واقع ومستقبل اللغة العربية في اسرائيل – لغة التواصل


محمد حبيب الله



من البديهي ان أي لغة تواصل لا بد لها من الاعتماد على أربعة عناصر اساسية، المرسل او المتكلم، المُتّقبل او المستمع، المضمون والرسالة ووسيلة نقل المحتوى او المضمون.
اللغة العربية هي لغة التواصل القومي والاجتماعي والثقافي والفكري والنفسي بين افراد الأقلية العربية الفلسطينية الأصلانية داخل دولة اسرائيل لكن المجتمع العربي الفلسطيني في الدولة يواجه ازمة خطيرة تهدد هويته ومكانته بسبب هيمنة اللغة العبرية على جميع مرافق الحياة وتحوّل عرب الى اللغة العبرية كلغة تواصل ووسيلة لنقل المحتوى او مضمون الرسالة. لقد بدا واضحا ان الناس يستعملون اللغة العبرية بكثرة، فيخرج كلامهم لغة مخلوطة او مزيج من اللغتين يصعب على العرب غير المتكلمين بالعبرية فهمها، وبدا الأمر شبيها الى حد ما بلغة "الايديش" بين يهود المانيا عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية. ربما كنت مبالغا في هذا التشبيه لكن برؤيا مستقبلية واضحة ربما نحن نسير نحو لغة كهذه تكمل في شكلها بعد قرنين او ثلاثة، فنحن اليوم ومن باب التيسير على انفسنا ترانا نستبدل في خطابنا مع الغير بعض الكلمات العربية بكلمات عبرية نخضعها لقواعد اللغة العربية ونحولها الى افعال ومصادر تتوافق مع اللغة العربية لكنها في معناها عبرية فأصبحت لغتنا جملا مخلوطة في خطابنا مع من حولنا.
اضف الى ذلك ان عدد الساعات المخصصة لتعليم لغة الأم في المدارس العربية اقل بنسبة 8% من عدد الساعات المقرر في المدارس اليهودية وسبب ذلك ان تعليم اللغة العبرية يكون على حساب تعليم اللغة العربية – لغة الأم. وزيادة على ذلك ما يحدث هذه الأيام من ادخال اللغة العبرية كلغة إجبارية للصفين الأول والثاني وهذا يحدث الآن على حساب عدد ساعات اللغة العربية لكل صف، فبدلًا من ان يتعلم عشر ساعات اسبوعية كما كان، اصبح يتعلم ثمان ساعات فقط وآقتُطعت منه ساعتان لتعليم اللغة العبرية في هذه الصفوف، ولهذه الظاهرة تأثير سلبي على تمكن الطلاب من لغتهم – لغة الأم.
ان هذه الظاهرة تهدد اللغة العربية بين ظهرانينا، وتهدد طبيعة الاتصال بين ما يسمونهم عرب 48 او عرب الداخل، وبين اهلنا في الاردن وفي مصر وفي الضفة الغربية وقطاع غزة. فنحن نقوم بزيارات سياحية الى هذه البلدان وننسى عندما نتكلم معهم انهم ليسوا مثلنا ولا يعرفون اللغة العبرية فيحدث سوء فهم وسوء اتصال معهم.
هذا يذكرني بحادثة واقعية حصلت في مصر مع احدى المرافقات في رحلة الى القاهرة، وعندما جلست للاستراحة في احد المطاعم في القاهرة، سألها "الجرسون" او النادل ماذا تريد؟، فقالت له كلاما بدا غير مفهوم له، وكانت النتيجة انه لم يأت لها بشيء فثارت ثائرتها وبمجرد دخول المرشد السياحي المرافق للمطعم شكت له ما حصل فنادى على الجرسون وسأله عن السبب فأجابه: يا بيه، قالت لي كلاما لم افهمه، فسألها المرشد: مذا طلبت منه فقالت: لقد طلبت ميتس ( מיץ شراب) وعوجاه (עוגה كعكة) ففهم ما حصل وترجم للجرسون ما قصدت فأتى لها بما طلبت.
لقد تفشت ظاهرة استعمال العبرية وادخال كلمات في لغة تخاطبنا بهذه اللغة خاصة عند سكان المثلث والجنوب وعند اخواننا الدروز وكثير من سكان الشمال، وقد بدا واضحا ان استعمال هذه اللغة المخلوطة لا تقتصر على شؤون حياتية يومية، بل تعدتها الى اوضاع رسمية اجتماعية وتعليمية، فترى المعلم في الصف مثلا يدخل كلمات عبرية في لغته عند تعليمة الرياضيات والعلوم والتاريخ والجغرافيا وأحيانا خلال تعليمه اللغة العربية في حصة اللغة العربية، والشخص الحساس لهذه الظاهرة السلبية يحسها ويسمعها ممن حوله ويحاول تصليح المتكلم بأن يقول "مكيّف" بدلا من "מזגן مزجان" ومطعم بدلا من "מסעדה مسعداه" ونسمع في تواصلنا اليومي الناس يقولون: لقد رسّسْتُ (רססתי) المزروعات بدلا من رشها بالأدوية، وقمت بوضع الاوراق في التيك (תיק) بدل الملف.. والقائمة طويلة جدا نسمعها كل يوم ونحاربها ولكن بدون جدوى.. هذه الظاهرة اضعفت مكانة اللغة العربية في اسرائيل وقد تضعف لاحقا الهوية والانتماء القومي بيننا، وفي مقال كبير ومحترم للبروفيسور احمد ناطور في "كل العرب" بتاريخ 8/5/2015 في مقالة الافتتاحي كرئيس تحرير للصحيفة وتحت عنوان "النقاط على الحروف" وعنوان المقال "بئس الزمان زمانكم" يورد امثله صارخة على هيمنة العبرية على العربية مثل "احنا قدمنا تفيعا بسيدر دين مكوتسارתביעה בסדר דין מקוצר، وهم اكيد رايحين يطلبو رشوت لهتجونين רשות להתגונן أي القضاء في الامور المستعجلة واذن للرد والمقال كتب على صفحة كاملة انصح كل شخص بقراءته. ويخلص بروفيسور ناطور الى القول ان هذا الأمر "قد يوصل عدد الكلمات بالعبرية في الجملة الواحدة أحيانا الى أكثر من عدد الكلمات بالعربية .. مما يضعف مكانة اللغة ويهدد الشعور بالانتماء ويكوّن خطرًا على الهوية العربية للأقلية العربية الفلسطينية في اسرائيل. "ترى كيف سيقرأ احفادنا تاريخ زماننا هذا حتى صار العرب يتحدثون اللغة العبرية بفخر واعتزاز ويستبدلون كلام العرب بهزيل الكلام".
تقول الكاتبة شيخة عبد الهادي في مقال لها نشر في مجلة "صدى التربية" عدد ايار – حزيران 2015 مجلد 3، وعندما تتكلم عن بعض المشاكل الجوهرية التي تشارك في واقع اللغة العربية على مستوى معلمي المدارس اللغوي وطلاب مؤسسات التعليم العالي انه من المخزي حقا ان منهم من لا يتمكن من كتابة جملة قصيرة واحدة (وهذا ليس من المبالغة) ولا يفرق بين الفعل والفاعل والاسم والفعل والحرف، ولا يتذوق بيتا شعريا واحدا ولم يقرأ كتابا في حياته، بل لا استعداد لديه لذلك.
ان ما تعرضه الباحثة اعلاه يتصل بمشكلة ثانية تواجه المجتمع العربي في اسرائيل وتهدد كيانه ووجوده من حيث عدم التمكن عند من ينهي دراسته الثانوية من اللغة العربية قواعدها وأدبها فتجده جاهلا في اللغة، ضعيفا في ادائها لدرجة يعجز فيها عن كتابة رسالة او الإجابة على اسئلة امتحانات البجروت دون ان يقع في اخطاء تكاد تصل الى مجموع عدد الكلمات في كل جملة، هذا الأمر يذكرني بما كتبه احمد الأمين عن هذه الظاهرة في كتابة "فيض الخاطر" في سنوات الأربعين من القرن الماضي عن مستوى المتعلمين بشكل عام وضعفهم في لغتهم لغة الام يقول: ان الطالب اذا قرأ جملة او كتب جملة فانه يخطئ بقدر عدد الكلمات التي يقرأها او يكتبها نحويا ولغويا واسلوبا ... اما عندنا في المجتمع العربي في اسرائيل فنجد ان المتعلمين يفضلون كتابة رسائلهم بالعبرية على حساب العربية وبهذا يبتعدون يوما بعد يوم عن لغتهم، وبالتالي يفقدون الإحساس بانتمائهم العربي وتضعف هويتهم تدريجيا، وهذا يحدث عندنا على مستوى طلابنا في المعاهد العليا والجامعات وعلى مستوى معلمينا في المدارس وخاصة الذين يعدون انفسهم ليكونوا معلمين للغة العربية، فتراهم يخطئون لغويا وترى طلابهم يصححونهم ويردونهم عن الخطأ، هذا بالإضافة للضعف المستشري عند المعلمين في عدم تمكنهم من اللغة وأدائها وفي ضيق معرفتهم بهذه اللغة أدبًا (ِشعرا ونثرا) ونحوًا وصرفًا، وسنأتي على عرض هذا الموضوع وبتوسع في مقال آخر في الكتاب تحت عنوان "لغة المعلم ولغة التعليم في الواقع". اما عن العلاقة بين وسائط الإعلام واللغة فحدِّث ولا حرج، عن المستوى اللغوي لهذه الوسائط، ان مستقبل اللغة العربية لا يبشر بالخير بعد مرور عدة عقود.
وكما أسلفنا: فآللغة هي الهوية والشعوب تبقى ببقاء لغتها والحفاظ عليها وتزول باضمحلالها وزوالها. ان اللغة العربية في اسرائيل مهددة بالخطر بسبب طغيان العبرية عليها اولا وبسبب ضعف متعلمينا فيها ثانيا، وتغليب العبرية عليها ثالثا. وبهذا تضعف ملكة اللغة عند المتعلمين في الأساس وعند الناس الناطقين بها، لقد اصبح كلامنا خليطا من الكلمات العبرية والعربية ونحن لا نحس بخطر هذه الظاهرة التي تهدد كياننا ووجودنا اليوم بل سنحصد نتائجها الوخيمة لاحقا بعد عدة قرون من الزمن... عندها ستجد العربي في هذه البلاد كما عبّر عنه في ذلك الشاعر ابو الطيب المتنبي حينما قال:
ولكنّ الفتى العربي فيها  غريب الوجه واليد واللسان
ذلك لأن العربي في اسرائيل يكون قد تحول بسبب الاكثار من تكلمة بالعبرية الى مواطن ينتمي الى دولة اسرائيل وله جذورا تاريخية عربية فلسطينية في الماضي فقط! ربما بالغت في كلامي هذا، ولكن الخطر واقع لان هذا ما حدث لشعوب كثيرة تاريخيا، اذ بموت لغتها ماتت قوميتها وذهبت هويتها وتحولت الى اقوام يتبعون الدولة التي يعيشون فيها ويتكلمون لغتها، لذلك حذار حذار علينا عربا فلسطينيين في اسرائيل من الانجراف وراء العبرية في تخاطبنا مع بعضنا البعض من اجل ردع هذا الخطر ومنع نشوء لغة مخلوطة من العربية والعبرية.
اللغة العربية في اسرائيل لغة رسمية بالاسم، اسرائيل تعترف قانونيا بالعربية كلغة رسمية ثانية لكنها اصبحت اليوم هامشيّة فقلما نجدها في لغة التخاطب بين الناس، عربية صافية غير مشوهة، لا في المؤسسات الحكومية الرسمية ولا حتى في مؤسساتنا وسلطاتنا المحلية ولا ولا ولا ... حتى بعض معلمي اللغة العربية في المدارس يخلطون بلغة الخطاب ولغة التعليم اللغة العبرية معها. علينا كما يقول الباحث اللغوي الدكتور الياس عطالله "ان نصحو من لغة التثاؤب الذي نعيشه في علاقتنا بالفصحى".. ان ما نحن بصدده حول اللغة العربية في اسرائيل لا يقل اهمية وقدسية عن الأرض وعلى سلطاتنا المحلية ان تطرح قانونا داخليا يلزمها باستخدام العربية في تعاملها مع الناس وفي خطابها اليومي مع المؤسسات الرسمية كالمدارس والهيئات كما وعليها ان تتوقف عن استعمال العبرية في خطابها مع الوزارات المختلفة.
يضاف الى ذلك ان علينا كأقلية قومية عربية تعيش في دولة اسرائيل ان نلزم الدوائر الرسمية الحكومية بالتعامل معها باللغة العربية وان لا نرد على رسائلها من اجل سير نظام عملها البلدي الا باللغة العربية على الاعضاء العرب في الكنيست التحدث من على منبر الكنيست باللغة العربية اراد من اراد ذلك وأبى من أبى ان يتقبل الأمر الواقع. على الكنيست ان توفر ترجمة فورية لكل من لا يعرف العربية من أعضاء الكنيست الذين لا يعرفون اللغة العربية.
وعودة الى مدارسنا وسلطاتنا المحلية فالمطلوب في المدارس تشجيع الطلاب على التكلم في الصف في أي درس كان التكلم بالعربية الفصحى خلال تلقي الدروس اليومية. والمطلوب من سلطاتنا المحلية التعامل مع الهيئات الرسمية الحكومية ومع جميع من له صلة بها باللغة العربية وليس بالعبرية كما هو في الغالب الآن، على السلطة المحلية ان تسمي جميع الشوارع والساحات في كل بلد وبلد بأسماء عربية من التاريخ الحضاري العربي، وذلك من اجل انعاش الذاكرة الجماعية عند الناس فيما يختص بأسماء أشخاص مشهورين تركوا اثرًا في الحضارة العربية في مجال الطب والفلك والكيمياء والرياضيات والفيزياء والفلسفة والأدب هذا بالإضافة الى اطلاق أسماء شوارع ومدارس ومؤسسات من التراث والحضارة العربية والإسلامية في البلد، على كل سلطة تعيين لجنة تقوم بهذا العمل، على المسؤولين في مجال السلطة والتربية المبادرة بعقد ندوات ومسابقات وحلقات دراسية فعالة في مجال احياء التراث.. وأخيرا على وسائل الإعلام ان تحرص على مخاطبة الناس بلغة عربية سليمة سهلة وميسرة وان تنتهج سياسة واضحة في الصحف والراديو والتلفزيون والانترنت والفيسبوك وذلك من اجل الحفاظ على لغتنا وهويتنا. وأخيرا لا بد من ملاحظة هامة والإشارة الى انه وبحلول عام 2050 ستصبح اللغة العربية اللغة الثالثة في العالم وسيتكلم بها اكثر من 450 مليون انسان، فهل نحرص على بقائها حية رنانة وتبقى كما قال الشاعر:
لغة اذا وقعت على أسماعنا  كانت لنا بردا على الأكباد
  ستظلُ رابطة توحد بيننا      فهي الرجاء لناطق الضاد
13/07/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع