التسلل الى الوطن (3):
حَبَل من وراء الحدود


تميم منصور


**إنكسر الحاكم!
أنجبت أم سليم طفلة وقد علم زوجها بولادة طفلته، أرسل لها المال عبر أحد المتسللين، وبعد سنتين حملت ام سليم مرة أخرى، وقد قصت أم سليم قصتها التي أصبحت من نوادر القرية، أنها هي تسللت وذهبت الى زوجها في بلدته وراء الحدود، فقد كان التسلل هذه المرة عكسيًا، مكثت عنده خمسة أيام ورجعت، حيث كان والدها وإخوتها يعرفون بذهابها، لقد أصبح حملها عاديًا، لم يعد الحاكم العسكري يسألها، وقصتها أصبحت نكتة في البلدة.



مضى أسبوع على رجوع أبي سليم سالمًا بعد عملية التسلل التي قام بها الى قريته، وطنه، لكن زوجته أم سليم بقيت في حالة خوف وقلق والنار تشب في قلبها وروحها المشتتة، بذلت كل ما في وسعها لتقصي ومتابعة أخبار القرية، لعل هناك إشارة أو كلمة تدل على وجود زوجها، كانت تصغي لأحاديث الناس في القرية، لعل خبر استشهاد زوجها ينتشر، خاصة أن أجهزة الأمن الإسرائيلية كانت عندما تقتل المتسللين تُبلغ مختار القرية ويطلبون منه الدفن بسرعة وفي منتصف الليل.
أصبحت غاية أم سليم التأكد من سلامة زوجها، طلبت من ابنها سليم سماع أخبار المتسللين لعل أحدهم يحمل أخبارًا، ثم توجهت الى إمام المسجد كي تستفسر منه عن هذا الأمر، وعندما رآها قادمة عدّل من عمامته ووضع يده على طرف ذقنه الطويلة بشكل غريزي وأخذ يُسبح بمسبحته وقد ظن بأنها جاءت لطلب المساعدة المادية، لأنه كان دائمًا يستجير بالمصلين لتقديم المساعدة للمحتاجين، سارع بالاعتراف أنه مقصر معها ومع أطفالها ، لكن أم سليم ردت عليه بخجل:
-         لا يا سيدي الشيخ والله مستورة معانا، لكن جاي أسألك اذا سمعت عن مقتل متسللين في المنطقة.
استغرب سؤالها وقال: 
-         استغفر الله يا بنتي.. فال الله ولا فالك، ليش هو أبو سليم كان متسللا عندكم؟. والله ما سمعت شي يا عمي!
 لقد شعرت ام سليم بنوع من الاطمئنان وعادت الى بيتها، وقد تسللت الى صدرها ريح دافئة أنعشت روحها وطردت حزنها.
بعد مرور شهرين بدأت تظهر عليها علامات الحمل، اعتبرت هذا الحمل لعنة وفضيحة أمام أهلها وجيرانها وسكان القرية، ماذا ستقول لهم ؟ عتبت على أبي سليم الذي تركها في مهب رياح الفضيحة والعار، وأخذت تتساءل هل سيتذكر زوجها ما قام به ؟ أم سينكر ويتهمها بالزنا ؟.
لقد وجدت نفسها بين نارين، نار الفضيحة، هل سيصدق والدها وإخوتها وسكان قريتها أنها حامل من زوجها ؟؟ ونار الخوف من الحاكم العسكري حيث نار السجن لأنها تسترت على متسلل، ولأن حمْلها سيكون الشاهد عليها.
كيف ستخرج من هذا المأزق، أخذت تبحث عن خيار ثالث بعيدًا عن السجن والفضيحة هو التخلص من الجنين بكل الطرق، لكن أي محاولة اجهاض قد تودي بحياتها، عندها سيصبح أطفالها الخمسة مشردين لن يقبلهم أحد حيث الفقر يعض بأنيابه جميع الناس.
عاشت الليالي وهي تفكر، وقد وصلت الى قرار أن السجن أفضل من الفضيحة وذل العار الذي سيلبس عائلتها ويكلل رأسها بأشواك القال والقيل.
أبلغت والدها وإخوتها بالحقيقة، قامت بتفريغ لياليها السوداء وحَيرتها ودموعها في جعبة والدها الذي تفهم وضع أبنته ولم يقم بلومها مثلما لامها شقيقها الأصغر، بل صرخ والده بوجهه محذرًا من لوم اخته، قام بمعانقتها وهدأ من روعها.
كيف علم الحاكم العسكري بأمر الحمْل، بقدر ما كان التكتم على الموضوع الا أن بطنها بدأ يكبر، وهي تعرف المثل الشعبي لا يمكن إخفاء (الحب والحبل والركب على الجمل) لذلك كان الاستدعاء الى مكتب الحاكم امرًا متوقعًا.
عندما طلب منها الحاكم العسكري توضيح أمر الحمْل ترددت، خافت من السجن، عرف الحاكم ماذا يدور في نفسها، قال لها أنت زانية؟ أجابت أنا حبلت من زوجي..! ضحك قال يعني كان متسلل..!! لازم انت تنحبسي توخذي جزائك.. حتى يتعلموا المتسللين انو عيالهم رهائن عنا.
تدخل المختار وبعض الوجهاء لدى الحاكم العسكري لمنع سجن أم سليم، واعتبروا سجنها عارًا على المجتمع العربي، وهي لم تذنب فقد تسلل زوجها دون علمها.
أنجبت أم سليم طفلة وقد علم زوجها بولادة طفلته، أرسل لها المال عبر أحد المتسللين، وبعد سنتين حملت ام سليم مرة أخرى، وقد قصت أم سليم قصتها التي أصبحت من نوادر القرية، أنها هي تسللت وذهبت الى زوجها في بلدته وراء الحدود، فقد كان التسلل هذه المرة عكسيًا، مكثت عنده خمسة أيام ورجعت، حيث كان والدها وإخوتها يعرفون بذهابها، لقد أصبح حملها عاديًا، لم يعد الحاكم العسكري يسألها، وقصتها أصبحت نكتة في البلدة.
بعد عدة سنوات توسط الوجهاء للم شمل الاسرة، وفعلًا نجحوا بذلك ورجع أبو سليم الى قريته التي استقبلته استقبال الأبطال، فهو لم يخرج من البلدة، كان أولاده يولدون الواحد تلو الآخر.
عندما التقيت به كان عجوزًا لكن يملك روح الدعابة، وكانت أم سليم دائمًا الى جانبه يجلسان أمام بيتهما، حتى أصبحا معْلمًا من معالم التحدي للحكم العسكري والتصميم على أن لا شيء يوقف الحياة.
 وعندما سألته كم من الأولاد أنجبت من وراء الحدود أجاب أربعة..! وتابع بخفة دمه المعهودة، لو بقيت هناك أكثر كان خلفت عشرة.. يعني بدو يمنعوا نسلي.. مستحيل!!!

الأحد 13/8/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع