الحركة الوطنية الفلسطينية.. دروس وعبر:
كامل البديري أحد رواد الصحافة والكفاح المسلح في فلسطين (الحلقة 1)


إلياس نصرالله


محمد كامل بن وهبة الشافعي المقدسي البديري


*اغتيل عام 1923 أثناء رحلة لجمع السلاح في الجزيرة العربية*


مرّت في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 2016 الذكرى الثالثة والتسعون لاغتيال محمد كامل البديري، المعروف باسم كامل البديري، صاحب جريدة "الصباح" الفلسطينية التي كانت تصدر في القدس بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين في الحرب العالمية الأولى. وتنبع أهمية كامل ليس فقط من كونه أحد رواد الصحافة الفلسطينية الذين ينبغي الحفاظ على تراثهم فحسب، بل من كونه أول فلسطيني عمل على تنظيم مقاومة مسلحة ضد احتلال بريطانيا لفلسطين ورفض مشروعها الكولونيالي لإنشاء وطن قومي لليهود فيها، وناضل من أجل حصول الفلسطينيين على استقلالهم. لم يُحالف الحظ كامل فاغتيل غدرًا وهو يستنهض الهمم ويجند المقاتلين ويجمع السلاح في الجزيرة العربية من أجل هذا الهدف النبيل، ويبدو أن شح الوثائق المتعلقة بكامل وبالدور الذي لعبه على الساحة الفلسطينية في حينه كان السبب في عدم اهتمام الباحثين ومراكز البحث الفلسطينية وغيرها في إبراز كامل ودوره.
تستند ورقة البحث هذه عن كامل البديري على مجموعة من وثائق ومخطوطات تم الحصول عليها من المكتبة التابعة لوقف عائلة البديري ومقرها في البلدة القديمة بالقدس المحتلة، (وينبغي  مراعاة أن الأخطاء التي وردت في النصوص الأصلية المقتبسة تُركت كما هي حفاظًا على مصداقية النص)، بالإضافة إلى الاستناد على ما ورد عن كامل في مذكرات ابن عمّه الدكتور خليل البديري التي تحمل اسم "تاريخ ما أغفله التاريخ – ستون عامًا مع الحركة الوطنية الفلسطينية وفيها" الذي صدر عن "منشورات صلاح الدين" في القدس المحتلة عام 1982.
في هذه الورقة جرى التدقيق في الظروف التي أحاطت بفلسطين والبيئة التي عاش فيها كامل البديري وذلك من أجل فهم الدوافع الحقيقية التي دفعت رائد الكفاح الفلسطيني المسلح هذا إلى رفع البندقية والقلم في آن معًا دفاعًا عن وطنه وقضيته قبل عام 1923.
ما قام به كامل البديري دليل على أن الطبقة السياسية والمثقفة في فلسطين كانت مقتنعة، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وقبل حوالى 18 عامًا من ثورة عام 1936 الشعبية الفلسطينية، أنه لا حل لمشكلة فلسطين مع الاحتلال البريطاني ومشروعه لإقامة وطن قومي لليهود فيها سوى بالكفاح المسلح.


• خلفية اجتماعية وسياسية

ولد كامل البديري في القدس عام 1882 وفي رواية أخرى عام 1886، واسمه "محمد كامل ابن وهبة الشافعي المقدسي البديري"، وفقًا لمصادر عائلة البديري، وهي في الأصل عائلة جاءت من المغرب وسافر جدها الأكبر الشيخ محمد بن بدير بن محمد بن محمود بن حبيش الشافعي المقدسي لأداء فريضة الحج واستقر في القدس وتوفي فيها عام 1202 هجرية - 1787 ميلادية. والبديري ليست العائلة المغربية الوحيدة التي استقرت في فلسطين في ذلك الحين، فمنذ وصول الإسلام إلى المغرب على يد عقبة بن نافع في عام 670 ميلادية، كان الحُجاج المغاربة الذين توافدوا إلى تأدية فريضة الحج في الأماكن المقدسة لدى المسلمين في مكة والمدينة المنورة في الحجاز يُعرّجون على زيارة الحرم القدسي الشريف في فلسطين، وكانوا يجدون صعوبة في تأدية فريضة الحج والعودة سالمين إلى عائلاتهم بسبب بُعد المسافة وطرق المواصلات غير الآمنة وما يترتب على ذلك من مشاق السفر، فكان الكثيرون منهم يستقرون بجوار الأماكن المقدسة في مكة والمدينة المنورة والقدس، فنشأت لهم تجمعات وأحياء منها حي المغاربة في القدس القديمة في فلسطين الذي يعود تاريخ إنشائه إلى عام 902 ميلادية. ولم ينقطع وجود الفلسطينيين من أصل مغربي في القدس إلى يومنا هذا، رغم إقدام إسرائيل بعد احتلالها للقدس عام 1967 على تهجير غالبية سكان الحي وهدم منازلهم ومصادرتها، من دون أن تشفع لهم العلاقة الطيبة التي أقامتها العائلة المالكة المغربية مع الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل، وأصبح أبناء الجالية المغربية قديمة العهد في فلسطين جزءًا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني ونسيجه الاجتماعي، وما عائلة البديري إلا نموذجًا حيًا على ذلك. فكامل البديري هو ابن خالة الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس وزعيم فلسطين في عهد الانتداب البريطاني، وعمّه الشيخ موسى البديري كان قاضي القدس الشرعي خلال عقد العشرينات من القرن الماضي.
نشأ كامل البديري في بيت اشتهر بالعلم والمتعلمين، وتخرج من مدارس القدس الإعدادية ثم توجه إلى مدرسة الأستانة السلطانية في استانبول، وعندما توفي والده عاد كامل إلى القدس فعينته الحكومة التركية مديرًا لبلدة عبوين قضاء رام الله، ونقلته لاحقًا إلى عوجا الحفير غرب مدينة بئر السبع قرب الحدود المصرية. وخلال الحرب العالمية الأولى جرى تعيينه مفوضًا للحكم التركي على مدينة الرملة، وبعد احتلال البريطانيين للمدينة في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1917 اعتقلته القوات البريطانية، وفي هذا الخصوص روى الدكتور خليل البديري في مذكراته ما يلي:
"وظل ابن عمي هذا كامل البديري، الذي كان قد رُقي إلى قائمقام في الإدارة العثمانية، وفيًا مخلصًا للدولة العثمانية حتى انتهاء الحرب سنة 1918، وقد كانت له اليد الطولى في إلقاء القبض على الجواسيس اليهود المعروفين بالاخوة "نيلي" وعلى رأسهم أهرون أهرونسون وإعدامهم، ولما احتل الإنكليز فلسطين، وقد كانوا يكنون له الحقد والضغينة، حاولوا استمالته إليهم واستخدامه والاستعانة به لتوطيد نفوذهم في البلاد، فعرضوا عليه التعاون معهم في سلك الإدارة ولما رفض اعتقلوه ونفوه إلى الزقازيق في مصر وبقي معتقلًا هناك مدة تزيد على تسعة أشهر" (1).
لم تتوقف عائلة البديري عن المطالبة بإطلاق سراح ابنها كامل إلى أن وُفِقت في مسعاها بعد أن قضى في السجن تسعة أشهر. من ضمن الوثائق التي تم الاستناد عليها في هذه الورقة مسودتا رسالتين الأولى من عائلة كامل والثانية من زوجته، الرسالة الأولى باللغة الإنجليزية ومؤرخة في 11 أيار/مايو 1918، والثانية باللغة العربية مؤرخة في 30 أيار/مايو 1918 وقد أرسلت نسختاهما الأصلية إلى الجنرال إدموند أللنبي، قائد القوات البريطانية التي احتلت فلسطين في الحرب العالمية الأولى، تطلب منه الإفراج عن كامل من السجن. يشار إلى أن كامل تزوج في الخامس من حزيران/يونيو 1917 من فطومة بنت أحمد بدوي الخالدي التي لم يُرزق منها بالبنين. ووفقًا لأخبار يتناقلها أفراد عائلة البديري، أن كامل تزوج مرة ثانية من فتاة تدعى حنة أبو الشر من القدس، لكنه لم يُرزق منها بالبنين أيضًا.
وروى الدكتور خليل البديري في مذكراته أن كامل كان على علاقة سرًا بالحركة الوطنية العربية، لكنه كان في نفس الوقت متشككًا في نوايا الحلفاء الغربيين ومتخوفًا منهم، خصوصًا بعد أن سمع بوعد وزير المستعمرات البريطاني أرثور بلفور عام 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وأضاف الدكتور خليل البديري في مذكراته عن كامل  "وما أن أطلقوا سراحه وعاد إلى البلاد حتى انخرط في الحركة الوطنية وبدأ بالاتصال مع الحركات والشخصيات العربية التي شرعت تستعد لمقاومة الاحتلالين البريطاني والفرنسي هنا في فلسطين وسوريا" (2). ولم يفُت السجن من عضد كامل البديري وأطلق سراحه من السجن في نهاية شهر حزيران/يونيو 1918.
كان كامل واعيًا لمخطط سلخ فلسطين عن سورية الكبرى وإنشاء وطن قومي لليهود فيها، فمثل غيره من الوطنيين الفلسطينيين رفض هذا المخطط وعارض مشروع الوطن القومي لليهود، ودعا إلى ضم فلسطين إلى المملكة العربية تحت قيادة الشريف حسين وابنه الأمير فيصل الذي ما لبث في 8 آذار/مارس 1920 أن أعلن في دمشق عن مملكته بتأييد من الحركة الوطنية العربية في سورية الكبرى. وروى الدكتور خليل البديري في مذكراته أن ابن عمّه كامل كان يصطحبه  "في معظم تنقلاته، فقد قمت معه بزيارة دمشق أكثر من مرة وحضرت معه المؤتمر السوري العام الذي انعقد في دمشق في منتصف سنة 1919 الذي طالب بالاعتراف باستقلال سوريا الطبيعية بجزئيها الشمالي والجنوبي (فلسطين)" (3).
وتؤكد الوثائق التي تم الاطلاع عليها لمقتضيات هذا البحث أن كامل البديري كان منذ عام 1918 أحد رموز الحركة الوطنية الفلسطينية التي شكلت جزءًا لا يتجزأ من الحركة الوطنية العربية، ما يعني أن كامل لم يحتل مكانته المرموقة في صفوف هذه الحركة فجأة ومن دون مقدمات، بل كان من بين الوطنيين العرب الكثيرين الذين خدموا في الجيش التركي وإدارة الحكم التركية، لكن قلوبهم وعقولهم كانت مع الثورة العربية ضد الأتراك. وعندما أكتشف رموز هذه الحركة خداع بريطانيا لهم وتآمرها مع فرنسا على استقلالهم ووحدة أراضيهم وقفوا ضد مشاريعهما واحتلالهما لبلادهم فطوردوا، من ضمنهم كامل البديري والحاج أمين الحسيني وعارف العارف الذين نجحوا في الفرار من قبضة السلطات البريطانية واختبأوا عند قبائل شرق الأردن إلى أن صدر العفو عنهم لاحقًا في عام 1921.
وساهم كامل البديري في عام 1919 مع الحاج أمين الحسيني وأخيه فخري الحسيني واسحق درويش وابراهيم درويش وجميل الحسيني وعارف العارف والشيخ حسن أبو السعود في تأسيس النادي العربي في القدس فرعًا للنادي العربي في دمشق الذي ما لبثت فروعه أن انتشرت في باقي المدن الفلسطينية مثل يافا وحيفا ونابلس وذلك استجابة لدعوة من الملك فيصل الأول.
كان كامل البديري أحد مؤسسي المؤتمر العربي الفلسطيني الأول الذي تولى الدفاع عن الحقوق العربية في وجه الهجمة الإمبريالية البريطانية والفرنسية على منطقة الهلال الخصيب، ويلفت النظر لدى مراجعة الكتب والوثائق التي تتحدث عن تلك الفترة أن القيادة الوطنية الفلسطينية كانت تصر على انتماء فلسطين إلى الدولة العربية في سورية الكبرى تحت قيادة الملك فيصل الأول، ورفضت خطة تقسيم منطقة الهلال الخصيب، فيما عُرف بخطة سايكس بيكو السرية نسبة إلى وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا في عام 1915 مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، التي كشفها فلاديمير إليتش لينين، مؤسس الاتحاد السوفييتي، الذي عثر في عام 1917 عقب نجاح الثورة الاشتراكية في روسيا على نسخة من الوثائق المتعلقة باتفاق سايكس بيكو ضمن الملفات التي خلفتها حكومة روسيا القيصرية.
إلى جانب المؤتمر العربي الفلسطيني والنادي العربي برز النشاط الوطني لكامل البديري من خلال الصحف الوطنية التي تأسست في القدس بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين وبالذات في جريدتي "سورية الجنوبية" و"الصباح" التي أصبحت ليس فقط منبرًا للأقلام والشخصيات الفلسطينية، بل للشخصيات الوطنية في العالم العربي مثل الزعيم المصري سعد زغلول والسوري يوسف ياسين واللبنانيين شكيب أرسلان وهاني أبو مصلح. ولم يطالب الوطنيون الفلسطينيون ومن ضمنهم الحاج أمين الحسيني في حينه بالاستقلال عن سورية الكبرى، بل على العكس أصرّوا على انتمائهم السوري، بدليل أن الحركة الوطنية في فلسطين أصدرت في 8 أيلول/سبتمبر 1919 جريدة أطلقت عليها اسم "سورية الجنوبية" أي فلسطين، ودعت فيها إلى إنشاء دولة عربية مستقلة في كل أنحاء سورية الكبرى. صدرت هذه الجريدة في القدس باسم المحامي محمد حسن البديري، قريب كامل، وكان رئيس تحريرها عارف العارف وساهم في تحريرها الحاج أمين الحسيني وكامل البديري وآخرون. وهذا يفسر سبب مطاردة السلطات البريطانية لرموز الحركة الوطنية في فلسطين من ضمنهم كامل البديري. (يتبع)




صورة لمكتبة عائلة البديري في القدس القديمة



صورة لرسالة آل البديري إلى الجنرال أللنبي تطالب بإطلاق سراح كامل البديري

11/08/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع