التربية والتعليم العربي بين المطرقة والسّندان


إلياس خليل نصرالله


** سياسات الحكومات
جهاز التعليم العربي يخضع هرميا وبنيويا لهيمنة مباشرة ومطلقة لسياسات كل الحكومات وجهاز الأمن العام، يدأب باستمرار بفرض مناهج تعليم تشكك وتُغيب قيم الانتماء والاعتزاز القومي الفلسطيني. أدت استمرارية تطبيق هذه السياسة الى تفاقم مستمر ولأزمة مستمرة في كافة مستويات ومركبات جهاز التعليم العربي في البلاد. عانى وما زال يعاني هذا الجهاز من ظواهر التدني المستمر ومعاناته من سلبيات هدامة مسؤولة عنها الحكومات منذ قيام الدولة حتى يومنا هذا



التربية والتعليم هما عملية ضرورية ومستدامة لبناء وتطور الانسان. فهما الوسيلة التي تساهم بشكل فعال في كشف، تنمية قدرات الفهم العقلاني المتزن، والتحليل والتكيف لمواكبة الحداثة وروح العصر لتتحقق مقولة أفلاطون "إن وظيفة التربية بأن تُضفي على الجسم والنفس كل جمال، كمال، اتزان وتناغم وانسجام في شخصيته". ويؤكد الباحث" جون ديوي" بأن " التربية هي عملية تكيف وتأقلم بين الفرد وبيئته المتغيرة باستمرار". إن كل منظومة تربوية وتعليمية تتقوقع في نقل وتلقين المعرفة، دون الاهتمام بتنمية إمكانيات تطويرها، حتلنتها واستخدامها لكي تساعده في التعامل مع تحديات الواقع، ستحمل معها الشلل في كافة المجالات والصعد .برأيي سيكون من المحال إنجاز ذلك،بدون عصرنة مضامين، أهداف،رؤيا التربية والتعليم وأساليبه . إن دراسة وتحليل مضامين كتب التدريس (خاصة في عالمنا العربي)، يتطلبان غربلتها وتطهيرها من كل المواد والمضامين الغيبية، المتزمتة والمقولبة التي تعيق مواكبة روح العصر . لذا يجب استبدالها بمناهج ومساقات متزنة عقلانية وودية لتقوم بالتربية على منهجية التحليل، الاستنتاج، المقارنة، الاستدلال والتناظر( بدل النقل، التلقين).إن ما يميز أساليب التدريس في عالمنا العربي أسلوب المحاضرة والتلقين والتي من سلبياتها كَوْن المتلقي في أحسن الحالات سامعا سلبيا، ممِلة له، تحرمه إمكانيات التمعن الشك والنقد، كما أنها لا تُراعي الفروق الفردية بين الطلاب، ولا تساعدهم في كشف مواهبهم.
 إن ما يميز الكثير الكثير من مدارسنا الفجوة الواسعة بين المنشود التربوي والواقع الفعلي. مثلا نتحدث في مدارسنا عن نمط تربية حديثة وديمقراطية وإنسانية، الا أننا في التطبيق نتنكر لذلك . لقد أثبتت الأبحاث والتجارب،أنه يستحيل تحقيق جهاز وأهداف تربوية وتعليمية بنّاءة، الا اذا توفرت فيه أجواء المحبة، الدعم الإيجابي والتشجيع للمٌتَعلِم لتكوينه بنسق متكامل وشامل في كل المستويات الجسمانية، الفكرية، الجمالية، الخٌلقية والمهنية. فكل مناخ تربوي - تعليمي، يسوده العنف، الضغط، الكبت، النَهْرْ والزجر، التعامل مع الطلاب بتجريح وسُخرية،ستكون نتائجه وخيمة، لانها تؤدي لتحطيم شخصية الطالب، إرباكه، إحباطه،قهره وقمعه، خنوعه، انصياعه، تملقه . اذا يستحيل نجاح منظومة تربية وتعليم، الا في أجواء ومناخ، قوامه المحبة، التفهم، التقبل، التعاطف، التسامح والتقدير والمشاركة (ان كل تربية تربي للمشاركة فإنها ستذوت وتعزز في طلابها المشاركة، بينما تربية العنف ستولد العنف).
تلعب شخصية المربي،بأقوالها، أفعالها، مواقفها، فلسفتها، تطلعاتها وأسلوب تعاملها - الدور المركزي والفاعل في نجاح عمليتي التربية والتعليم لتأثيرها المحوري على شخصية الطالب،بصورة واعية أو لا واعية.إن من مزايا المربي الناجح إحساس ومعايشة طلابه تعامله الانساني لهم.أضف لذلك قدراته، وبراعته بإكساب طلابه مهارات متعددة مثل: تشجيعهم على حب الاستطلاع والتعطش للمعرفة، تدعيم ثقتهم بأنفسهم، مساعدتهم في كشف مواهبهم وإبداعاتهم، تنمية استقلالية فكرهم، وتنمية حريتهم في التعبير والنقد، و تفهم مشاكلهم وتعاونه معهم لتوفير الحلول المناسبة لها (عليه الابتعاد عن إسقاط الحلول الجاهزة). المربي الناجح هو القادر على التعامل مع طلابه بأن لكل واحد منهم عالمه الخاص، فيُصبِح عندها قادرًا على احترام الفروق الفردية بينهم، وتفهم لغة جسدهم وهفوات لسانهم.أضف ايضا، لعوامل نجاحه في مهامه التربوية والتعليمية تمكنه من تطبيق أساليب تعليم بديلة: التعلم عن طريق البحث العلمي، الحوار، النقاش والحجاج، الانفتاح للإجابة على تساؤلات طلابه وتحليه بالجرأة والصراحة بالرد :أنا لا أعرف الجواب للسؤال .
لكن تؤكد الابحاث ان نسبة القراءة والمطالعة لدى المعلمين العرب شبه معدومة، (حتى هناك من يتفاخر بعدم مشاهدته نشرة أخبار أو مطالعة صحيفة) كما أن أعدادا لا بأس بها من كادر المعلمين لا تتجاوز معلوماته ما هو مكتوب في كتاب التدريس. وتؤدي هذه النقاط لإسقاطات سلبية على سيرورة العملية التربوية والتعليمية.
 وأخيرا تتطلب التربية الناجعة والفعالة بأن تُخطط، وتنفذ كل مدرسة فعاليات لا منهجية هادفة، مثل المناقشة والتفاعل مع أحداث الساعة، دورات إبداع، رحلات نشاطات اجتماعية وفنية . للفعاليات اللامنهجية الأهداف البناءة المتعددة:منها: توفيرالمنبر المفتوح للطلاب لكشف مواهبهم إبداعاتهم، خلق أجواء تعليمية بعيدة عن الرتابة والسيزيفية. كما انها تساهم في تحقيق وتدعيم التماسك، التكامل الاجتماعي والوحدة الوطنية والقومية،والمجتمع المدني المرتكز على السِلْم الأهلي.
 لكن يستحيل تغفيل التأثير السلبي والهدام المتراكم منذ قيام الدولة وحتى يومنا هذا، للسياسة الممنهجة لحكومات اسرائيل على جهاز التعليم العربي بكل مستوياته وتنفيذه قصدا سياسة تمنع، تعيق وتعرقل الكثير من مقومات التربية والتعليم الصحيح. يوجه هذا التعامل الإنكار بأن العرب أقلية قومية أصلانية، وتعريفهم كملل ونحل. ان جهاز التعليم العربي يخضع هرميا وبنيويا لهيمنة مباشرة ومطلقة لسياسات كل الحكومات وجهاز الأمن العام، يدأب باستمرار بفرض مناهج تعليم تشكك وتُغيب قيم الانتماء والاعتزاز القومي الفلسطيني. أدت استمرارية تطبيق هذه السياسة الى تفاقم مستمر ولأزمة مستمرة في كافة مستويات ومركبات جهاز التعليم العربي في البلاد. عانى وما زال يعاني هذا الجهاز من ظواهر التدني المستمر ومعاناته من سلبيات هدامة مسؤولة عنها الحكومات منذ قيام الدولة حتى يومنا هذا. هناك اعتراف كامل من كل قوى الخريطة السياسية بالنسبة للتمييز الصارخ في الميزانيات بين التعليم العبري والعربي. ولقد نجم عن هذا الوضع فجوة شاسعة تتسع باستمرار بين الجهازين منها :النقص في غرف التدريس، نسب التسرب العالية للطلاب، نقص في البنى التحتية وعدم مواكبة،عصرنة وتحديث جهاز التعليم العربي، تفاوت واضح في نسبة الحاصلين عَلى شهادة البجروت، تدني التحصيل، الفجوة الواسعة في التعليم المهني والتقني. كما أن التدني في جهاز التعليم العربي أثر وما زال يؤثر عليه عوامل اخرى والتي ترتبط بتطبيق سياسة التجهيل القومي، عدم توفير حكم ذاتي لجهاز تعليم وتربية عربي . ونقف على هذه الظاهرة من خلال التجاهل المبرمج والمدروس لمضامين المناهج وكتب التدريس لتفريغها من السردية الفلسطينية وفرض السردية اليهودية عليها. من الطبيعي ان من يخطط للأسرلة والعدمية القومية سيتعامل بسياسة "العصا،والجزرة" في طرحه للنقاش موضوع النكبة والأرض والمسكِن مع طلابه . وكيف يمكن تحديد وتحقيق مناهج و مضامين التعليم، إذا انحصرت مشاركة النخب التربوية العربية في المستوى الشكلي والهامشي . وكيف سيتمكن جهاز تربوي مؤسس على التجزئة المؤدلجة والمصطنعة للتعليم العربي لقطاعات مختلفة، هدفها، ترسيخ الطائفية والفئوية، لتحقيق سياسة " فرق تسد". كان وما زال التعليم العربي يعاني من ظاهرة عدم اختيار المدرس، او الطاقم التربوي وجهاز المراقبة من منطلقات مهنية تربوية انما بمعيار درجة تناسبها طرديا مع الولاء للسلطة المركزية وايضا السلطة المحلية.من العوامل لزيادة التدهور في جهاز التعليم العربي، انخفاض إمكانيات جذبه نخبة من الطلاب المتفوقين، ولهذه الظاهرة إسقاطاتها السلبية عليه . والتفسيرات لهذه الظاهرة متعددة: منها الرواتب المنخفضة في جهاز التعليم، تدني مكانة المعلم، وتكبيل استقلاليته وايضا توفر الفرص لاكتساب مهن مستقلة ومربحة.
 إن التحديات والإشكاليات والمعضلات التي تواجه آنيا التعليم العربي، تتمحور في محور عدم استخلاص العِبر من الفشل، إنما التمادي المحموم في تحقيق الأسرلة من ناحية، وطمس وتغييب الهوية القومية الفلسطينية لدى الطالب العربي. وخير مثال لهذا النهج نجده في حتلنة كتاب المدنيات" أن نكون مواطنين في اسرائيل". واجه هذا الكتاب النقد العميق من قبل قوى عربية وايضا قوى يهودية تقدمية لإصراره تهميش كل ما يتعلق بالسردية العربية من ناحية، وإنتقائه، بل توليفه المصطنع والمتنكر للأسس العلمية للعلوم السياسة، فنجده يتبع نهج اختيار من كل بستان،فكرة سياسية تدعم شرعنة استمرارية التنكر والتهميش للأقلية العربية في البلاد، وتوسيع وترسيخ الفكر القومي اليميني والديني المتطرف. ولتحقيق هذه الأهداف أسندت مهمة تحضير الكتاب لباحثين من اليمين الديني المتطرف. وسأذكر هنا فقط إثنين كان لهما حصة الأسد في تقرير مضامين هذا الكتاب. الاول هو كاتب دراسة بعنوان "لا يستحق كل شعب إقامة دولة"، ونجده يُشكك في دراسته هذه بحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة . أما الثاني فهو صاحب اقتراح "قانون الدولة القومية للشعب اليهودي".



(شفاعمرو)

الأحد 13/8/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع