رهيجة

عمر سعدي


خرجت من البيت في ساعات الصباح الباكر، في طريقها الى السهل، لتلحق بركب الفلاحين الذين انطلقوا في ذلك الصباح، في أحد أيام تموز القائظ، وتقاطروا زرافات ووحدانا، ليمشوا مشوارًا ومسافات بعيدة، في طريق وعرة، صخريّة، جبلية، وترابية، ليزاولوا أعمالهم في الأرض، وفي أياديهم، الفؤوس والطواري، ومناجل الحصاد، مترجلين، وعلى ظهر الدواب، من خيول، وبغال وحمير، رجالًا ونساءً، حملت رهيجة على رأسها مكفيه من القش، جثمت فيها طنجرة كبيرة، ملفوفة بقطعة قماش، فاحت منها رائحة المجدرة وبجانبها تمددت رزمة من أرغفة خبز الطابون، وقارورة من زيت الزيتون، وبعضًا من حبات البطاطا، والبندورة، وعند العين، في سفح الجبل القريب من ارض السهل، وضعت رهيجة، المكفية، على حافة جدار العين، لتأخذ قسطًا من الراحة كسائر الفلاحين ولتغرف من الماء، ما يطفئ ظمأها، ولتغسل وجهها الذي عفّره الغبار، وبلّله العرق الذي ينضح من جبينها، وسحّ على خديّها المحمرتين، ليتساقط عند أسفل ذقنها قطرات كقطرات الندى، انتهى سمير من غسل يديه، الملطّخة بالسواد كالسُّخمْ من قطف أوراق الدخان، نظر الى قامتها الطويلة وجسمها الممتلئ، وقد تسربلت فستانا اخضر غامق بلون أوراق الربيع, من تحته برز وتربع على صدرها نهدان نافران مكتنزان، واعتمرت حطة بيضاء متواضعة، وقد انتعلت حذاءً رماديًّا من الشوادر. استوقفه ما تهادى لسمعه من تساؤل العجوز ام حسين لرهيجة الذي انهال منها بعفوية، وتطفّل، "وين رايحة يا حبيبتي على هالصبح، بهلمكفية؟؟"
وبعد صمت للحظات ردّت رهيجة، بصوت خجول وخفيض. رايحة اساعد دار سيدي وأعمامي في الحصيدة، ثم تابعت ام حسين تساؤلاتها " كنك يا حبيبتي، بعدك ما انخطبتي؟، بيقولوا الناس انو كثير من الشباب تقدمولك ورفضتيهن، عزا ليش ما حدا معجبك من كل الشباب"، تأزرت رهيجة بالصمت عقدت حاجبيها ولم تُحِرْ جوابًا ,تقدمت الى حوض العين وعندها صوّب سمير نحوها نظرة جارفة التقت النظرات كانت نظرتها تفيض بالوقار وتشع بالبراءة سرعان ما غضّت الطّرف، شاهد سمير عيني خضراوين واسعتين كعين ألمها، وأهداب طويلة كخوص النخيل، كحلّها الغبار، فتساءل في نفسه أهذه هي الصبيّة التي شدّت اليها قلوب الشباب في القرية وتهافتوا لخطوبتها، قالها باستعلاء، وعجرفة مع هذا حاول لمرّات ان يصطاد منها نظرة أخرى فلم يفلح.
سحب سمير دابته ومشى في طريقه، يصعد الجبل عائدًا الى القرية، انتصب طيف رهيجة امام ناظريه، وراح ينظر من أعالي الجبل المشرف على الطرقات المؤدية للسهل، علّه يراها من بعيد، تزاحمت عنده الأفكار، تسارعت وتصارعت في داخله، وكانت لتلك النظرة اليتيمة نصيبًا من تلك التصارعات، فسرح خياله، وراح يستعرض النظرات الشرهة التي يقذفنه ويمطرنه بها الصبايا اليافعات في سنّه اللواتي يأتين الى البيت ليتعلمن فَنْ التطريز، وحياكة النول، وفن الرسم بالخرز على القماش من شقيقته الكبرى، ولم ينسى لذعات والدته له، وتحذيرها خشية الانزلاق في الهاوية والسقوط بمستنقع طيش الشباب.
 مرّت الأيام وانقضت فترة طويلة وكان لا يسعه الا ان يمر من ذلك الحي الذي تسكن فيه عندما كان يتجوّل في القرية مع أترابهِ. وفي احدى الليالي، ومع هدأة الليل والعتمة الحالكة وعند احد بيوت الحي تناهى لسمعه صوت امرأة يهدر كالرعد ويزأر بحنق كصوت اللبؤة، فاستوقفه الصوت انتحى في احد الزوايا وراح يسترق السمع، فتهادى لسمعه: "من قال لكم انني اريد ان اغرّب بنتي وازوجها، لو كنت بدّي ازوجها لكنت زوجتها في القرية من سنتين او ثلاث انا المسؤولة عنها وعن زواجها، مش رايحة ازوجها الّا لما تبلغ الثمنطعش والآن صرتم اعمامها، وين كنتم عندما كنت أطفّش في السهل والبراري وفي أيام الصيف حافية عريانة ، ابحث عن الكزبرة وأبيعها، وين كنتم عندما حرمتوهم من كروم التين والعنب وخلتوني انطر كروم التين للناس حتى نعيش، وين حصتنا من الكروم ومن ربع الغلة يا ويلكم من الله".
وتابعت: "اشتغلت رهيجه شهر في الحصيدة جبتولنا مِدْ من القمح؟ يعني كل يوم حفنه وين حصتنا من هذا القمح. اسمعوا انا بقلكم أنتم مش مسؤولين عن زواج بنتي انا الوحيدة المسؤولة. وأنتم مش اعمامهم ولا انت يا حضرة الشيخ مش سيدهم. انهت كلامها ونهضت تغادر المكان اضاء سمير قنديله الكهربائي اليدوي وانسلّ يواصل طريقه فسرعان ما عاد ودوّى صدى كلمات ام حسين في اذنيه ليش يا حبيبتي ما حدا اعجبك من كل هالشباب وبتر فيضيهن. بعد التنصّت لكلام المرأة في تلك الليلة شعر بشيء يتحرك بأعماقه وخالجته احاسيس عجّلت في تأجيج لواعجه، وألهبت شغفه نحوها، وأوقدت فيه ذلك البصيص من الأمل الذي ظل يلازمه.
أصبح سمير في جهوزيّة للزواج فأصبح لديه بيت حديث مستقل، وعمل دائم يدر عليه ريعًا لا بأس به، بادلنه الشعور بضرورة الزواج والدته وشقيقاته واخذن يلححن عليه بالزواج، وكنّ كلما حانت الفرصة تحلقن حوله يعددن له العديد من أسماء الصبايا، وكل واحدة منهن ترغب زواجه بإحدى صديقاتها، فيكون رده الابتسامة – والضحك – ويقول بهونها الله وانا عند رغبتكن وكانت إلام الأكثر إلحاحا، وهو يخفي ما يضمر – وبعد الالحاح المتواصل تجرّأ وذكر اسم رهيجة انتفضن من هول المفاجأة وابدين رفضهن القاطع، فواحدة قالت هذه سمراء، والاخريات قلن هي متعالية ونفسها شايفة ترفض كل من تقدم لها للخطوبة، ولا نريدك ان تكون في قائمة المرفوضين وغيرها أجمل وأفضل منها.. تزوّجها سمير وكان يكبرها بست سنوات.
(عرابة)

17/07/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع