لا إمام سوى العقل


الياس خليل نصر الله


الفيلسوف والعالم إبن سينا


** الحجة بالحجة
كيف لمجتمع الخروج من جموده، عقمه الفكري اذا رفض مناقشته الحجة بالحجة بدلا من التكفير والتهميش. والأنكى أن أقاطع فنانا، أديبا، عالما أو مخترعا لأنه لا ينتمي لديانتي، طائفتي، عرقي أو قوميتي. والطامة الكبرى والكارثة والمأساة الإنسانية أن يقودني جهلي، هوسي وتحجر عقليتي لأن أخطط وأنفذ اغتيال كل من غرست تربيتي وجمودي العقائدي (وهذا ليس مقتصرًا على ايدلوجية دينية معينة)، بأنه عدوي اللدود، فافرض عليه اعتناق ديني أو نفيه، تهميشه، بل تصفيته جسديا.



تصوروا أن غرائزي الشخصية توجه مواقفي وسلوكياتي! تخيلوا كيف تدفعني مواقفي المقولبة، والنمطية لكراهية المهاتما (الروح العظيمة) غاندي! لأنه ينبوع الحرية للأحرار ومن دعاة المقاومة السلمية؛ فلسفة اللاعنف النابعة من الشجاعة، التمسك بالحقيقة، مقاومة الاستبداد من خلال العصيان المدني الشامل، والتي هي بتصوره، أقوى وسيلة صنعتهاالبشرية. (مع انه لا يٌقصي إمكانية اللجوء للعنف عند فشل العصيان المدني بتحقيق أهدافه). أو لأنني أصولي (الفكر والحركات الاصولية نجدها في كل الديانات) وهذه من مزايا اي فكر ديني متحجر سلفي مُتزمت، غيبي يوجه التفكير فيه النقل لا العقل، لذا نجده يرفض كل فلسفة تطالب وجوب استعمال القياس العقلي والحجج في قضايا الدين، بدل تناولها من الجانب العاطفي الغيبي والأسطوري.
فمثلا يؤكد ابن رشد أن "أكبر عدو للدين جاهل يكفّر الناس"، "وان التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيهاالجهل"، "فساد القضاء يفضي إلى نهاية الدولة" و"المجتمعات لن ترقى إلا إذا كفّ الرجل عن استعمال المرأة للمتعة وقصر نشاطها على البيت" وأن "اللحية لا تصنع الفيلسوف".
تخيلوا أن أرفض فكر وأدب المعري، لنقده معتقدات دينية وأساطير لا يقبلها المنطق، أو لتصديه لظاهرة تسييس الدين واشعال الفتنة الطائفية كقوله: إن الشرائع ألقت بيننا إحَنًا/ وأورثتنا أفانين العداوات". أو: في اللاذقية ضجة ما بين أحمد والمسيح/ هذا بناقوس يدق وَذَاك بمئذنته يصيح/كل يعظم دينه، يا ليت شعري ما الصحيح"؟ أو قوله: "كذب الظن لا إمام سوى العقل في صبحه والمساء". وأبدع هذا الشاعر الاعمى المتبصر في انتقاد الحكام قبل عشرة قرون وما زال نقده اصدق توصيف لواقعنا الآني. مثل قوله: "ملّ المقام فكم تعاشر أمة/ أمرت بغير صلاحها، امراؤها/ ظلموا الرعية واستجازا كيدها/... ساس الأنام شياطين مسلطة/ في كل مِصْر من الوالين شيطان/... يسوسون الامر بغير عقل/ وينفذ امرهم فيٌقال ساسة" (الا انه يعود فيصفها بأنها خَساسة).
وكيف لنا ان ننسى تكفيرالشيخ الرئيس ابن سينا، واتهام "ابن قيم" له بانه امام الملحدين والكافرين بالله وملائكته ورسله والاخرة. وكتب فيه "ابن صلاح" انه كان شيطانا من شياطين الإنس". ومصدر تجريحه هذا لاعتماده المنطق والعقلانية في بعض القضايا الدينية. منها شرحه ان العالم قديم، أزلي، غير مخلوق، وأيضاً ان البعث في مفهومه روحاني وليس جسماني. أدت هذه التصورات لإهمال فلسفته في الشرق وليستفيد الغرب منها في العصور الوسطى. ومن الفلاسفة الذين اتهموا بالزندقة وما زال نشر كتبه وفكره محرما وجرما حتى عصرنا هذا هو الفيلسوف ابن الرواندي الذي ناقش وفسر في فلسفته الموقف من الموت بمنطق كان فيه سباقا للعلم الحديث. فنجده يكتب في هذا الموضوع "الناس جميعا لا يعلمون كيف يموتون، ولو جرب الانسان الموت، ما أدركه، او عرفه حق المعرفة، وأما مٌعاينة موت الاخر لا تٌعَلِّم الانسان شيئا عن أسرار الموت... ولا يسع احدا اعتبار نفسه ميتا، لان المرء اذا تخيل او ظنّ بأنه ميت، كان هذا التخيل أو الظن في حد ذاته دليلا على انه حي، لأن التفكير، التخيل والظن هي من خصائص الاحياء”.
فكيف لمجتمع الخروج من جموده، عقمه الفكري اذا رفض مناقشته الحجة بالحجة بدلا من التكفير والتهميش. والأنكى أن أقاطع فنانا، أديبا، عالما أو مخترعا لأنه لا ينتمي لديانتي، طائفتي، عرقي أو قوميتي. والطامة الكبرى والكارثة والمأساة الإنسانية أن يقودني جهلي، هوسي وتحجر عقليتي لأن أخطط وأنفذ اغتيال كل من غرست تربيتي وجمودي العقائدي هذا ليس مقتصرًا على ايدلوجية دينية معينة)، بأنه عدوي اللدود، فافرض عليه اعتناق ديني أو نفيه، تهميشه، بل تصفيته جسديا. لكن تصوراتي هذه ليست مجرد شطحات فكرية متخيلة، إنما يفرزها واقع مأسوي، هدام تغذيه قوى ظلامية نفعية جشعة، ونعايشه يوميا ولا نملك للوهلة الأولى علاجا له سوى التحسر وفقدان الأمل، لأننا أصبحنا نعيش في دائرة مفرغة لهذا التفكير المأزوم.. ولكن حبنا للحياة السوية، وتمسكنا بالقيم الإنسانية، وتراب الوطن يحتم علينا أن نعمل بفارغ الصبر وأن نصنع بإرادتنا وممارستنا بزوغ فجر حب الإنسانية، وتطبيق الحقوق الأساسية لكل إنسان، بدون أي تمييز، عرقي، ديني، طائفي، قبلي، ذٌكوري وفئوي، لتوحدنا عندها ديانة محبة الإنسانية.

السبت 17/6/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع