حقيقة


فريد غانم


** أكادُ أفهمُ
حينَ يتراجعُ الأزرقُ الرّهيفُ من وجهِ السّماء، أمام زحفِ دُخان القرابين، حين ترتفعُ موسيقى ارتطامِ الصّحونِ بالصّحون في المطاعم والمقاهي، ويرتدي الجمهورُ شفاهًا شديدةَ الانفراج، ليسَت له،
حينئذٍ أكادُ أفهمُ لماذا يتناسلُ النّاطقون باسم الله، كلّ دقيقة، ولماذا ما يزالُ قابيلُ يقتلُ هابيل.



مِثلَ فَرَسِ النّبيِّ، يركضُ نحوَ العِناقِ الأخيرِ بين أنيابِ معشوقتِهِ،
مِثلَ فراشةٍ تطيرُ نحوَ الشَّمسِ، فيصطادُها مصباحٌ شاحبٌ معلَّقٌ على غُبارِ الطَّريق.
مِثلَ بَطْريقٍ يبحثُ عمّا تيسَّرَ من عُشبٍ في مِياهٍ تحرُسُها أسماكُ القرش،
مِثلَ حبّةِ تِينٍ، تدلِقُ حَليبَ ثديَيْها وشَهدَ شفتَيْها على سياجٍ مُكتظٍّ بالعُيون الجائعة،
مِثلَ حفّارِ القبورِ، حينَ يعملُ مُهرِّجًا في حفلاتِ أيَّام الميلاد،
مِثلَ طفلٍ يشتهي قطعةَ حلوى، فيحبو خلفَ أفعًى ذاتِ أجراسٍ،
مِثلَ فأرٍ يتعلَّمُ السّباحةَ في برميلِ زَيت،
مثلَ حكيمٍ يتجرَّعُ كأسَ السُّمِّ، كي يعيشَ في موتِهِ،
هكذا هو؛
يخلعُ عينَيْهِ كي يرى، ويطرقُ كلَّ بابٍ، فعسى أن يُلامِسَ الحقيقةَ المُسافرةَ على مُنحدراتِ الرِّياح.


**براءة

حينَ تساقُ قُطعانُ البراءةِ إلى مذبحةٍ ما تزالُ تعيدُ إنتاجَ نفسِها،
حينَ تصرخُ الدِّماءُ من مساماتِ الأرضِ وتسقطُ فوقَ آذانٍ مُشمَّعةٍ،
حين يخرجُ الشّيخُ الأوّلُ من كتابٍ قديمٍ شاهرًا سِكّينَه، ويغرزُها في خصرِ الجبلِ البعيد،
حينَ يعملُ صانعُ التّوابيتِ مهندسَ ديكورٍ للكرنفالات والأعياد،
حين يُختَزَلُ الكركدنُّ إلى خنجرٍ يمنيٍّ، وتقصفُ الطّائراتُ حجرًا من بقايا سبأ،
حين تُسحقُ عظامُ النَّمرِ البنجاليِّ عُصارةً لتقويةِ القُدراتِ الجِنسيّةِ،
حين ترتدي دُميةٌ من المعجون الصّقيل شالًا من فروِ ثعلبٍ منفوخٍ، لكي تدفئَ كتفيْها العاريَين في واجهات الزّجاج،
حينَ يتراجعُ الأزرقُ الرّهيفُ من وجهِ السّماء، أمام زحفِ دُخان القرابين،
حين ترتفعُ موسيقى ارتطامِ الصّحونِ بالصّحون في المطاعم والمقاهي، ويرتدي الجمهورُ شفاهًا شديدةَ الانفراج، ليسَت له،
حينئذٍ أكادُ أفهمُ لماذا يتناسلُ النّاطقون باسم الله، كلّ دقيقة، ولماذا ما يزالُ قابيلُ يقتلُ هابيل.



**حكايةُ خَيْط


أنا مجرّدُ خَيْطٍ.
 جئتُ من أليافِ شجرةٍ عمرُها أطولُ من عُمرِ الحُروف. أو، ربّما، من شتلةِ قُطنٍ رمَتها رياحُ الصُّدفةِ في حقلٍ يتناسلُ فيه الحصى والزّهرُ والشّوكُ والقمحُ. ويجوزُ أنّني سقطتُ من فروِ سِنجابٍ على شجرةِ كستناءٍ في غابةِ الظّلِّ والبَرْدِ، أو من سنامِ ناقةٍ تركضُ خلفَ فيئِها في انحناءاتِ الصّحراء، أو ربّما من صوفٍ حَمَلٍ مرَّ في كتابٍ قديم.
أنا مجرّدُ خيطٍ لوّحتهُ الشّمسُ وسرقَ لونَهُ من ذَيلِ طَيْفٍ عابرٍ.
وهنا، من ثنايا التّاريخ والمكان، تتدلّى الخيوطُ والحكايات؛ خيوطٌ من الحريرِ الخارجِ من شرنقةٍ على حافّةِ الأرض، والكشميريّ السّابحِ في بُحور البياض، والقطنِ السّاكن في خزائن نساء فرعون والكتّان والقِنّبِ والإسفنجِ وريشِ الطّيور المهاجرة. خيوطٌ ليّنةٌ كالماء، خيوطٌ خفيفةٌ كالهَمْس، خيوطٌ صارخةٌ كاستِغاثةٍ، وخيوطٌ صلبةٌ كحجارة الماس.
وأنا مجرّدُ خيط، أبحثُ منذ الصّرخة الأولى عن مكانٍ في لوحةٍ مُطرّزةٍ، منذورةٍ لحائطٍ منذورٍ للسُّقوط.
أنا مجرّدُ خيطٍ أبحثُ، منذ الشّهقةِ الأولى، عن دربٍ في ثُقبِ إبرةٍ،  للدّخول في منديلِ حبيبتي المُقيمةِ في المُحال.

السبت 9/9/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع