من الحُبّ ما قتل

عمر السعدي


كان يوسف يحلم ان يكون جنديّا منذ الصغر، فقد اعتاد كلما التقى باقرانه من فتيان الحارة الذين يلتمون ليلعبوا العابهم المحببة والمتداولة عندهم على البيادر مثل الغميضة والبيل والمنّه والطابة والكورة وخيل يا ربع ودب دبيب النمل والحيزه وغيرها. وبعد الانتهاء من اللعب يعمل على اصطفافهم في صف يمشي امامهم مشية عسكرية يخبطون بارجلهم حفاة على الأرض وفي اياديهم عصي يأخذونها من مركيس الحطب المكدّسة امام البيوت بواريد يقلدون بذلك ما كانوا يشاهدونه في معسكر تدريب لجيش الانتداب البريطاني المرابط على ارض القرية والقريب منها عندما كانوا يذهبون ليبحثوا عن مخلفات الجيش من معلبات بشتى أنواعها في براميل القمامة وما تطاله اياديهم من رزمات البوتاس والفشك فيه الرصاص والفارغ.
ظلت أحلامه تراوده وتلاحقه طيلة أيام شبابه ولم تفارقه رغم ضيق العيش وشظف الحياة وركضه وراء رغيف الخبز ولقمة العيش من قطرزة عند كبار الفلاحين، او التهريب بنقل الدخان في عتمة الليل من قرى الشمال وبضائع القماش ما يصلح منه للباس النساء والرجال من قرى جنوب لبنان. فقد ضاق ذرعًا من القطرزة وتجشم وعثاء السفر في الطرق الوعرة والجبلية وما تحمله من مجازفات ومخاطر.
غمره الفرح والسرور عندما زفّوا له خبر قبوله في قوّة حرس الحدود للانتداب البريطاني وكانت فرحة والدته كبيرة وعظيمة عندما اخبرها بالامر، فأطلقت زغرودة هزّت الحارة وعانق صداها عنان السماء ، تجمهرت النسوة وخرجت وردة مع والدتها من بيتها المجاور لبيت ام يوسف فشاهدوا النسوة يتجمعن حول ام يوسف تقف مع يوسف تغمرها البهجة والسرور نظرت وردة الى يوسف بتلهف ذهبت والدتها فعادت وردة وأغلقت الباب وراحت تنظر من فرجة في الباب وهي تلعن الزمن الذي تعيش فيه وكانت تتمنى لو تذهب لتصافحه وتشد على يديه بحرارة. انفضّت النساء وراحت ام يوسف احتفاء بالخبر وبيوسف اجهزت على اغلى شيء عندها من الطيور، على الديك.. نحرته وقالت، الجاجات خليهن للبيض للمصروف وبدبروا حالهن مع ديوك الجيران. خيّم الليل فصعدت العائلة على سطح البيت افترشوا الحصر وعلى ضوء القمر وتحت قبة السماء صعدت ام يوسف وعلى رأسها طبق فيه من القطين الشريحة مع سمسم وفول مسلوق وبليلة مع سكر وحمص محمص مع ملح استمرارا للاحتفال بالخبر.
انفضّ الأبناء من حولها  فانتهزت والدته الفرصة وكاشفته بما يجيش بداخلها من رغبة جامحة زواجه من وردة بنت الجيران، بنت أبو حسين بدت في حبور ونشوة وابتسامة عريضة غمرت وجهها الأسمر فقالت وهي تلملم شفتيها وتهيئ نفسها للحديث انشالله يمّا يا حبيبي لمّا تعود بخير وسلامه اعمل حسابك رايحين نفرح منك ونزوجك وردة بنت جيرانا. وردة عند اسمها وانت بتشوفها عاقلة وحلوة، ممشوقة مثل عود الحور، بتعبر من الخاتم شقرا ومثل القمر. بتقولّوا غيب تاقعد محلك. ومن لمّا خلقت هاي البنت وشفتها بحضن أمها مثل الملاك اسم الله عليها، قلت هاي من حظ يوسف، وانت اكبر منها بأربع سنين قلت لامها جارتنا ام حسين شو رايك يا ام حسين هاي البنت على حساب يوسف الله وكيلك يمّا ما خيبوا ظنّي ، وقالوا ان الله طوّل عمرها هي ليوسف، وريتها مبروكة من اليوم. ومن هظاك الوقت ظليت حريصة، ما خليتها تشم بزّي ولا تذوق حليبي حتى فطمتها أمها وانا فطمت اختك خديجة ولما كبرت ووعيت شوي وهيّاها صارت بنت خمسطعش وانا اوصيها ديري بالك يا وردة يا حبيبتي انت انشالله رايحة تكوني من نصيب ابني يوسف الشاب الأسمر الحليوة. كانت تبتسم وتخجل وترمي عينها بالأرض وهياها أهلها رافضين اخطبوها لحدا بستنوا فينا لما نطلبها اشعل كلام والدته لواعج الهوى في داخله وشعر بوهج انساب في احاسيسه ويسري في عروقه فردّ على والدته انشالله بصير خير.
نهض يوسف في الصباح، وكان السرور يدغدغه ، ودّع والديه وخرج مسرعًا ليلحق بسيارة الانتداب البريطاني العسكرية التي كانت بمهمّة لَمْ شرطة قوّة حرس الحدود.
اعتلى يوسف الحافلة ، وجلس على مقعد بين زملائه الشباب وركن  رأسه على زجاج نافذة الحافلة ، وارخى العنان لافكاره تسرح تائهة في صحراء ولهه الشديد ، استيقظ من شروده مع انتهاء رحلة الحافلة وتوقفها في احد المعسكرات. طال غياب يوسف وقضاها متنقلًا في المعسكرات البريطانية في فلسطين وشاءت الفرص ان يحتك ببعض العناصر من اليهود ويسمع عن كثب منهم طموحاتهم بالاستيلاء على فلسطين بتواطؤ حكومة الانتداب البريطاني وكانت زياراته لوالدته في فترات متباعدة وكانت خاطفة.
انتهت وظيفة يوسف في قوة حرس الحدود التي دامت سنوات مع اعلان الأمم المتحدة انهاء الانتداب البريطاني على فلسطين عاد يوسف يحتقن بداخله كرهًا لبريطانيا وحقدا لليهود ويحتضن عشقا وحبا لفلسطين. لم يمضِ وقت طويل على عودته الى القرية حتى اندلعت الاشتباكات بين المواطنين العرب مع المنظمات الصهيونية الإرهابية الاتسل والبلماخ والهغاناه ثم استعر لهيبها واشتد اوارها وتفاقم الوضع.
وذات ليلة جاءته والدته فرحه ومسرورة تستحثه على الزواج من وردة فهاجمته الكوابيس والهواجس وراح يئن ويرزح تحت وطأتها ويحترق بنارها نار ولهه وغرامه بوردة ونار عشقه وحبه لفلسطين ، وبات ليلته يتقلب على جانبيه وعيونه شاخصة الى السماء وفي الصباح تعالت صيحات تنادي بالنجدة تدفقت الفزعات من كل حدب وصوب و نهض يوسف وارتدى بزّته العسكرية تقلّد بندقيته وتحزّم بالكنانة قبَّل والديه وغادر القرية ليقضيها متنقلا من معركة الى معركة حتى آل به المطاف الى معركة كانت قاسية وضارية وحمي فيها الوطيس وطالت أياما قضاها مع لفيف من الشباب الثائرين المتطوعين ليواصلوا الليل بالنهار يتصدون بصدورهم لصد المهاجمين اليهود ينتقلون من متراس الى متراس ومن صخرة الى صخرة ومن حفرة الى أخرى، والقوات الغازية من الهاغاناه ترميهم بحممها. ظل على هذه الحالة حتى نفدت آخر طلقة فأصابته رصاصة الغدر يروّي دمه ارض فلسطين وكانت طلقته آخر طلقة اطلقت من فلسطين في الهزيع الأخير من ليل 30/10/1948.
  طال انتظار والدته وعيل صبرها فراحت تسأل كل راكب من المجاهدين والمحاربين. بكت وندبت ولطمت حزنا وألما على فراقه فتوشحت وردة بثوب الحداد غمرها الاسى واضناها الوجد فسالت الدموع مدرارة نضبت المآقي وذبلت العيون وغارت في محجريها جفت الشفاه فتآكلها السقم فاختفت نضارتها وشحب وجهها وخبا بهاؤها وذاب جسدها. باتت لا تعرف للأكل طعما ولا للنوم سبيلا اغمضت عينيها ورحلت رحلتها الابدية السرمديّة.
(عرابة)
09/08/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع