ما بين المجتمع المدني والمجتمع المدني الافتراضي


باسل خلايلة


مسيرة شعبية مطالبة بالحريات المدنية في باكستان (أرشيف)



المجتمع المدني


‎إن مصطلح المجتمع المدني هو أحد أكثر المصطلحات تعقيدًا وضبابيةً في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية، وعلى الرغم من اعتقاد البعض أنه مفهومٌ ضمنًا وعلى الرغم من شيوع استخدامه في الفترات الأخيرة، الا أنه ولكي يُفهم يجب تفكيكه وسبر أغواره عبر قراءة تاريخية تهدف الى ولوج التقلبات والمنعرجات المفاهيميّة الّتي مر بها المصطلح، وهذا يتطلب من الباحث أن يقفز من مرحلةٍ تاريخية لأخرى لكي يرى أن المصطلح قد لبس اوجهًا عديدة تترابط بشكلٍ عضويّ مع السياق التاريخي والأحداث المتزامنة لذلك السياق، وعن طريق تراكميّة تلك السياقات وتناقضات أحداثها نستطيع الوصول الى المجتمع المدني بمعناه الحديث.
‎قد تكون البداية المُثلى للتمحيص في المجتمع المدني تمر عبر فلاسفة العقد الاجتماعي الّذين فرضوا وضعًا مُتخيلًا يُسمى بالحالة الطبيعيّة، يُطرح من خلاله صورة ونظام مجتمعي مُتخيل للحياة الإنسانية خارج إطار الدولة والقانون وفي مقابل تلك الرؤية وضع توماس هوبز، جون لوك وجان جاك روسو تصورًا تعاقديًا وتوافقيًا بين أفرادٍ اختاروا الخروج من الحالة الطبيعيّة لكيّ يعيشوا تحت مظلة الدولة والقانون، وقد لبس المصطلح بعدًا مفاهميًا وليبراليًا في عصر التنوير عند لوك وروسو بالتحديد، واشترط تكوين هذا الإطار المدني نيل الإنسان لحقوقه الطبيعية التي تولد معه، والتي بُعثت من عند الإله والطريق لتلك الحقوق يمرُ عبر التعاقد الطوعي بين الأفراد لكي يشكلوا فيما بعد "المجتمع المدني".
‎أما التطور الثاني فهو عندما بدأت حالة التناقض ما بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ضمن نمط الإنتاج الإقطاعي، مما أدى الى نشوء طبقة جديدة "البرجوازية" تسعى الى استغلال هذا التناقض حتى تعلي من مكانتها الاقتصاديّة والسياسيّة بعيدًا عن القمع الملكي والكنسي آنذاك، وهكذا بدأت عملية الانفساخ عن الدولة من طرف البرجوازية من خلال تكوين علاقات اقتصادية منفصلة، تتجسد في التجارة، الأعمال المصرفيّة واستغلال التغييرات الصناعيّة لصالحها، وهذا الحيّز الّذي تكوّن بعيدًا عن هيمنة الدولة وسيطرتها والّذي لبس حُلةً اقتصادية يلازمها منظومة أفكار تستكمل ما قد بدأه لوك سياسيًا وما كمّله آدم سميث اقتصاديًا هو المجتمع المدني.
‎لقد شهد المصطلح باعتقادي تحولًا جذريًا في تاريخه وتأريخه مع أليكسس دي توكفيل وذلك في كتابه المشهور "الدمقراطية في أمريكا" الّذي حاول من خلاله التعرّف على الأسباب الّتي تجعل من الدمقراطية الأمريكية "قويّة ومتماسكة" خاصةً اذا قارنها مع الدمقراطيّة في بلده (فرنسا)، وكيف استطاع المجتمع الأمريكي التغلب على أمراض الفردانيّة والأنانيّة الّتي ترافق الرأسماليّة، وقد توصل توكفيل الى هذه النتيجة "فن الاتحاد" المتواجد في الولايات المتحدة الّذي يستند في أساسه على قاعدة أن مصلحة الفرد مرتبطة بمصلحة الجماعة، وأن تخفيف نزعات الأنانيّة الّتي تفرضها المجتمعات الرأسماليّة يتم عن طريق الاتحادات الطوعيّة، وهكذا بدأ التمازج والتواشج بين "الدمقراطيّة السليمة" في ظل المجتمعات الرأسمالية مع الاتحادات الطوعيّة المنفصلة عن الدولة وإشرافها، وهكذا تكونت البذرة – حسب اعتقادي - للمجتمع المدني الحديث. مما مهد الطريق لكي يصبح القطاع الثالث له من الأهمية ما يعادل القطاع الأول (الحكومي) والقطاع الثاني (الخاص). وفي سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي وأثناء نضالات التحرر السلميّة لمختلف المجموعات حول العالم وبالتحديد للسود في الولايات المتحدة، إرتبط المجتمع المدني مع عمليّة التغيير الاجتماعي والسياسي، وذلك عندما بدأت عمليّة نشوء حركات اجتماعية في المجتمع لا تهدف للوصول الى السلطة وإنما تسعى فقط الى إحداث التغيير الاجتماعي (على عكس الأحزاب السياسيّة الّتي تسعى للوصول الى السلطة ولذلك لم تكن جزءا من المجتمع المدني)، عن طريق تطبيق المعايير الدمقراطية ومعايير المساواة والحرية. وإن أردنا الحديث في السياق الإسرائيلي كان مفهوم المجتمع المدني موازيًا بل ونقيضًا للمجتمع العسكري الّذي ساد في إسرائيل منذ إقامتها، وقد بدأت هذه النزعة العسكريّة الّتي تشكل النواة الأساسية للمجتمع الإسرائيلي، المليء بالتناقضات، بالاضمحلال والتفكك، وبالتحديد من نهايات سبعينيات القرن الماضي مرورًا بالثمانينات، وصولا الى التسعينيات وتتويجها باتفاق أوسلو.
بعد الحروب الإسرائيليّة المتعددة والجرائم والفظائع الّتي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في لبنان على وجه التحديد يمكن رؤية بداية تفكك البنية العسكريّة المركزيّة للدولة، ظهور حركات اجتماعية تسعى الى السلام، ظواهر رفض الخدمة العسكريّة الإجباريّة، التنديد بالاحتلال العسكري والمطالبة بالسلام وقد وصلت هذه الظواهر الى أوجها في اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين وهكذا كانت بدايّة نشوء مجتمع مدني في إسرائيل (لم يُستكمل تكوينه وتم إجهاضه بعد اغتيال رابين وصعود اليمين الإسرائيلي المتمثل بحزب الليكود وشخص نتنياهو الى سدة الحكم). وارتبط هذا المجتمع ارتباطًا وثيقًا مع المطالبة بالسلام. وأحد التطورات المهمة الّتي حصلت مع المجتمع المدني هي ثورة الـ "NGO's" مما مهد لتطور في دلالة المصطلح، يستند على التعاون ما بين الدولة والمؤسسات غير الحكوميّة وبالتحديد الجمعيات الّتي تحاول الدخول الى الأماكن الّتي أهملتها الدولة، وتغطية الفراغات الّتي تركتها الدولة بما يتعلق بالشرائح الاجتماعية المهمشة، قضايا البيئة والتربية والتعليم وغيرها، حتى بات البعض يختزل كل دلالات المجتمع المدني في المؤسسات غير الحكوميّة. وهكذا وضمن المفهوم المعاصر للمجتمع المدني بات المجتمع المدني مكملًا للدولة، ولكي تستطيع الدولة أن تقدم نموذجًا حداثيًا بات واجبًا عليها التكامل مع المجتمع المدني ومؤسساته وفق رؤية "الطريق الثالث" لأنتوني جيدنز.


**مجتمع مدني إفتراضي

‎إن الأساليب المتعارف عليها في العمل السياسي وفي نشاطات المجتمع المدني وحراكاته تشهدُ مأزقًا لا مثيل له في العقود الأخيرة، إذ ان النشرات والبيانات، تنظيم الوقفات الاحتجاجية والتظاهرات، الانتظام والنشاط الحزبي، الحراك الاجتماعي والعمل في إطار الجمعيات، الكتابة في الصحافة المكتوبة وغيرها من تمظهرات النشاط الاجتماعي والسياسي بدأ يفقد بعضًا من زخمه وبريقه، وانخفضت منسوبيّة تأثيره على الرأي العام، وفي ظل هذا العزوف عن النشاطات الّتي لم تعد "حداثيّة" الطابع، والّتي لم يُعد يرى بها قطاعٌ كبير من جيل ثورة مواقع التواصل الاجتماعي الإطار المنشود لتعبئة حاجة الانتظام الجماعيّ والانتماء الجمعيّ، بدأت عمليّة تكوّن مجال افتراضي سياسي اجتماعي حر، تُمارس فيه الذاتيّة بشكلٍ عصيّ على السلطويّة كما ذُكر في كتاب "الانترنت والثورة المصريّة"، من دون أن تنخرط هذه الذوات بالضرورة في حركة أو تجمع لمواجهة هذه السلطويّة في العالم الواقعي. أفترضُ أننا نعيش حالة من التحوّل في أساليب الإنخراط السياسي والاجتماعي، وأننا نشهد في الأعوام الأخيرة وسائل جديدة للتعبير عن الآراء والمواقف، للاحتجاج والتعبير عن الغضب، تُساهم بلورة حالة عامة جديدة، تتشكل أثناء جلوس الفرد وراء الشاشة أو أثناء حمله لهاتفه النقّال.
فقد شهدنا العديد من المبادرات الشبابيّة الّتي تعملُ باستقلالية عن المؤسسات القائمة وسلطة الدولة القمعيّة عليها، مبادرات تهدفُ للتغيير الاجتماعي، ولا تتطلب هذا النشاطات سوى فتح حسابٍ على الفيسبوك، التويتر واليوتيوب، وبعدها يبدأ النشاط عن طريق تصوير بعض الفيديوهات، وتحضير بعض النصوص، وإيصال الرسائل "البديلة" لما هو قائم، لنرى لاحقًا تكوين شبكة واسعة من النشطاء الافتراضيين، الّذين يعبرون عن تضامنهم الاجتماعي والأخلاقيّ مع ما قاموا برؤيته عن طريق اللايك والشير وغيرها من مظاهر التعاضد والترابط الجمعيّ في الفلك الافتراضي. لكن هذه التفاعلات لا تكتفي في الوجود الافتراضي، وإنما تتكون جدليّة الانتقال من الافتراضي الى الواقعي، والتأثير على موازين القوى القائمة، إذ أن هذه القوى والشبكات الاجتماعية الّتي قامت بتشكيل رساميل اجتماعية افتراضية أثبتت نجاعتها ونجاحها في الحشد الجماهيري والشعبي عند وقت الحاجة، كاسرةً وهادمةً احتكار البنى السياسية القديمة للحشد الجماهيري والشعبي، وبتنا نشهد حالةً نرى من خلالها أن الفيسبوك ونشطاءه يقومون بالدور الّذي كان حكرًا على الأحزاب السياسيّة، النقابات، والحركات الاجتماعية، وتترجم ذلك في أحداث 25 يناير في مصر، في حركة شباب 6 ابريل التي دعت لإضراب عمالي عن طريق الفيسبوك، يوم التدوينة البيضاء في تونس، احتجاج مي وملح في فلسطين، وغيرها من الحملات والحراكات التي نشأت افتراضيا وأثرت واقعيّا، أو تلك الّتي زاوجت ما بين الافتراضي والميداني.
وبالرغم من إتسام هذه التشبيكات الاجتماعية الافتراضية بالهشاشة الأيديولوجيّة وفي المرونة في تنظيمها - إن وجد من الأساس - إلا أنه يُحسب لها أنها استطاعت تكوين علاقاتٍ عابرة للأيديولوجيات، تتحدى البنى التقليديّة وتنتقدها، وتُعاقبها عند اللزوم، ولنا في الحملة الرئاسية لرئيس فرنسا الحالي إيمانويل ماكرون مثالا على ذلك، فما الرابط الأيديولوجي الذي جمع مصوتيه، المتأثرين اساسا من الحملة الجارفة التي كانت مواقع التواصل الاجتماعي إحدى باحاتها وساحاتها الأساسيّة، سوى النقمة على البنى التقليديّة والرغبة في اختيار الجديد، الذي يلائم احتياجات العصر، والّذي يحاكي النشطاء الافتراضيين في ساحات نشاطهم. النشاط الافتراضي بات حقيقة لا يمكن إنكارها، وان المجتمع المدني المنفصل عن الدولة قد توسعت مجالاته وقفز قفزة جديدة، ينشَطُ من خلالها، ويؤثرعلى البنى القائمة ويساهم في تغييرها.

08/08/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع