موسوعية
في مطالعتي المشروحة هنا، تسببت لنفسي بـ"سمة بدن" فكيف لا انجذب لكتاب الشهادات واصر على قراءته حتى آخر كلمة فيه؟ وفعلا كنت ما اكاد انتهي من قراءة فصل حتى اراني مدفوعا الى ما يليه من فصول. فالكاتب لا يدع شاردة تشرد ولا واردة تصدر، الا ويشبعها تمحيصا وتدقيقا واحاطة. فيا لهذه الثقافة الموسوعية وهذه الذاكرة الحادة، وهذه المعرفة الشاملة.



لأول وهلة أجفلت. فمن انا حتى أغامر في دخول هذا اليمّ المترامي،  وانا لا اتقن غوصا ولا عوما ولا سباحة، بل اغرق في "لجن غسيل". ولنفرض ان مكروها وقع لي في البحر العميق، فمن سيهرع الى انقاذي، وقد يكون المنقذون في اضراب، كما يحدث في اسرائيل عادة، بفضل "البحبوحة" المعيشية التي ترفل فيها شرائح المواطنين على اختلافاتهم.
    لكني غامرت وقفزت في الماء بحذر وانتعشت. فقد جذبتني محتويات الكتاب متكشفة عن سلال من الفاكهة الطازجة على انواعها. تأكل تأكل فلا تشبع. فالدر كامن في البحار العميقة.
     وما كدت احطّ الرحال عند الصفحة الخامسة والاربعين بعد الست مئة، حتى اضطررت الى تنحية الكتاب جانبا، لصالح مقالة في ملحق الاتحاد يوم الجمعة التاسع من حزيران. وقد احتل (المقال) صفحتين كاملتين، خاليتين حتى من صورة للكاتب ولا ادري لماذا تخلت الاتحاد عن نشر صور الكتاب الى جانب ما يكتبون، على غرار باقي الصحف، وعلى غرار ما كانت الاتحاد نفسها تفعل !! ثم فوجئت كما يفاجأ سائق متهور، بـ "البقية في ص 8".
    سامحك الله وعافاك يا الياس نصرالله.
كنت في الماضي البعيد "تمرجلت" على كتاب من الحجم الكبير جدا، معتبرا الامر تحديا، وقد اهلكني ذلك الكتاب فعلا، لكنني قرأته من أول كلمة حتى آخر كلمة.
     لكن شتان ما بين كتاب وكتاب. فذاك كان كتابا "مقدسا"، هبط من السماء كما هبطت الصواريخ الامريكية الذكية في حينه على ملجأ العامرية العراقي، ابان حملة "نشر الديمقراطية" في ارض النخيل، فاضطر ما سلم من طواقم الاسعاف العراقية ، لسحب جثث الاطفال متفحمة، تقطر "ديمقراطية" اذ جففت النار الصاروخية "المقدسة" ما في الشرايين من "حبر" احمر. ثم صارت ألسنة النار تقليدا عاديا، تمتد الى كل قطر عربي يحاول ان يزاول كرامة وطنية فتحرقه وتنتقل الى غيره.
     ذلك الكتاب "المقدس" الهابط للتو من السماء، وما زالت اوراقه تنبض بحرارة، تكاد "تسلق" اليد التي تسلمته قبل آلاف السنين، وهي اليد ذاتها التي "فزعت" لليهودي ضد المصري فقتله! ولماذا هذه اليد بالذات تتناول الكتاب "المقدس" لا غيرها ؟ حكمة الهية لا يدركها الا العقل اليهودي! واذا باحدى الوصايا تقول "لا تقتل"!!
    في ذلك الكتاب المقدس يقوم الرب (الله ان شئتم) بدور الخادم المطيع. جاهز لتنفيذ اي امر من اوامر "شعبه المختار" وجاهز للتدخل في اي شأن يخص احدهم، حتى لو كانت قسمة قطيع من الماعز بين اخوين. وهو (الرب) لا يربأ بنفسه عن التحيز لاحدهما!
كان احد اقاربي حين يعجز ابنه عن اقناعه في شأن ما، ويتمسك الابن برأيه المخالف لابيه، يصرخ الوالد في وجه الابن: "ولا، انا ابوك، وإلا انت ابوي؟" فحتى هذه الصرخة لم يكن الرب يجرؤ على اطلاقها في وجه شعبه المختار ! وكل شعبه المختار مدلل. فهل كان هذا الشعب يعتبر نفسه هو الذي خلق الرب لا العكس!!
     ربما لم تبق شخصية واحدة من شخصيات الكتاب المقدس، لم يكلم الرب.ولم يقتصر الامر على من تسلمه ! وكل جرائم القتل والزنى والاغتصاب وحتى الاحتلال، كانت تتم بالتنسيق، لا بل بامر من الرب. يقول لهم ادخلوا اراضي ذلك الشعب وسوف اكون امامكم ! أُقوي عزيمتكم واهزم اعداءكم! فلا تخافوا! فما الغريب في ان يواصل نتنياهو ما فعله يشوع في اريحا، وفي الخليل التي جاءها ابراهيم لاجئا، لا يملك مكانا يدفن فيه زوجته سارة، لولا المحسنون الذين تبرعوا آنئذ بالمغارة وما حولها!
     يدّعون ان اليهود خرجوا من مصر، بسبب الظلم، وبسبب التمييز العنصري ضدهم! كيف يكون تمييز، ويوسف بن يعقوب اليهودي الذي باعه اخوته، فراح يرتقي المناصب حتى تسلم الخزينة المصرية! ونحن هنا في ارض "المساواة"، لم نحصل على منصب وزير (هو عربي عند الحاجة وغير عربي عند الحاجة) الا بعد سبعة عقود تقريبا. مع انه (الوزير الجديد) يتقن نحر خراف بعدد سنوات عمر الدولة. ولا يقعده ذلك عن اعداد العدة لارسال رجل الي آلي لبنان قاصدا عناوين شخصيات بعينها، ويأتي برؤوسهم!
في مطالعتي المشروحة هنا، تسببت لنفسي بـ"سمة بدن" فكيف لا انجذب لكتاب الشهادات واصر على قراءته حتى آخر كلمة فيه؟ وفعلا كنت ما اكاد انتهي من قراءة فصل حتى اراني مدفوعا الى ما يليه من فصول. فالكاتب لا يدع شاردة تشرد ولا واردة تصدر، الا ويشبعها تمحيصا وتدقيقا واحاطة. فيا لهذه الثقافة الموسوعية وهذه الذاكرة الحادة، وهذه المعرفة الشاملة.
وكم استمتعت بالكتاب لكون الكثيرين من شخصياته معروفين لدي سياسيا وعقائديا، بل تربطني ببعضهم علاقة نسب. من حبيب الحايك الى سليم شحادة (ابو روجينا) الذي فوجئت فعلا بجرأته وبذله وعطائه وتضحيته.
     ولا بد هنا من الاشارة الى ان هذا البحر الزاخر بالجواهر واللآلئ يبرز المواقف الوطنية الراسخة لدى المؤلف حتى عندما كان يعمل في الصحف السعودية، الشرق الاوسط والمجلة والحياة، لم يغير مواقفه ولم يقايضها، ولم يعمد الى بيع اشرطة خطابات اميل حبيبي وغيره من قادة الحزب الشيوعي، لطلاب الجامعات، كما فعل غيره.
وليس ذلك بغريب على من تربى على هذه القيم في مدارس الحزب الشيوعي ونواديه . ان كتابك ليس شهادة فقط بل هو وثيقة.
شكرا الياس نصرالله. فنحن اليوم احوج ما نكون الى شهود من امثالك، بعد ان تكاثر شهود الزور كتكاثر الجرذان في هذا الزمن العاهر.
والى من مازالوا يمارسون "ترف" المطالعة على قلتهم اقول: ان من يبحث منكم عن ثقافة ومتعة وفائدة ويريدها مطالعة نوعية، فعليه بكتاب "شهادات على القرن الفلسطيني الاول". ولا تخافوا من اتساع البحر فلسوف تهنأون بسباحة ممتعة...



*تنقير


الاول: والله طلع "جدع" هالملك !
الثاني: كيف؟
الاول: رئيس اعظم دولة في العالم طأطأ رأسه امامه!
الثاني: آ. لكي يطوق عنقه بقلادة من الماس والذهب والياقوت والزمرد. لكنه طأطأ رأسه في مكان آخر.
الاول: وين؟
الثاني: عند حائط المبكى.
الاول: هات ايدك. كلها حيطان.

السبت 17/6/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع