ألكرسيّ


محمد علي طه


إيهِ أيّها الساحرُ الفاتنُ الجميلُ!
كم أرواحٍ أُزهقتْ في سبيلك ومن أجلك، وكم دماءٍ سالت وخضّبتْ ما حولك وما تحتك، وكم صداقات وُئدتْ، وكم قيمٍ أُهدِرَتْ، وكم وعودٍ أُخلِفَتْ، وكم عهودٍ نُقِضَتْ، وأنت أنت تبتسم ابتسامتك الغامضة، لا راحت عنك شدّةٌ ولا زارتك عافية.
  يسعى الطّموحون نحوك ويدفعون الدّم والعرق والمال ثمن تذكرة السّفر إليك. ينافقون، يتملّقون، يكذبون، يلحسون، يرشّون، يعانقون، يبتسمون، يضحكون، يبكون، ينوحون، يصفّقون، يرحّبون، يشتمون، يحنون رؤوسهم، يقبّلون أرجلك الأربع فكل شيء يهون في سبيل الجلوس عليك.
  أنتَ أنت لا تتغيّرُ ولا تتبدّلُ سواء جلس عليك ذو الجلالة الملك المعظّم أو ذو السّموّ أمير البلاد أو ذو السّيادة الرّئيس أو الوزير، أو ذو السّعادة السّفير، أو ذو الفضيلة المفتيّ أو القاضي، أو الرّجال الذين فوق فوق: ولاة، قضاة، رؤساء بلديّات ومجالس محليّة، مديرو مؤسّسات، عسكريّون، شرطيّون، مدنيّون، عميدو جمعيات علميّة وثقافيّة، رؤساء جمعيّات للعلت والخبيزة، نَوَرٌ، غَجَرٌ، عَجَمٌ، عَرَبٌ، بَرْبَرٌ، لا يهمّ. ما أن يجلس الواحد منهم عليك أيّها الكرسيّ حتى يتنكّر لأصله ولرفاقه ولأصحابه ولأهله، وتلتصق مؤخّرته بك ويعشقك ويهيم بك.
  قبل قرون من ميلاد السيّد المسيح اكتشف سحرك حكيمُ فرعونيّ فقال: عندما يصل الحاكم إلى كرسيّ العرش يفقد نصف عقله وعندما يفقد الكرسيّ يفقد النّصف الآخر.
  ماذا حدث لهؤلاء الحكّام عندما جلسوا على كرسيّ السّلطة؟ ماذا حدث للقذافيّ ومبارك وبن عليّ وعليّ الصّالح وساركوزي وبيرلسكوني وموشيه كتساف ونتنياهو وهلمّجرا؟ ألم يفقد الواحد منهم نصف عقله حينما قعد على كرسيّ الحكم؟
  كانوا ذات يوم بشرا عاديّين يأكلون الطّعام ويشربون مثل النّاس. يسيرون في الشّوارع ويجلسون في المقاهي ويرتادون دور السّينما مثل الآخرين.
  حينما أُجبروا على التّنحّي طار النّصف الآخر من العقل فتصرّفوا مثل المجانين بدون تفكير وبدون حكمة.
  يكون الواحد منهم وهو على كرسيّ السّلطة مالئ الدّنيا وشاغل النّاس (ولو بالكذب) فاذا ترك الكرسيّ مرغماً أصبح مثل سقط المتاع. لا أحد يسأل عنه ولا أحد يهاتفه ولا أحد يزوره ولا أحد يدعوه فيفقد النّصف الثّاني من عقله.
  حينما نظم الأمين بن هارون الرّشيد الشعر قال:
 نحن بني العبّاسِ            نجلس على الكراسي
  لم يفخر ابن الخليفة العباسيّ بأصله أو بعلمه أو بعلوم العصر أو بالآداب، بل افتخر بكرسيّ العرش لبني العبّاس ولم يدرِ يومئذ أنّ صراعًا دمويًّا سيدور بينه وبين أخيه المأمون على الكرسيّ وأنّه سيكون ضحيّة الصّراع.
  أبناء قتلوا آباءهم من أجل الكرسيّ.
  أخٌ ذبح أخاه من أجل الكرسيّ.
  أميرُ انقلب على والده الأمير وأطاح به ونفاه من أجل الكرسيّ.
  زوجات قتلن أزواجهنّ من أجل الكرسيّ.
  وصديقٌ تنكّر لتوقيعه من أجل الكرسيّ و.....
  ملعونٌ لعينٌ أنت أيّها الكرسيّ!!

الأحد 13/8/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع