وهبت عاصفة في فرنسا (2-2)




*الإنتخابات الرئاسية ونجاح مكرون والإنعكاسات على الشرق الأوسط*


**القضية المغيّبة
إن الحروب في الشرق الأوسط هي التي حجبت القضية الفلسطينية، ويضاف إليها تنامي ظاهرة الإرهاب الممتد في الشرق والغرب، وعجز الدول العربية في مكافحته. وفي هذا الإطار تبقى فلسطين هي الغائبة على الصعيد العالمي، والمعزولة كاليتيمة. ويبقى السؤال الآن: كيف سيمارس "مكرون" تطبيق الأسس والمبادئ التي يؤمن بها في السياسة؟


**تجدد في الوجوه السياسية..


قامت الإنتخابات البرلمانية في فرنسا بعد التحضير الجيد لها، وقد سبق للرئيس "مكرون" أن دعا الجميع للمشاركة والترشح، لكن يلاحظ أن من ترشح من حركة "مكرون" جلهم من المجتمع المدني، ولم يسبق لهم أن شاركوا مع أي حزب، وهذه تعتبر طلتهم الأولى في الحركة السياسية. ولو تأملنا في منشأهم الطبقي لوجدنا أن أغلبهم ينتمي إلى العائلات الميسورة الحال "صحفيون، أطباء، موظفون من الدرجة العالية" أما من ترشح من العمال فقد كان عددهم إثنين فقط، وهذا مدعاة للتساؤل.. فالأطباء والمحامون لا يمثلون المواطنين.. وهنا السؤال الكبير، كيف تمثل هذه الشريحة "أطباء ومحامون" أغلبية الشعب وهم قلة؟ وهل سوف يستطيعون الدفاع عن مصالح هذا الشعب؟.. فحسب قول عالم الإجتماع "آلان جيرار" إن الطبقات العليا لا تخالط إلا من هم مثلها، والشعب يخالط من هم مثله.. وهكذا.. لذلك يمكن القول أن "مكرون" وخلال حملته الإنتخابية كان قد توجه للأفراد وليس إلى الشعب، أي لم يتوجه إلى الوعي الطبقي ولا إلى الوعي الجماعي. وذلك يعود لسبب بسيط وليس غريباً، أن حزب اليسار برئاسة "جان لوك ميلنشون" كان دائماً يتوجه إلى الشعب والطبقات الشعبية.. والغريب أن "ماري لوبان"- وهي تمثل أقصى اليمين- كانت تتوجه إلى الشعب والطبقات العمالية أيضاً، وكانت النتيجة أن الغالبية العمالية قد صوتت لها، رغم أن حزبها يعتبر حزباً متطرفاً وعنصرياً وهي عبرت عن معاداتها للمسلمين والعرب. ورغم أن "مكرون" يقف ضد "ماري لوبان" بأفكارها وسياساتها إلا أنه في حملته الإنتخابية لم يمر على ذكر الأجانب والمسلمين بأي شيء سلبي.


**مرتكزات "مكرون" الرئيسية:


يعتمد مكرون في سياسته على جملة من المبادئ:
1- يعتمد الإصلاح على إستقلالية القرار الداخلي، ودور فرنسا في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لتلعب فرنسا من جديد دوراً عالمياً في السياسة والدبلوماسية.
2- إعادة النفوذ الكبير الذي كانت تتمتع به فرنسا على الصعيد الأوربي.
3- الدفاع عن قيم: الحرية، القانون، العدالة ودعم المضطهدين والمهددين والأقليات.
من الواضح أن قلب إستراتيجية السياسة الخارجية عند "مكرون" هي أوربا، وكونه يعمل ضد حالة الإنغلاق ويشجع على الإنفتاح، فإن ما يريده "مكرون" هو تقوية وحدة أوربا في مواجهة التنافس العالمي وخاصة أميركا.
ماذا نستخلص من هذه الإنتخابات؟
1. إن سقوط الأحزاب القديمة التي لم تتجدد فكرياً وإيديولوجياً، والتي عجزت عن تقديم برنامج يلبي حاجات الشعب ويرد على التحديات الإجتماعية والإقتصادية والثقافية..
2. أتت الإنتخابات لتشكل الفرصة/ الصدمة، والتي فاجأت الجميع وخاصة من كانوا عاجزين عن أي محتوى سياسي مقنع وقادر على تعبئة الجماهير حول برنامج يخدم للجميع.
3. إن الأحزاب التقليدية من أمثال حزب اليمين "الجمهوريين"، حزب اليسار "الإشتراكي" لم يدركاً قبل الإنتخابات أنهما أصبحا كجوزة جوفاء وهذا ما سبب لهما الصدمة الكبرى.
4. لأول مرة منذ 40 عاماً لم يطرح أي حزب ماذا وكيف ستكون سياسته الخارجية، ففي السابق كان طرح برنامج السياسة الخارجية لأي حزب يدل على مدى طموح هذا الحزب للدخول في الساحة السياسية العالمية، من أجل لعب الدور الهام الذي يليق بفرنسا. ويمكن تفسير غياب هذا العنصر- أي غياب طرح برنامج السياسة الخارجية- إلى عمق الأزمة الإقتصادية القائمة في كل الدول الأوربية، وإنشغال الجميع بقضايا بلادهم الداخلية والتي لم تحل بعد. وهذا ما فعله الناخبون في الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية في فرنسا، مما جعل الإهتمام بقضايا العالم يصبح أقل، وهذا بدوره يعتبر تراجعاً خطيراً عن الدور العالمي الذي كانت تلعبه فرنسا سابقاً. لكن من كان مستثنياً من هذا التراجع هو حزب اليسار، الحزب الشيوعي، إضافة إلى تيار اليسار الإشتراكي الذي يمثله "بنوا آمون"، من أصل مجموع الأحزاب الثلاثة عشر والذين دخلوا الإنتخابات.
5. الجديد في هذه الإنتخابات مقدرة "مكرون" على إقناع جزء لا بأس به من الطبقات الوسطى أنه يمثل تياراً يذهب أبعد من اليمين واليسار على السواء، وبأنه لا توجد سياسة يمينية وسياسة يسارية، بل إن هناك سياسة جيدة وسياسة سيئة، وفي هذا الإحتمال perspective أو المنظور، يمكن أن نسمي ذلك la poste politique كمحاولة للوقوف أمام العولمة كما تقول Chantal MOUFFE أستاذة النظريات السياسية في لندن/ بريطانيا،  وهي التي نظرت حول شعبوية اليسار في كتابها "وهم التوافق" الصادر عن دار النشر ALPIN MICHEL عام 2016. وهي التي أوحت إلى "جان لوك ميلنشون" بناء حركة حزب اليسار و "فرنسا المتمردة- LA FRANCE INSOUMISE" والتي تجمع حزب اليسار والحزب الشيوعي الفرنسي، وكلاهما أدانا الخيار المكروني على إعتباره خياراً بديلاً للعولمة وهي الليبرالية الجديدة. وتقول في هذا الصدد "شانتال هوف": «إن ما يجري في مجتمعات ما بعد الديمقراطية هو إنتصار للنيوليبرالية». وتوجز أن إختفاء التفريق بين اليمين واليسار هي مرحلة la poste politique إي ما بعد السياسة. ومن هنا يفقد اليمين واليسار شرعيتهما التاريخية. يقول "آلان تورين" عالم الإجتماع ومدير الدراسات في مدرسة العلوم العليا EHESS: «في عالم جديد وخطير من ضروري أن تثق فرنسا بنفسها». ويؤكد أن عدم التوازن بين قوى الماضي وقوى متوجهة نحو المستقبل والتي صارت مرئية أكثر، إلى درجة أن الحكومة- يقصد حكومة هولاند وقتذاك- تبدو كأنها لم تزن مدى كبر النتائج- أنظر اللموند 2 حزيران 2017- ويؤكد أن "مكرون" فهم الشيء الأساسي ليس في علاقة الصراع بين اليمين في مواجهة واليسار وبالعكس، بل إن الخيار يكمن في العلاقة القائمة بين الماضي في مواجهة المستقبل، وهذا الخيار حسب رؤيته يعتمد على الإقتصاد المفتوح ضد كل محاولات الإنغلاقية كما تفعل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية واللتان سوف تقعان في فخ العزلة والإنغلاق اللذان خلقوهما بأنفسهما- نفس المرجع-. ويبقى السؤال الصعب والأخير الذي يطرحه "آلان تورين": هل فرنسا متأكدة أنها تريد حل الأزمة؟، لكن الحل يكمن في إدراك وتعلم الفرنسيين حبهم للمستقبل أكثر من حبهم للماضي.
تشكلت الحكومة الحالية من 30 وزيراً قسمت بالتساوي بين رجال ونساء وهذه الحكومة ستكون نهائية. ويبقى السؤال ماذا سوف يكون مصير هذه الحكومة في المستقبل القريب؟. فهذه الحكومة هي حكومة تقنوقرات، تمضي بدون إيديولوجيا جامعة لها، بل معتمدة على الكفاءات في خدمة المشروع المكروني، فالحكومة مؤلفة من أعضاء من اليمين واليسار والوسط والمجتمع المدني، وقد تم إختيارهم لكفاءاتهم، والشعب رضي عن ذلك. لكن هناك الكثير من التحديات التي تنتظر هذه الحكومة أهمها البطالة، الفقر، المساواة، والنمو الإقتصادي.
يعتمد الرئيس مكرون على دعم أوربا  وهذا ما طلبه من قادتها في 27 حزيران أمام المجلس الأوربي، وأكد أن أن أوربا يجب أن تكون حاضنة للمواطنين، لكن التحدي الأهم يكون مع بداية الإصلاحات الضرورية خلال الأسابيع والأشهر القادمة. فإذا استمرت هذه الحالة من الجمود والركود فإن هناك إحتمالاً قوياً لحرك إجتماعي مهم تقوده النقابات والأحزاب، وربما خلال سنة أو أكثر قليلاً سوف تكون ردات الفعل متجاوزة حالة التظاهر، وربما تمضي إلى ثورة شعبية عامة وغير مسبوقة ويصعب تجاهلها وذلك لتعطش الشعب للخروج من أزماته وإيجاد الحلول. وما ضعف الإقبال على التصويت في الإنتخابات والذي تجاوز الـ50% بقليل إلا دليل على عدم رضا الناس وكما يقال في المثل العربي "بلغ السيل الزبى".



**ما هي سياسة "مكرون" نحو الشرق الأوسط وقضية فلسطين؟


للدخول في سياسة "مكرون" فيما يخص الشرق الأوسط وقضية فلسطين لا بد من المرور ولو قليلاً على أهم المواقف على هذا الصعيد، فقد عمدت فرنسا إلى إتخاذ مواقف سياسية متوازنة من أطراف الصراع، وحرصت على الحديث معهم من أجل التأكيد على بناء السلام. وقبل عدة أيام كانت قد دعت للقاء من أجل السلام في باريس لكن ما أعاقه رفض إسرائيل لهذه الدعوة. وكان قد سبق لـ"مكرون" أن أكد خلال زيارته للبنان دعمه لحل الدولتين، وعبر عن موقف من المستوطنات بأنه ملتزم بما يقوله القانون الدولي على هذا الصعيد- تصريح 20 حزيران-. وبمناسبة انعقاد الاجتماع السنوية للتنظيم العالمي للصحة/ الأمم المتحدة، والذي اتخذت فيه الأمم المتحدة قراراً مقدماً من المجموعة العربية وفي مقدمتها فلسطين يقول أن إسرائيل هي المغتصبة للسعادة العقلية والجسدية والبيئية، وهذا القرار حاز على موافقة وترحيب من قبل الرئيس "مكرون"، ففي الواقع يبدو أن مكرون لم يكن مجهزاً لهذا الدور ولم يكن متابعاً لقضايا الشرق الأوسط، وما مواقفه التي عبر عنها والتي بدت غير ناضجة وغير دقيقة وعامة وليس فيها موقف حازم، ويرى المراقبون أنه من المتوقع أن تتطور مواقفه قريباً، والأهم  من ذلك هل سيحقق ذلك على أرض الواقع و وهل سيكون هناك أشياء مادية وملموسة لصالح فلسطين وإسرائيل، في فرنسا يوجد لوبيات كثيرة هل سيتقرب ماكرون اليها ام سيبقى كما يقول مستقلاً .
نذكر أن قبله كان ساركوزي و هولاند الذين لم يقوما بما يلزم لأجل تحقيق السلام فهل سيكون ماكرون خير من سابقيه حيث أنه قد أكد سابقاً وخلال الحملة الانتخابية انه وريث لمدرسة ميتران و ديغول السياسية وعما قريب سيظهر على أرض الواقع والحقيقة ما إذا كان كذلك أم أنها مجرد وعود انتخابية.
في السابق كانت الأحزاب الفرنسية تحدد في مشروعها السياسي كيفية سياستها الخارجية اتجاه العالم ومنها الموقف من القضية الفلسطينية كقضية لم تحل بعد. لكن يلاحظ في الآونة الأخيرة تغيراً في هذه السياسة وخاصة أنه برز في الدور الأول للإنتخابات الرئاسية رؤيتان تعتمد فيها الأولى على أن فرنسا بحاجة إلى تقوية موقفها في أوربا وحماية المواطنين من الإرهاب ومحاربته في أوكاره. أما الرؤية الثانية فقد إعتمدت على أن أولوياتها تكون في محاربة الإرهاب مضافاً له الإعتراف بالدولة الفلسطينية، وهذه الرؤية جسدها "ميلنشون"/ حزب اليسار والحزب الشيوعي/ و"بنوا حامون" مرشح الحزب الإشتراكي واللذان خسرا من الدور الأول. أما بقية الأحزاب فلم تذكر القضية الفلسطينية لا قبل ولا بعد الدور الأول من الإنتخابات الرئاسية.
يتحدث "مكرون" عن الإرث "ديغول" و"ميتيران"، ويدعو إلى تقوية أوربا وعودة النفوذ الفرنسي كما كان في فترة  رئاسة "ميتران" في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. ويعتقد "مكرون" أنه عبر أوربا سوف يجد  الحلول الفعالة للأزمات الإقتصادية والسياسية. ومحاربة الإرهاب بالتنسيق الأوربي في الدفاع وتبادل المعلومات. كما يسعى لإيجاد حوار بناء مع روسيا والذي يجده ضرورياً لمصلحة فرنسا، كما لا يزال يرى دوراً مهماً للأمم المتحدة في العمل من أجل السلام.. أما فيما يتعلق بالعلاقة مع إفريقية فإنه يرى أن التدخل فيها من خلال عملية "سيرفال" وصرح في 20 مارس الماضي: "أننا دخلنا في عصر العلاقات الدبلوماسية حيث تلعب الحرب من جديد".. أما بالنسبة للقضية السورية فإنه لا يريد تطبيعاً العلاقات مع النظام في سورية لأنه يعتقد أن الرئيس السوري يجب أن يحاسب أمان المحكمة الجنائية الدولية، وفي ذات الوقت يدين التعاون مع الدول العربية في الحلف السوري.
أما الأزمات الخارجية توجز في أزمات الدول العربية بعد الربيع العربي، وبعد الحرب الأهلية في سورية، وقضية اللاجئين السوريين وتواجدهم في عدة بلاد عربية، والعجز عن وجود حل في سورية بعد التدخل الإيراني والروسي.
إن الحروب في الشرق الأوسط هي التي حجبت القضية الفلسطينية، ويضاف إليها تنامي ظاهرة الإرهاب الممتد في الشرق والغرب، وعجز الدول العربية في مكافحته. وفي هذا الإطار تبقى فلسطين هي الغائبة على الصعيد العالمي، والمعزولة كاليتيمة.
ويبقى السؤال الآن: كيف سيمارس "مكرون" تطبيق الأسس والمبادئ التي يؤمن بها في السياسة؟.



**فلسطيني من حيفا، ولد في سورية، بعد الحصول على البكالوريا فيها غادرها إلى فرنسا لدراسة علم الإجتماع وعلم النفس وحصل على درجة الدكتوراه.

05/08/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع