عبد اللطيف كنفاني من عشاق حيفا


د.سميح مسعود


**شارع البرج
استرجع عبد الكريم  كنفاني في حديثه لحظات كثيرة تتعلق بأفراد أسرته وأيام طفولته، ضمن سلسلة طويلة من الصور التي تحفظها ذاكرته عن أيامهم في بيتهم في شارع البرج، استطرد بتفصيلات موسعة عن إخوته خليل وفريد وإبراهيم وعثمان، وتواصل حديثه بمعلومةٍ من هنا وأخرى من هناك، وردَّد أرقامًا منقوشة في ذاكرته من حيفا، منها: رقم هاتف بيته 3886، ورقم هاتف محل والده عند البوابة الشرقية 2075، ورقم صندوق البريد لمحل والده 807، ورقم هاتف بيت ابن عمه جميل كنفاني 2025.



سمعت باسم عبد اللطيف كنفاني قبل عدة سنوات، عندما أصدر كتابه الموسوم " 15شارع البرج - حيفا"، الذي أهداه إلى "عروس الكرمل وقد طال بها الأسر" وعنوان كتابه هو نفس عنوان بيته الذي ولد فيه وأبصر النور، كتبه عن حياته في حيفا في تعبير "نوستالجي"... غمرته ذكرياتها وناجى سنواته فيها، وسجل صورًا من الذكريات بقيت حية في وجدانه، اختلطت فيها جزئيات وتفاصيل كثيرة سياسية واجتماعية من أيام ما قبل النكبة... أسعفته الذاكرة بالرجوع إلى أيامه الأولى في شارع البرج، قلبً صفحات ماضيه، لهث وراء إيقاعها، تذكر أهله وأصدقاءَه وجيرانه ومدرسته ومدينته بكل ما فيها.
زرت بيروت في العام الماضي، ولحسن حظي التقيت به  في صباح أحد الأيام أثناء تلك الزيارة، شعرت بسعادة لا توصف لما سمعته منه عن حيفا، لتشابك ذكرياتنا عنها، بكل ما فيها من دلالاتٍ كثيرة مؤثرة...أجريت معه حديثًا مستفيضًا عن جوانب وطنية، وأبعاد زمانية ومكانية كثيرة، فيها شجن الحنين إلى الماضي.
أخبرته في بداية حديثنا عن معرفتي بعنوان بيته في حيفا، فقد تعرفت عليه مبكرًا في أيام طفولتي، لقربه من مدرستي مدرسة البرج التي تقع في نفس الشارع، كنت أمرُّ من أمامه عند قدومي إلى المدرسة في الصباح، وحين خروجي منها في فترة ما بعد الظهيرة.
التقطً كلماتي بفرح زائد، لأن مدرسة البرج هي مدرسته أيضًا، التحق بها في أواسط الثلاثينيات قبلي بعشر سنوات لفارق العمر بيننا، وبقي فيها حتى إضراب 1936... توسع في حديثه عنها  بنفسية متفتحة، وتطرق إلى جوانب كثيرة منها، ردَّد أسماء أساتذة تعلم على أيديهم، وزملاء من محيطه المباشر تربطه بهم ذكريات الطفولة الباكرة، ومن الأساتذة الذين خصّهم بالذكر: كامل القصاب مدير المدرسة الذي ينحدر من أصول سورية، وحسين حماد أستاذ الجغرافيا، ومصطفى الطاهر أستاذ الحساب، ونجيب بليق، وعبد اللطيف الحبال، وصلاح طه، ومعروف سعد، ومحمود الحاج، وذكر من زملائه في الصف الابتدائي الثاني، عزة نعمة، وغالب النوري، ورياض أبو زيد، وهشام شبيب.
تحدث في نسيج سردي متداخل عن أستاذه  الصيداوي معروف سعد، أستاذ التربية البدنية ورئيس الفرقة الكشفية في المدرسة، كاشفًا بعاطفة حارة عن خبايا رحلات تخييم كشفية أشرف عليها أستاذه، ركز في سياق حديثه على رحلتين، إحداها تمَّ فيها التخييم بين أشجار جبل الكرمل، والثانية في مرج واسع عند نبع السعادة في بلدة بلد الشيخ القريبة من حيفا.
دُهشت لما سمعته منه وهو يصف أماسي التخييم الكشفي بتفاصيل مكثفة ... ليالي سمر أخاذة يتحلق فيها الجميع حول نار المخيم، تتخلل جلساتها المساجلات الشعرية، والسحجة والغناء، وترديد نشيد الحركة الكشفية "نحن جند الله شبان البلاد" على صوت قرع الطبول والصناجات وآلات النفخ، ويتخللها تناول الطعام الذي يعده لهم أستاذهم معروف سعد بنفسه، خاصة أكلة "المجدرة" التي كان يتقن طهيها... لفت انتباهي استحضاره دلالاتٍ كثيرة عن الكشافة بما فيها وصفه للباس الكشفي والعتاد الذي يحمله الكشاف على ظهره أثناء الرحلات، وتذكره محل ميخائيل أبو فاضل قرب ساحة الحناطير "الخمرة" لاختصاصه بكامل مستلزمات الألبسة الكشفية.
توسع الحديث بعد ذلك... تحدث عبد اللطيف عن بيت أهله بصياغات عاطفية وتعابير رقيقة مليئة بالشوق إلى مرتع صباه، وصف جدرانه المبنية من الحجر الأبيض المدقوق، وبين موقعه العالي قبالة تلة البرج التي تترامى في أنحائها أشجار الخروب والصنوبر والزعرور وسنديانة عتيقة وارفة  الظلال، على مقربة من بيوت  شخصيات حيفاوية شهيرة منها: بيت عبد الرحمن الحاج أحد رؤساء بلدية حيفا، وبيت رشيد الحاج إبراهيم من أبرز الشخصيات العامة في حيفا، وبيت المفتي محمد مراد مفتي حيفا، وعلى مقربة أيضًا من الزاوية الشاذلية، ودرج عجلون الذي يفضي إلى حي وادي الصليب، وينتهي عند حمام الباشا.
والحال، أن بيت كنفاني في شارع البرج رقم 15، يمثل معلمًا حيفاويًا بدلالات اجتماعية متميزة، والأبلغ تأثيرا في كل ما سمعته من عبد اللطيف عن بيته، قوله: "أنه كان وطنه الأول وطنًا حقيقيًا من تراب حقيقي، التصق به، احتك بجلده، ودخلت ذراته تحت أظافره، واختلطت بشعره وتسللت إلى ثنايا ملابسه، ضمه مع إخوته وأخواته، لكل واحد منهم بصماته في البيت، وفي حاكورة واسعة تمتد حوله انتشرت فيها أشجار الصنوبروالكينا والسرو، وشجرة زنزلخت كانت حانية على جدار إحدى غرف النوم، وعلى مقربة منها شجرة كازورينا بأوراقها المتهدلة وخضرتها الدائمة، وشجيرات صبار إفرنجي."
اتسع حديثه عن بيت أهله مبينًا تفاصيل مدخله وساحته الخارجية، ولم ينس ذكر عريشة تظلل مدخل البيت، مرصعة بورودها القرمزية، تحيط بها أحواض زنبق وشجيرة ياسمين، وشجرة رمان وحيدة في الساحة الخارجية للمطبخ، كان يبتهج عندما كانت تحمل حبات معدودة على فروعها.
استرجع عبد الكريم  كنفاني في حديثه لحظات كثيرة تتعلق بأفراد أسرته وأيام طفولته، ضمن سلسلة طويلة من الصور التي تحفظها ذاكرته عن أيامهم في بيتهم في شارع البرج، استطرد بتفصيلات موسعة عن إخوته خليل وفريد وإبراهيم وعثمان، وتواصل حديثه بمعلومةٍ من هنا وأخرى من هناك، وردَّد أرقامًا منقوشة في ذاكرته من حيفا، منها: رقم هاتف بيته 3886، ورقم هاتف محل والده عند البوابة الشرقية 2075، ورقم صندوق البريد لمحل والده 807، ورقم هاتف بيت ابن عمه جميل كنفاني 2025.
أسرف بالذكريات وتفاجأت عندما ردد اسم هرته "عنبرة" وكلبته "ستيلا" وببغاء عمرت سنوات طوالًا وأصبحت جزءًا من بيت أهله، كانت تردد أصواتا في قفصها المزخرف الطويل وتنادي كل أهل البيت، كما تذكرً غزالًا ظل فترة طويلة في ركن من أركان الحديقة، وفي ثنايا هذه التفاصيل تذكر أيضًا فونوغرافًا  ذا بوق نحاسي طويل، كان يتربع في ركن من أركان بيته، وحوله اسطوانات كثيرة لمحمد عبد الوهاب ولور دكاش ومنيرة المهدية وأم كلثوم.
في لحظة ردد أسماء الأغاني التي كان يسمعها في صغره، منها أغاني يا جارة الوادي، وكم بعثنا مع النسيم سلامًا، وليلة الوداع، وكلنا نحب القمر، ويا شراعًا وراء دجلة يجري، وجفنه علم الغزل، وأغنية أخرى حماسية من الأغاني التي كانت ممنوعة من قبل الانتداب البريطاني في فلسطين، وقد هربها أهله من لبنان لأحد المغنين واسمه حنين، من كلماتها: "الدنيا قايمه والشعب غافل/ راحت بلادكم ما حد سائل."
بعد سرده الاسترجاعي عن بيته ومدرسته وأسرته، واصل حديثه عن حيفا كما كانت في أيام طفولته، التقط أصداء مهمة من شارع الملوك، عبرعنها بخليط من الحكايا أبرز فيها بنايات كثيرة انتصبت على جانبي الشارع، مليئة بالمصارف والفنادق والشركات والوكالات التجارية، منها فرع للبنك العربي، ولبنك باركليز، ولتوماس كوك، وفندق نصار، ومحلات أبو نصار إخوان وكلاء سيارات شفرليه، ومكتب  صغيرعلى مستوى الشارع لشركة "الكات" في بداياتها الأولى، كان يجلس فيه صديقه محمد عبد الرحمن، شقيق كامل عبد الرحمن الشريك المؤسس للشركة مع إميل البستاني، وقد زاره عدة مرات في نفس المكتب برفقة صديقه نايف شبلاق.
تملكتني رغبة في تلك اللحظة للتعرف أكثر وأكثر على مكتب شركة الكات في بدايتها الأولى، وضع يده على جبهته كأنه تذكر أمرًا هامًا وقال: "مجرد مكتب متواضع مفروشاته طاولة يعلوها جهازهاتف ومن حولها أربعة كراسي، ولا شيء غير ذلك".
وسرعان ما استدرك قائلًا: "من هذا المكتب الصغير بدأت مسيرة امبرطورية الكات، التي أصبحت بعد النكبة واحدة من كبريات شركات المقاولات في الدول العربية والعالم أجمع، وما زالت تعمل حتى الآن." 
بعدها توسع فضاء التعبير في حديث عبد اللطيف لآفاق أخرى، تنطوي على ملامح من شارع الملوك منها، مقهيان من مقاهي الرصيف الشهيرة في حيفا مقهى "ادوار" ومقهى" ادمون" لصاحبيهما الأخوين الياس، ومكتب شركة الباصات الوطنية التي كانت تشمل فروعها كل مدن فلسطين ومعظم بلداتها وقراها، والتي عرف عنها انتظام رحلاتها والتقيد بمواعيد انطلاق حافلاتها، ومكتب كراج العلمين، الذي انتشرت فروعه في يافا والقدس وبيروت وعمان ودمشق، وكانت سياراته أمريكية حديثة، مرسوم على أبوابها باللون الأحمر شعار المكتب المتمثل بعلمين متقاطعين مثلثي الشكل.
بعدئذٍ انتقل في حديثه إلى ثلاثة ملاعب رياضية في الموارس، في الطرف الجنوبي من المدينة، كانت تصطف بمقاييسها الأولمبية واحدها بجانب الأخر لكل من نادي شباب العرب، ونادي الترسانة، والنادي الرياضي الإسلامي، وتوسع في هذا الجانب بذكر أسماء مهمة من اللاعبين، منهم "أسادور" من نادي شباب العرب، وكان أشهر حارس مرمى في فلسطين، و"الهباب" حارس نادي إسلامي يافا، و"جبرا الزرقا" أشهر مهاجم في فلسطين، و" تيودور برامكي" قلب الدفاع الشهير، و"جورج مرديني" ظهير أيمن النادي الرياضي الإسلامي حيفا، ثم واصل الحديث عن بعض المباريات المهمة، خاصة آخر مباراة دولية شهدتها فلسطين قبل النكبة، وقد أقيمت في شهر أيلول 1947على ملعب نادي شباب العرب، بين نادي شباب العرب الحيفاوي، ومنتخب مدينة حلب، وانتهى اللقاء بالتعادل 1:1.
من خلال استحضاره أجزاء أخرى من حيفا، تذكر ساحة العيد التي كانت تسمى ساحة "لمراجيح" على مقربة من البوابة الشرقية، وهي عبارة عن أرض منبسطة فسيحة تقع في جوار المسبح الشعبي الذي كان يديره أبو نصور بتكليف من البلدية، تنتصب فيها المراجيح ويكثر الباعة، ولدهشتي ذكر أسعار مشتريات الأطفال في زمنه: النعومة بمليم واحد، وهي دقيق القضامة الممزوج بالسكر الناعم، كانت تباع في قراطيس مستطيلة من الورق الملون، وكباية  شراب السوس بمليم واحد،  وكباية شراب الخروب بمليمين، وحبة التفاح المغموس بقطر السكر المصبوغ المتيبس بتعريفة واحدة.
استطرد في الحديث عن جوانب أخرى من حيفا، أسواقها ومطاعمها ومسابحها واستراحاتها ومستشفياتها مثل مستشفى حمزة، ودكاكينها المهمة مثل دكان نعيم العسل في منطقة السوق الأبيض، ودكان الخطاط عوض الرومي البرادعي "أبو حليم" في شارع متفرع من ساحة الخمرة وهو والد الفنان حليم الرومي، وأسهب في حديثه عن مدارس حيفا، وخص بالذكر المدرسة الإنجليزية العليا للبنات، التي أسست مبكرًا في عام 1923، وضمت زهرة فتيات المجتمع الحيفاوي، اللواتي كنّ  يختلن (حسب تعبيره) في رواحهن ومجيئهن بزيهّن الموحّد ذي الثنيات والسترة الكحلية التي تحمل على جيب صدرها شعار المدرسة المطرّز باللغة الإنجليزية، على غرار ما هو دارج في المعاهد البريطانية.
وإرضاءً لفضولي وجدتني أسأله: "هل تذكر واحدة من الطالبات"؟
نظر إلي مبتسمًا: "نعم أذكر نهلة مراد واحدة من جميلات المدرسة وهي ابنة المفتي محمد مراد مفتي حيفا."
وجدت متعة في استدعائه الذاكرة واستحضار اسم جارته، تمكن بذكرها من إلغاء الحاجز الزمني بين الأمس واليوم، حولّ بكلماته الماضي إلى حاضر معيش، لاقى فيه الوجوه بالوجوه على اتساع البيوت القريبة من بيته، وبين أن أسرة جاره مفتي حيفا كانت متوائمة مع رؤى تقدمية منفتحة تؤيد تعليم المرأة وتمكينها، وتختلف في هذا عن متزمتي الزمن الحالي من ذوي العقول المتحجرة الذين يحرمون المرأة من حريتها الفطرية.
تابع الحديث فيما بعد، حول الهجمات العدوانية التي اشتدت ضد أهل حيفا بعد صدور قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947، كاشفًا من خلال حديثه بعض تفاصيل آخر أيام حيفا، أشار فيها إلى استشهاد شقيقه الأكبر خليل، الذي كان يعمل مساعدًا لمدير البنك العربي في حيفا، وإلى جهود اللجنة القومية برئاسة رشيد الحاج إبراهيم في سبيل الدفاع عن المدينة، واستشهاد القائد الأردني محمد حمد الحنيطي قائد حامية حيفا، بعدها تابع حديثه عن سقوط حيفا في 23 نيسان1948  وتشرد أهلها، ورحيل عائلته إلى لبنان، وانتشار أقرب الناس إليه في منافي كثيرة على اتساع العالم.
 تواصل الحديث لفترة طويلة من الوقت، وآن الوداع ... تشابكت الأيدي، وتبادلنا أطيب الأماني، وتمنيت عليه في تلك اللحظة أن يقاوم جريان الزمن بالكتابة، بتدوين ذكرياته في حيفا، لتعريف الأجيال الحالية والقادمة على مدينته بكل ما فيها، لتبقى في عمق الذاكرة الجمعية غير قابلة للنسيان.


05/08/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع