وقالَ لي(1)(2)


فريد غانم


**شيخِ التَّصوُّفِ
النِّفَّري، نسبة إلى مدينة "نِفَّر" في العراق، التي يُعتقدُ أنّها في الأصل مدينة "نيبور" السّومريّة، مدينة الإله "إنليل" (إله الهواء، قبل حوالي أربعة آلاف عام). تُوفّي النّفّري في العام 965، وقد لفّ النّسيان والإهمالُ كتاباتِه على مدى أكثر من 900 عام، رغم تأثّر الصّوفي ابن عربيّ به، إلى أَنِ انتبهَ إليه أحدُ الباحثين الأجانب في ثلاثينيّات القرن الماضي.


 
1. في الجَمَال
 
قلتُ: مَا الجَمَالُ؟
فقال لي: هو المُستحيلُ الواقعيُّ. هُوَ كُحْلُ الوَتَرِ على أَناملِ عازفِ قيثار. هو انفجارُ الدّهْشةِ على خَصْرِ حُوريّة. هو انسِكابُ قارورةِ عِطرٍ على أنينِ نَايٍ. هو احتشادُ الغاباتِ في عينَيْن. وهوَ سَفَرُ الوقتِ في دائرةٍ مُعلّقةٍ على جدارٍ قاحلٍ.
قلتُ: وماذا كذلك؟
قالَ: هو اجتماعُ ما لا يجتمِعُ، في لحظَةٍ عابِرة.
قلتُ: وكيفَ نُعرِّفُ الجَمالَ، إذَن؟
فقالَ لي: وكيفَ نُعرِّفُ الماء؟



2. قبيلةٌ
 
وقال لي: ما تزال القبيلةُ تقومُ في فراشِنا وتنام.
قلت: ولماذا نأكلُ الأسنانَ ونرمِي الشِّفاه؟(3)
فقالَ لي: ألستَ ترى داحسَ والغبراءَ في كلِّ عُرسٍ من أعراسِنا ؟!


 
3. في الحُبّ
 
قلتُ: وما الحُبُّ؟
فقالَ لي: الحبُّ هو العَطاءُ.
قلتُ: وكيف يأخذُ المُحِبُّ حين يُعطي؟
فقالَ لي: فتّشْ عن العُمْقِ في الرّمادي.
ثمّ قالَ: هَبْ نفسَكَ لغيرِك، تلْقَها بين يدَيْك؛ وابحَثْ عن فرحتِكَ الضّائعة، فلَنْ تعثرَ علَيْها إلّا حينَما تمسَحُ دمعةً عن وجهٍ بعيدٍ وترسمُ بسمةً على شفتَيْن غَريبتَين.



4. في الحَرب
 
 قلتُ لَهُ: وما الحَربُ؟
فقال لي: هي بيعُ الفقيرِ تكاليفَ ذَبْحِهِ.
قلتُ: وما السّلامُ، إذن؟
فقال لي: هو وقتٌ مُستقطَعٌ بين حربَيْن.
ثمَّ قال: ليسَتِ العداواتُ صِدامًا بين ضِدَّيْن.
إنّها دماءُ العُقودِ بين الأثرياء.
وفي الجِوارِ كانت جيوشُ النَّملِ ترقصُ فوقَ جُثّةِ فيلٍ أحرقَهُ الجَفافُ، وتسحبُهُ إلى مخدَعِ الأميرةِ المُتْخَمَة.


 
5. حجارة
قلتُ لَهُ: أما نزالُ لقمةَ مدفع(4)؟
فقالَ لي: ما زِلنا وَقودَ الحِكاياتِ التي أتعَبَتنا وما تعِبَتْ؛
تموتُ العصافيرُ كلّما أفَاقَتْ كي تُشيِّدَ صوتًا للصّباحاتِ ونَبْضًا للشّجَر.
قلتُ: وكيفَ السّبيلُ إلى الخروج؟
فقالَ لي: حين نكفُّ عن كسْرِ إيقاعِ الزّمانِ بأوثانِ المكان، أو حينَ نستعيدُ اللهَ الذي فينا فَلا نُقبِّلُ خشَبَ الخُرافاتِ ولا نسجُدُ للحَجَر.



//هوامش وإضاءات:


1. احتِراسٌ: النّزاهةُ، بما فيها الأدبيّة، تقتضي أنْ أوضحَ أنّ تَقنيّةَ "وقالَ لي..." المُعتمدة هُنا هي تقنيّة مُستعارةٌ من شيخِ التَّصوُّفِ محمد عبد الجبّار النِّفَّري الذي تحوَّلت جُزازاتُهُ البليغةُ إلى كتابٍ بديعٍ (أو كتابَين بديعَيْن) تحتَ عنوان "المواقفُ والمُخاطبات". وفيما هو يتحدّثُ عن مخاطباتِه ومواقفِه شبهِ المُستحيلة، مع الله (الألوهيّة)، أو قلْ فيما هو يحكي عن التَّجلّيات الإلهيّة في غيابِه، فنحنُ إنّما نتحدّثُ عن آدميِّين، من لحمٍ ودَمٍ. وقد استخدمت تقنيّات قريبة على طول التّراث العربيّ الإسلاميّ أيضًا.
إنّما أخَذْنا منه ومنها التَّقَنيَّة.
غيرَ أنّنا نتمنّى أنْ نطبّق مقولتَه الشّهيرة: "كلّما اتّسعَتِ الرُّؤية، ضاقَت العِبارة". (فريد غانم)
2. النِّفَّري، نسبة إلى مدينة "نِفَّر" في العراق، التي يُعتقدُ أنّها في الأصل مدينة "نيبور" السّومريّة، مدينة الإله "إنليل" (إله الهواء، قبل حوالي أربعة آلاف عام). تُوفّي النّفّري في العام 965، وقد لفّ النّسيان والإهمالُ كتاباتِه على مدى أكثر من 900 عام، رغم تأثّر الصّوفي ابن عربيّ به، إلى أَنِ انتبهَ إليه أحدُ الباحثين الأجانب في ثلاثينيّات القرن الماضي.
3. هو تحويرٌ لعبارةٍ للشّاعرِ الأميركي الشّهير (من أصلٍ يوغوسلافي) تشارلز سيميك: "البطّيخُ؛ نأكلُ الشّفاهَ ونرمي الأَسنان".
4. مقولةٌ شهيرةٌ للمسرحيّ الألماني بيرتولد بريخت.

الأحد 13/8/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع