(نص باللغة المحكيّة)
رُخام


هشام نفاع


"بومة الموت" لبابلو بيكاسو (1952)



**رحلتك باردة
"ومالو العفن والرطوبة. شوف شو صار فيك. تطلّع على ايش انتي طاير، على بلاطة بتذكّرك في سكينة. روحك طلعت وحلّقت وطارت بس هياك رجعت لهون تحكيني عن بلاطة وسكينة. ولحمة وبصل وجزر وبراد ابيض جديد.. رحلتك كلها باردة، نهايتها باردة، سرعتها مالسة. انتي طرت بس ما وصلت على محل. طلعت وطرت بس بعدك هون محلك معي في هاي الغرفة العفنة الرطبة الباردة..."


يجلس حبيب الحياة على كرسي خشبي ويقرأ في جريدة، بغير تعمّق. لا يجيب ويكتفي بنظرة بطيئة باتجاه هذا الذي  يدخل مسرعا فرحا صاخبا ويصرخ..

مرشح الموت (سنشير اليه بـ م م) يعلن: اشتريت البلاطة. لاقيتها. بتتخيّلش. لاقيتها! في آخر محل ممكن تتخيّله. في بيت عتيق قرروا يهدّوه عشان يعملوا محله بنك. ولاي ملاّ بلاطة..

حبيب الحياة (سنشير اليه بـ ح ح) يردّ بدرجة متوسطة من اللامبالاة: بلاطة؟...

م م: بلاطتي. نعم! البلاطة اللي دايمًا كنت أحلم فيها. مالسة، عريضة، قاعدة. شو احكيلك. زي تخت الحب اللي بتتمناه. زي تخت الحب اللي بتمناه كل مراهق وهو يتخيّل ويتقلّب ويتفلّت ومتخبي وحاشر حاله في فراشه وعينيه تتلفت من الباب لحالو ومن حالو للشباك وذنيه زي ذنين الكلب لولا شوي بدها تتحرك شمال يمين فوق تحت وتنشلع من محلها وتبلع أي صوت حتى لو كان عطسة نملة.

ح ح: عطسة نملة؟ بلكي كمان قحة صرصور؟ أو تمخيطة فراشة. او فرقعة عظام هسهسة بتتجبد بعد وجبة دم.

م م: مالسة. مالسة زي أحسن خنجر. زي أحسن سكينة في مطبخك. بتقص خبز وبصل. بتقص لحمة بعظمها. مفاصل ضلاع شي حيوان. خروف عجل خنزير شو ما بدك. بتقصّ كابل ثخين ملان أسلاك حديد ونحاس. سكينة بتعرفش اذا انعملت لمطبخ ولا لمسلخ ولا لشارع ولا لمعركة تحط فيها السكينة على جنبك ولما يخلص الرصاص معك تهجم على الموت. تخيّل إنك تهجم على الموت وسكينة بإيدك تطعن كلشي بطريقك لحد ما تنهي وتنتهي وتفتح لحالك طريق كلها دم وجثث وصراخ وجعير. تفتح طريقك لموتك بايدك بسكينتك.

ح ح: طيّب طيّب.. والبلاطة وينها؟

م م: رطبة باردة زي مي مسقعة في نص الحَمّ وعز الصيف بتسحبها من براد كبير ابيض بلمع مش مستعمل جابولك اياه العمال من اكبر دكانة كهربا في المنطقة لحد البيت.. أيّا لحد البيت، لحد الباب، فوتوه لجوّا، عالمطبخ. ابيض بلمع جديد طاهر مش مستعمل. المطبخ المنيح بملّيك انتماء وحنيّة وروح ودفا.

ح ح: لحظة شويّ شويّ في مشكلة هون. برّادك مش عملي اذا انتبهت. برادك دافي، حنون، بنفع للحب للتضامن للدعم. بس لأ.. اسمحلي. هذا كلو ما بنفع للتبريد. الدفا والحنيّة والى آخره هي العكس، هي النقيض التام للبرَاد وللبرّاد. اذا كان برادك دافي فمش رح ينفع للحمة اللي بتقصها بسكينتك الماضية المالسة زي بلاطتك. بينما برّادك القديم كان رمادي ما بلمع بس بارد.

م م: آ البلاطة اللي ولا حدا شاف ولا رايح يعيش تيشوف زيها. بلاطة زي السكّينة، زي السكينة اللي بتنزل عليك من السما، على رقبة روحك بالزبط.. بكل دقة، بكل سرعة بكل حدة، بس بكل هدوء.. بتنزل مرة وحدة، مش ممكن تحس، روحك مش ممكن تخلي لحظة لجسمك تيحس. مش رح يلحق جسمك يلفظ ولا كلمة ولا نقطة دم ولا صرخة ولا نفس.. إنتي في هاي الغرفة اللي ماكليتها الرطوبة مش ممكن تتخيل هاي البلاطة.

ح ح: دقيقة دقيقة.. هاي ثاني مرّة. ليش بتحكي عن البلاطة وكإنها سكينة.. ليش فتت زي العاصفة الهوجا تصرّخ عالبلاطة، ولما توصفها ما بتركز الا في السكينة. شكلك مش مقتنع في البلاطة. يمكن في اشي جوّا فيك، جوّا جوّا بعرف انك مش متأكد. في شك عمبتحاول تقتله عشان تقنع حالك وتقنعني انو هاي هي بلاطتك. انتي اكيد عمتكذب على حالك.

م م: إنتي اللي شكلو عفن هاي الغرفة اللي أكلتها الرطوبة أكل مخك. بطلت تقدر تشوف اوسع من هذا الشباك المخنوق. روحك مخنوقة زيّو، مخّك انسجن مؤبد جوّا جوّا في العفن..

ح ح: ومالو العفن والرطوبة. شوف شو صار فيك. تطلّع على ايش انتي طاير، على بلاطة بتذكّرك في سكينة. روحك طلعت وحلّقت وطارت بس هياك رجعت لهون تحكيني عن بلاطة وسكينة. ولحمة وبصل وجزر وبراد ابيض جديد.. رحلتك كلها باردة، نهايتها باردة، سرعتها مالسة. انتي طرت بس ما وصلت على محل. طلعت وطرت بس بعدك هون محلك معي في هاي الغرفة العفنة الرطبة الباردة. هاي الغرفة اللي مش ممكن بعد هالعمر فيها أقعد إسا أنفعل من بلاطة.. بلاطة؟ بلاطة مالسة وباردة؟ هاي هي حياتك؟

م م: بتعرف شو الفرق بيناتنا.. انو انتي حتى بلاطة مش رح تلاقي. مش إنو بلاطة باردة ومالسة، ولا حتى صخرة خشنة مغبره ملانه تراب ميبّس زي حلق واحد ضايع في الصحرا.. خليك هون في عفنك، انبسط بهدوءك وراحتك، بس بلاطتك رح تنغّص عليك كل عمر نهايتك.. كيف بدك ترتاح في موتك؟...

ح ح: مليون مرة حكيتلك، إنو موتي ما بعنيني. مثل إجري. مثل طيزي. أنا مش رح التقي مع الموت ابدًا. لما اترك الحياة او تتركني مش رح أصادف الموت. رح انتقل للعدم مرة وحدة. بلا واسطة الموت تبعك. وبدون بلاطة.

الأحد 13/8/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع