حكاية من بلدي:
كل عُمُر كراكوز بلا سرايا

عمر سعدي


كان الجو ربيعيا ونسمات عليلة ناعمة تهب وتلفح الوجوه- وفي مساء ذلك اليوم عندما كانت الشمس تسارع نحو الغروب ، وقد تخضبت بلون قرمزي احمر.
قال الراوي:
مرتّ سيارة الشرطة تنهب الأرض الترابية مسرعة تثير وراءها غبارا شديد الكثافة ومقابل البيت فرمل السائق بشكل مفاجئ فاحدث ضجة اثارت انتباه الجيران وترجّل منها ثلاثة من رجال الشرطة مدججين بالسلاح – هاجموا واقتحموا البيت فخرج الرجل سألوه انت عبد الحميد عبد الرحيم – تأكدوا من هويته – وناوله احدهم دعوة وقال مهددا وبصلف: بكرا بتيجي على المركز والا نأخذك على السجن ، وانقلبوا على ادبارهم راجعين. نظر الرجل بالدعوة وكتبت باللغتين العبرية والعربية فيها: عليك المثول في مكتب الحاكم العسكري في شفا عمرو يوم 1958-5-6 ما بين الساعة العاشرة والحادية عشرة صباحا..
اطرق عبد الحميد قليلا وراح يضرب اخماسا باسداس، وفاض في ذهنه سيل من الهواجس والتخمينات وتزاحمت التساؤلات عن غرض الدعوة وما يبغيه الحاكم العسكري من الدعوة وله مع الحاكم العسكري تجربة مُرة. استذكر عندما استدعاه قبل اربع سنوات للمثول الى مكتبه في شفا عمرو واصدر ضده حكما ظالما وقاسيا باثبات الوجود مرتين في اليوم لمدة ستة اشهر- في مركز شرطة مجد الكروم مع عدد من رجال القرية وقادة الحزب الشيوعي بتهمة مشاركة أبنائهم في مظاهرة ضد ضريبة الرأس الظالمة والحكم العسكري البغيض، فقال في نفسه: الّي يقع من السما ابتتلقاه الأرض ومهما كانت التهمة الملفقة هذه المرّة فلن اخضع ولن اركع وساقابلة بشجاعة. ثم قال: الحاكم العسكري مثل الضبع اذا شمّ رائحة الخوف في الانسان يزداد شراسة وضرارة.
قال الراوي: استيقظ في الصباح الباكر أدّى صلاة الفجر ورفع يديه يتضرع الى السماء ان يخفف كيد الحاقدين، وظلم الظالمين ويقهر المنافقين وان يحميه من غدر الغدارين انتهت تسابيح الصباح مع قدوم الزوجة من الطابون وعلى رأسها اللجن وطبق الخبز تناولت صحنا فيه الزيتون مع زعتر وحبات زيتون وقدمته له مع رغيف الخبز الطازج فهو على سفر ولا بد من زاد.
ومع شروق الشمس تناول الدعوة ووضعها في جيبه وهمَّ ليلحق الحافلة التي تمر في الصباح من القرية في طريقها الى شفاعمرو ثم الى مدينة الناصرة لتعود في ساعات العصر، دس يده بين الفرشتين في مطوى الفراش ثم سأل زوجته استغفر ربه واستعاذ وحوْقل راح واسرج الحمار اعتلى ظهره ويمّم  شطر شفاعمرو خرج من القرية وسلك طريقا وعرا صعد التلال مرورا بجبل طويل ومشى في شعابه وصولًا إلى كوكب أبو الهيجاء هبط الى خلة مُغُر القيف ثم الى حدود عبلين مرورا بخلة العش ومن هناك الى شفاعمرو، وفي ضحى ذلك اليوم كان قد ربط حماره بجوار مكتب الحاكم العسكري لينضم الى العديد من الرجال الذين طال انتظارهم تحت قبّة السماء يتحرقون باشعة الشمس الحارقة. اخذ مكانه بين ذلك الجمع وراح يستمع الى شكاوى الناس وتذمرهم وامتعاضهم من ممارسات الحاكم العسكري الفظيعة والظالمة من عدم تحرير التصاريح منها للعمل في حيفا ومنها لمزاولة فلاحة ارضه ومنها لزيارة قريب او صديق في منطقة عكا وحيفا او للذهاب الى طبيب او مستشفى. وفي غمرة هذا الحديث المتشابك والمؤلم نهق الحمار "وان انكر الأصوات لصوت الحمير" ثم عاد عليها ثانية وثالثة فخرج موظف المكتب عبوسا غاضبا وبصوت غاضب سأل: من الحمار الذي ربط الحمار هنا؟
ساد الصمت ثم عاد عليها بنبرة اشد لم يلق جوابا. خفض صوته وغيّر لهجته وسأل من صاحب الحمار فوقف الرجل واجابه فسأله بصلف وكبرياء ليش ربطت الحمار هون ،وشو جاي تساوي؟ في هذه الاثناء عاد الحمار ونهق فجنّ جنون الموظف واستشاط غضبًا. فسأله شو اسمك؟ عبد الحميد عبد الرحيم. دخل الموظف غاضبًا وسرعان ما عاد يخاطب الرجل طالبا منه الدخول، استاء الموجودون وامتعضوا، تضاحكوا وقالوا شفع له حماره. من طول الانتظار دخل وكان في انتظاره الحاكم العسكري وشخصان آخران. كانت نظراتهم نحوه تشع غضبا وتبرق حقدًا، جلس على كرسي وكان الحاكم العسكري يمعن النظر في الأوراق التي امامه وعندما انتهى من النظر سأله: اسمك، أجاب الرجل ثم بادره بسؤال استفزازي: ليش بنادوك أبو غوله ابتسم الرجل وقال أبو خوْلَة مش أبو غولة. شو يعني هادا مين هاي خولة امك ولا اختك. فرّد عليه عبد الحميد لا امّي ولا اختي هذا اسم لامرأة عربية فارسة بطلة وشاعرة هي خولة بنت الازور ويعني غزالة ظبية حاربت ملثمة في جيش المسلمين ضد الروم وهزموهم وهي ابنتي البكر فقالوا لي أبو خولة. فرد عليه باستهزاء وتهكم يعني انت كومي (قومي) وبخب الخرب وعندما سمع كلمة قومي انطلق من مخزون ذكرياته شريط من الذكريات، استذكر عندما كان جنديّا في الثورة الفلسطينية من جنود الشيخ فرحان السعدي وعندما اولاه الشيخ فرحان مهمة نقل السلاح من قرية المزار مسقط رأسه على حمار مع ثائر آخر هو اسعد عبدالله السعدي الى مركز الثوار في  ديرحنا، وعند مفترق أبو قرعة بين عرابة ودير حنا وقعوا في كمين للجيش البريطاني فامطروهم بوابل من الرصاص. ارتقى اسعد عبدالله السعدي شهيدا ونجا هو باعجوبة.
 ثم استطرد الحاكم العسكري قائلا اسمع يا زلمة. ملفك عندي اسود وانت بخب الشغب انت شاركت في الشغب في الناصرة رميت البوليس بالحجارة يوم اول أيار. ابتسم عبد الحميد ورد انا لم أشارك في المظاهرة ولّي فسدولك كذابين، لأ هم صادكين وانت الكذّاب ثم قال عبد الحميد  انا بحب اقلك يا سعادة الحاكم لو كنت اعرف ودعوني لكنت شاركت ومش خايف هذه مظاهرة للعمال. اتّقدت عيون الشخصين وغلى دم الحاكم العسكري في عروقه اسمع انا رايخ اسجنك فاهم شو بتقول؟! اسْجن والسجن للرجال نظر الحاكم للشخصين من حوله فغير لهجته وخففها وقال اسمع يا زلمة يا أبْد الخميد. انت في الكائمة السوداء فش الك تصريخ بس اذا بتوقف عن تأييد الشوعية الملخدين الكفار انا بعطيك تصريخ بروخ على حيفا بشتغل هناك بصير معك مصاري بتصير بتركب الباص بروخ على المدن بدل الخمار ساعدنا وانا بساعدك كثير كثير، فأجاب عبد الحميد: انا كهل وعمري 59 سنه اخذنا هالطريق وكل عمر كراكوز بلا سرايا رايحين نظل  عليه. شوبخكي انت انت ضد الدولة.. عاد ونظر الحاكم للشخصين فما كان منه الا ان قاول لعبد الحميد: كوم انصرف من هون رايخ تشوف في المستكبل شو يصير فيك.



(عرابة)

19/06/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع