مقبرة عسكريّة في حرفيش.. (16)


نمر نمر


**دالية ربيكوبيتش
"دون أن تُخاطَب كان لها مَطلب/ أن يُعيدوا لها مَن البطنُ أنْجَب/لن تُسَلّمَ بما سُلِب/ من الذي يجرؤ على المصارحة:حان الوقت أن تَخلدي للراحة/ مسيرة مُضْنيّة وجولات مكّوكيّة/ تَحْفنُ الجمرَ بيدَيها، تسكبه عليها/ إنّها سُميّة من كان ابن لديها/ تُخاطبه في الليالي والأمسيات/صيف شتاء في الأعياد والمناسبات/: أنا أمُّكَ سُميّة؟ مَن ذا يُقدّم تعازيه إلَيَّ”!



أن تُواجِهَ معضلة إنسانيّة، وتتصارع مع نفسك لتختار أحد ألأمَرَّين، أوتندم على ما فات أو كان، صراع مع الذّات، كوابيس ثقيلة ليل نهار، تردّد ام إحجام، أواقتحام... هذا ما واجهه عبد الله المحمد، حين طلب منه رئيس المجلس المحلّي في بلدة أم الخير، أن يتولّى عرافة ذكرى ضحايا حرفيش الذين أُرْغِموا على أداء الخدمة القسريّة في جيش اسرائيل، سقط بعضهم في حروب ليست لهم، يدّعي العسكريّون والسّياسيّون بأنّهم سقطوا دفاعًا عن الوطن، في حين تُصادَر أراضيهم في وضح النّهار (دفاعًا عن الوطن المنهوب)، بنفس الحجج الواهيّة:مناطق أمنيّة حدوديّة، أملاك دولة، أرض صخريّة والقيّم على أملاك الغائبين... يعني الجندي يُؤتَمَن على حمل السلاح، ولا يؤتمن هو وأهله على فلاحة أرضهم، أمّا اليهودي فيمتلك الأرض المصادرة ويفلحها بحرّيّة تامّة، فرفور ذنبو مغفور! ويبقى العرب الدروز من الأغيار (جوييم)، عبد الله يقول: هؤلاء ليسوا شهداء، بل ضحايا أطماع وعدوان السّلطة! وبنفس الوقت هم مظلومون ومحرومون! هم أبناء بلدته العزيزة، علّم بعضهم في المدرسة، كلّهم أعزّاء وأقرباء، وسيأتي تجّار الكلام والسّماسرة، ليتلاعبوا بعواطف الأهل البسطاء الطّيّبين، الأمّهات والآباء الذين افتقدوا فلذات الأكباد، وْخوذْ مزايدات ومهاترات، نفاق وشقاق! أيقف عبد الله مقاطعًا متفرّجًا من بعيد؟أم يضع الحدّ ع َ الزّعرورة ويقطع الطّريق على المنافقين؟ تخبّط وأُحْبِطَ! يتقاعس أم يقتحم حقل الألغام والأوهام؟يستشير بعض المقرّبين وأصحاب الضمير والنّوايا الحسنة، يقول له البعض: إيّاكَ أن تترك الميدان لِكْحيلان وحميدان وزمرتهما، لديك الجرأة الأدبيّة أن تقول كلمة حقّ أمام سلطان جائر، ولديك ثروة لغويّة بالعربيّة والعبريّة معًا، لن تمشي بين النّقاط! بل تضعها على الحروف في المكان والزّمان المناسبَين.
*أوّل تجربة قاسية خاضها في هذه الدّوّامة، كانت مقتل ابن شقيقته المُجَنَّد على الحدود الشماليّة عام 1975، إحراج، تناقض، قلق وأرق، عاطفة جيّاشة، صراع مع النّفس، الضمير، الانتماء، وضع حدّ للمتشدّقين المزايدين في العمالة وذرف دموع التّماسيح! رغم المعضلة الشّاقة، تكلّم بشكل عقلاني، إنساني، لا يمتُّ إلى الشّقاق والنّفاق بأيّة صلة، لم يهدّد بقطع الرؤوس معاذ الله، كما يفعل البعض، مشى عبد الله الحيط الحيط، وقال يا ربّ السُّترة، وبلا عثرة! ثمّ في نفس السّنة كان مقتل قريب آخر، وِقْعْتْ العين وانْحَطَّت عليه، شو بْيُجُبْرَكْ ع َ المُرّ؟ إلّلي أمَرّ منّو! ويا ربّ تسهيلك قبل تعثيرك! ثمّ جاءت كارثتا مدينة صور اللبنانيّة، بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1982، عشرات الضّحايا، ومنهم ثلاثة من بلدة أمّ الخير، لم يُخَيّب عبد الله أمل أحد، حتى مندوبو السّلطة العسكريّة ذُهِلوا من هذا الإداء في العرافة، عقلانيّة، بلا غوغائيّة، لا شُهداء بل ضحايا! رئيس بلديّة صور آنذاك... طلب حقّ الكلام ليبيّن بعض مناقب هؤلاء الضّحايا الذين لم يتخلَوا عن إنسانيّتهم في عِزِّ الحرب، خاصّة مع اللاجئين الفلسطينيّين في المخيّمات، رغم هول المصاب، كان لكلماته أطيب الوقع والمواساة، وهي شهادة مسؤول لبناني يرضخ تحت نير الاحتلال الاسرائيلي، الضّبّاط العسكريّون ذهلوا من اجتراح هذه الشّهادة الميدانيّة العقلانيّة!
 عرف عبد الله أنّ المهمّة صعبة جدًّا أمام الله، الضّمير، الوجدان، الأهل وكافّة المُعّزِّين من مختلف قرانا وطوائفنا، وعند الامتحان يُكرَم المرء أو يُهان! إحياء ذكرى ضحايا/ جنود حرفيش! عليه أن يُراجع المصادر العربيّة والعبريّة، وألاّ يدير ظهره للغير، ويجب أن يزين كلّ كلمة وجملة يتفوّه بها، النّاس واقفة له بالمرصاد، مْفَتْحة عنيها وْذّنيها، لعلّهم يمسكون ممسكًا على عبد الله، عاد هذا إلى الكتب المقدّسة، شعر المراثي، البكائيّات، الوجدانيّات، فإذا بها تزخر بالكثير من الانسانيّات الخالدة، وقف عبد الله منتصب القامة، مع كثير من الرّهبة والخشوع في لحظات حرجة، وما أحرجها في هذا السّيل المتدفّق من العرب واليهود. افتتح حديثه بقصيدة: كان لها ابن للشاعرة العبريّة التّقدّميّة الإنسانة: دالية ربيكوبيتش القائلة: دون أن تُخاطَب كان لها مَطلب/ أن يُعيدوا لها مَن البطنُ أنْجَب/لن تُسَلّمَ بما سُلِب/ من الذي يجرؤ على المصارحة:حان الوقت أن تَخلدي للراحة/ مسيرة مُضْنيّة وجولات مكّوكيّة/ تَحْفنُ الجمرَ بيدَيها، تسكبه عليها/ إنّها سُميّة من كان ابن لديها/ تُخاطبه في الليالي والأمسيات/صيف شتاء في الأعياد والمناسبات/: أنا أمُّكَ سُميّة؟ مَن ذا يُقدّم تعازيه إلَيَّ !
 بين مُؤبّنٍ وآخر عليه إيجاد الرّابط الأخلاقي، هذا هو الشّاعر العبري يعقوب أورلاند وقصيدة: أمّ الأبناء يقول: شعثاءَ جعداءَ، شراع مُمزّقة/ ولا من يُقَطِّبُ أحزان الثّكلى/ كالعَلَم الباهت المنسي في المعركة/ أمّ الأبناء تهيم في الشوارع/ تبحث عَمَّن قضى ولم يرجع/ مذعورة منهارة خائرة/ مَن ذا يواسي الأمّ الثّاكلة!
لحظات صمت ووجوم، تبادل عَبرات وعِبارات، يهود وعرب:من ذا الذي يتكلّم ؟ ومن أيّ كوكب هبط ! كلام بلسم يداوي الجروح! عربيّة وعبريّة متناغمتان باكيتان، ترجمة تنساب مع الدّموع بخشوع وخضوع!
*وباسم الأب الثّاكل، يُترجم عبد الله قصيدة الشاعر يهودا عميحاي، نحيب الموتى: أبو علي سقط ابنه في الهاوية/ التي حفرها الأغراب للصارية/ حتى يقطعوا بها البادية/ إنّه يمرّ أمامي في مداخل المدينة/ نحيف فقد نجله/ يطوف بين الأزقّة متمسّكًا/ بالأغصان الغَضّة الهَشّة/ الطفل بعد عودته يَتحمّم/ أمّا الضّحيّة فبالرّمل يتيمّم/ إلى الأبد كي يتطهّر بِشَمَم !
*يتزاحم المؤبّنون وذوو العلاقة، ولا بُدّ من روابط تليق بالألم والّلوعة، يقتبس عبد الله قصيدة حاييم نحمان بيالك: أَصِخِ السّمع في الغابة الخاشعة/ قلقًا خجولًا، زقزقة البلبل تتسلّل الهُوينا/ حتى حُزن الغابة وفضاء الدّنيا الخاوية/ لسان الحال: رحيل سريع، كم هو سابق لِأوانه! وقفلة أخرى لبيالك: دمعتي سخيّة، سِرًّا لن أحملها/في النّفس مخفيّة/ عند الجوع تُذْرف سخيّة !
*يتأمّل عبد الله الجمهور، نظرات سريعة، همسات، وشوشات، وجوم، دموع، انفراج أسارير، رغم الرّهبة واللوعة، رغم منع النّساء من الحضور من قِبَل بعض المتشدّدين، إلاّ أنّ الكثيرات تَسَلَّلْن وأخذن أماكنهنّ في رُكن خاص، والمآتم ربيع النّساء كما يقول سلام الرّاسي، آخ يا راسي، فتلوح قصيدة أمّهات للشاعر بنحاس بيرح: أعي أنّها وصفة وهميّة/ وَأفهم للمرّة الأبديّة/ لقد تبخّر الأمل الموعود/ الدّموع جفّت من الوجود/ والأسى استوطن القلوب/ والآن الرّضى والتّسليم/لا صراخ ولا عويل!
*وتمرّ السّنوات ما بين عامَي 1985 -1991، على هذا المنوال، مع التّجديد في كلّ مناسبة، وتعود ذكرى سقوط الضّحايا سنويًّا، نفس النّهج، نفس الجمهور، مع مشاركين جدد، يتغيّر الرّئيس ولا يتغيّر العريف، وهذا العريف يحاول التّهرّب، لا يهوى المنابر، ولا هذه المواقف الأليمة، وقد تُؤلم كلماته البعض من زُلم السّلطة وأرْجالها وأرْجُلِها، أمّا السّواد الأعظم من الأهالي والضّيوف، خاصّة من قرانا المجاورة: الرّيحانيّة، الجش، بيت جن، البقيعة، فسّوطة، ترشيحا، معليا وغيرها، يصافحون عبد الله بحرارة مؤكّدين: مشاركتنا أهليّة إنسانيّة، وأنتَ تُضفي عليها الطابع الأخلاقي بكلماتك الصّادقة، وبُعدك عن المزايدات والتّلاعب في المشاعر وقت الألم، ومن دواعي قدومنا هو كلماتك واقتباساتك من عيون الآداب الإنسانيّة، المشاركون اليهود من القريتين التّعاوُنِيَّتَين:سعسع/ساسا وكفربرعم/برعم وغيرهما، يقولون: لولا معرفتنا الشّخصيّة لكَ، لما كنّا نُصدّق أنّكَ من هذا البلد، إنّكَ يا عبد الله تغوص في لُبّ حضارتنا وَتُتْقِنُ لغتنا وآدابها أكثر منّا...
*تحوّلت ذكرى الضّحايا إلى حدث اجتماعي ومناسبة، رغم ما بها من ألم، ليواسي النّاس بعضهم البعض، ولقاء يهودي عربي، حتّى ممثّلو السّلطة غيّروا من عَنْتَرِيّاتهم وتبجّحاتهم، وتمسّكوا بجوهر الألم والحسرة! ولكن عام 1991 حدث زلزال وعاصفة هوجاء، ليس حين اقتبس عبد الله كلمات سميح القاسم على لسان الضّحيّة في المقبرة العسكريّة: منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي، في كفّي قصفة زيتون، وعلى كتفي نعشي... ، ولكن حدث التّحول الفجائي حين اقتبس عبد الله بعض حِكَم سليمان الحكيم/ كتاب الجامعة: لكلّ شيء زمان، ولكلّ أمْر تحت السّموات وقت، للولادة وقت وللموت وقت، للغرس وقت ولقلع المغروس وقت، للبكاء وقت وللضحك وقت، للنَوْح وقت وللرقص وقت، وقت لتفريق الحجارة ووقت لجمع الحجارة، للمُعانقة وقت وللانفصال وقت، للحرب وقت وللسلام وقت!
*الغريب المستغرب أنّ المسؤولَين العسكري والسّلطوي شدّا على يدَي عبد الله، على حُسن الاقتباس والأداء، وارْفَضّ الجمهور كلّ الى بيته، وبعد دقائق معدودة، مهاتفة عاجلة من شرطة عكّا، وليس من شرطة ترشيحا: عليك الحضور حالًا إلى مركز الشّرطة في عكّا، وإلاّ....
 *أدْخِلَ عبد الله في دهاليز عديدة حتى أوصلوه إلى مدير القضاء.
- أنتَ تعرف لماذا استدعيناك حالًا!
- كلاّ لا أعرف ما اقْتَرَفَتْهُ يدايَ!
- أنتَ مُتّهَم بقراءة أشعار الانتفاضة في مقبرة بلدكم العسكريّة، كما أخبرنا أهل بلدك!
- هذه خبريّة كاذبة كسابقاتها!
- ولكنّك حرّضْتَ علنًا على قذف الحجارة، كما في الانتفاضة؟
-هذا إدّعاء باطل، أنا اقتبستَ كلام سليمان الحكيم مَلِككم/نبيّنا!واسأل العسكريّين اليهود الذين حضروا عن صحّة أقوالي، وإذا كان لديك سفر العهد القديم، من فضلك اسمح لي أن أشير الى الاقتباس...
*يبدو أن الضّابط الكبير:راحت عليه السَكْرة وْإجِتْ الفكرة، ما إجِتْ العتمة ع َ قد إيد الحرامي !شالني حطّني بعينيه الجاحظتين، وابتسامة صفراويّة شامتة، يا فرحة ما تَمّتْ، وعرف أنّني جادّ بما أقول، صرفني على عجل، لكنّه استخدم حق النّقض/ الفيتو، بإيعازه لأجهزته، بعدم تكليفي بالعرافة لاحقًا!
 *وشهد الكثير من أهل البلد والوفود المشاركة، بأن الموقف فقد الكثير من هيبته فيما بعد، باستبعاد عبد الله!

السبت 17/6/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع