الى متى تؤجل أفراحنا؟


د. بطرس دلة


** مثل شجرة
الكلمة تنمو لديك  تماما مثل شجرة زيتون او شجرة سرو أو شجرة ميس فتتشبث بها وتصبح بعضا من نسغها. فكلماتك حرة ترد قوية لأنها لا تعترف بجدران الحجرة الضيقة التي لا تستطيع أن تمنعها من الانتشار، ونحن نغسل اليدين من الأوساخ كذلك نغسل الكلمات من أجل ازالة الصدأ عن قلبها كما يجب أن نغسل الروح من أجل أن نحلق في سماء الابداع، ويجب أن نغسل القلوب كي تعرف كيف نحب الآخرين حبا حقيقيا


   
*مع ديوان "أفراح مؤجلة" للشاعر حسين مهنا*

الصديق الشاعر حسين مهنا ابن قرية البقيعة ليس جديدا على ساحة الشعر وله في هذا الباب باع طويلة وتجارب جمة. فهو يملك ناصية الكلمة ويجيد كتابة الشعر بمختلف الوانه الموزون المقفى وشعر التفعيلة وحتى الشعر البوليفوني كذلك فهو اذا ما نثر فقد أجاد أيضا.
صدر له حتى الآن ثمانية عشر كتابا وهذا الديوان هو الكتاب التاسع عشر. وكنا قد قرأنا للأستاذ حسين عددا كبيرا من القصائد ومجموعة لا بأس بها من الدواوين وكان بيننا عدة لقاءات وحوارات حول القوالب الشعرية وحول المضامين. وأذكر أن مؤسسة الأسوار لصاحبها الاستاذ يعقوب حجازي في عكا قد أصدرت له ستة دواوين وكنت على اطلاع على اصدارها كعضو في ادارة هذه المؤسسة الثقافية. هذا الديوان مكمل لما سبقه من اصدارات ولكن مع تجديد كبير في القوالب والمضامين. فشاعرنا وقد صقلته التجارب العديدة أصبح شاعرا أنيقا! والأناقة في الشعر هي عمود الشعر الأساسي والا فان القصائد التي بدون أناقة لا تعتبر شعرا! فالأناقة جزء هام وكمhل لجمال الشعر، لأن الشاعر الأنيق هو ذلك اgذي يجيد اختيار الكلمات المناسبة والمضمون المناسب للبحر المناسب. ونحن ما زلنا نذكر قصة قصيدة " عيون المها " والتي هذا نصها :
قدم عليّ بن الجهم على الخليفة المتوكل وكان بدويا جافيا فأنشده بقصيدة قال فيها :

أنت كالكلب في حفاظك للود - وكالتيس في قراع الخطوب
أنت كالدلو لا عدمتك دلوا  - من كبار الدلاء كثير الذنوب !

فقاطعه أحد الحاضرين من حاشية المتوكل بقوله : لم تزد على أن شبهته بأجلاف العرب! فعرف المتوكل قدرته ورقة مقصده وخشونة لفظه فأمر له بدار حسنة المنظرفي الرصافة على حافة نهر دجلة فيها بستان رائع وبجانبها جسر عليه أصناف الزهور فأقام فيها ستة أشهر عاد بعدها الى المتوكل بقصيدته التي مطلعها عيون المها وهي كالتالي :

عيون المها بين الرصافة والجسر    -   جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
خليلي ما أحلى الهوى  وأمرّه     -   أعرفني     بالحلو    منه      وبالمر؟
................................................................................................
وأيقنتا  أن  قد   سمعت     فقالتا      -   من الطارق المصغي الينا وما   ندري
فقلت فتى ان شئتما  كتم الهوى       -   والا    فخلاّع     الأعنّة         والغدر!


فصاح المتوكل! أوقفوه !فأنا أخشى أن  يذوب رقة ولطافة !
فانظر الى هذا الشعر الذي ينقط أناقة ولطفا والى ما كان عنده من خشونة ليس فيها شيء من الأناقة !

شاعرنا كما ذكرنا أشهر من أن يعرف ولذلك فانه لم يضع مقدمة لهذا الديوان ولكنه باشر الى ثلاث قصائد منسية كما سماها اثنتان كان قد كتبهما عام 2012 وواحدة من عام  2016 وقد صدّر  ديوانه هذا بهذه القصائد لأن مضامينها تتحدث عما عانى منه شعبنا العربي الفلسطيني في تلك الأيام حيث كان الموت يرصد الناس على الطرقات في غزة بني هاشم وكان الدمار ينتشر وبسرعة  كبيرة بين وفوق البنايات العامرة فيجعل عاليها أسفلها، وكانت البنادق عيون الجنود الاسرائيليين بينما تتدثر النسوة بالموت الذي يسير على ناصيات الدروب حتى كأن الفلسطينيين ولدوا ليكونوا مشاريع موت. ويخلص بنتيجة مفادها أن الحياة لها نكهة الحب لا نكهة الحرب. وفي القصيدة الثانية  " وقوفا على شرفة الصبح" يرى شاعرنا أن عيون البنادق تفضح حقد الجنود الذين لا يرحمون لا الصغير ولا الكبير وحين يطل طفل من وراء الزجاج بوجه يحاصر  سر البراءة ويجهل ذلك الطفل أن رصاص الجنود سريع الاجابة، يخرّ الصبيّ كحزمة نور على عتمة تغمر الكون فيلقي على راحة الصبح جسما طريا وتلقي عليه السماء وشاحا يليق بطفل شهيد !!
فيا الهي! ما أصعب أن يموت الأطفال شهداء لما لا يعرفون !! وهم بعد في عمر الزهور !! ولما كان العدوان على غزة قد هدم ما هدم ثم انقلع الى غير رجعة فان فرح أهل غزة كان مؤجلا الى ذلك اليوم الذي يقول عنه: ص- 16 – 17 :

"أطرقوا الأبواب معتذرين
غزة ربما صفحت كما صفحت
 على مر العصور لعابرين
وخذوا بلا خجل خطاياكم على أكتافكم كفنا لكم
 وخذوا صدى صلواتكم
 لإله حربكم... اخرجوا !!!  فقط اخرجوا! لنعيد هندسة المكان
 كما تشاء جراح غزة والزمان
اليوم نفرح فرحة النصر الصغير
 وغدا سنفرح بالصغير وبالكبير!

انه في هذا الكلمات القوية والمكثفة انما يعبر عن ضمير كل انسان حي عزّ عليه ما رآه قد حصل في شوارع غزة ابان العدوان العسكري الذي ترك ألفين ومائتي قتيل وأكثر من عشرة آلاف جريح، الى جانب مئات البنايات التي هدمتها مدافع وصواريخ المحتل الاسرائيلي وقذائفه البشعة التي تبيد الآلاف المؤلفة بغير رحمة بينما الضمير  العالمي  يغط في سبات مقيت وهيئة الأمم لا تحرك ساكنا.
في قصيدته " ليس ثرثرة... " ص-  19  ، يجد القارئ صورة هادئة لشاعر يرى أنه لا قيمة للحياة في ظل الذلّ والخنوع، لذلك فقد نعتبرها قصيدة التحدّي على بساطة الطرح الذي فيها وروعته !
أما قصيدته " كلهم هولاكو " فهي تشبه الى حد كبير قصيدة محمود  درويش وعنوانها "فكر بغيرك" لأنها مبنية  على طريقة المقابلات وفيها الكثير من الجمال والاقناع  حيث يقول فيها ص- 23 – 25 :
وحين تمر على حقل قمح    / فلا تجد القمح منتصبا / يشرئب باعناقه للجياع / فقل : انهم عبروا من هنا! ( كناية عن جنود اسرائيل ) / وحين تمر على حقل زهر / ولا تجد الزهر يضحك للعابرين / ولم يبق في الحقل / غير روائح روث الخيول / وريش يمام / واشلاء زيتونة عمرها الف عام / فقل انهم عبروا من هنا.
وتستثيرك بساطة التعابير و روعتها في قصيدته " لم " حيث يقول : ص- 34 :

تقول زهرة لأختها
تقول يا أختاه
أما خلقنا للصباح ؟
كي نعمد الصباح بالعبير؟
أما خلقنا للمساء
كي نكون للمساء وجهه المنير !
أما خلقنا كي نكون بسمة
تضيء ليل بائسين !
وكي نكون خير شاهد
على لقاء مغرمين !؟
أختاه يا أختاه!
أما خلقنا كي نكون بهجة للناظرين !؟
وزينة لهذه الحياة...
فلم اذن تدوسنا...
مجنزرات فاتحين !؟


**الموقف من المرأة:
يدافع الشاعر عن المرأة في قصيدة بعنوان " وردة على جرح حواء..." وذلك من وحي عيد العشاق  الذي يوافق 14 شباط من كل عام حيث يتحدث عن الشباب العاشقين الذين يتغزلون بالجميلات ويقولون لهن ما يقوله القوس للوتر وما يقوله طيب الأريج للزهر وما تقوله الضفتان للنهر ثم لسبب قد يكون تافها تصبح الجميلة المعشوقة فاجرة تستوجب الرجم حتى الموت وننسى كل ما كان جميلا وتقتل المرأة بحجة الدفاع عن شرف العائلة! هكذا يقول في صفحة :35 :


يا اخوتي في الشعر يا أحبتي
/ شبهتم الحبيب بالقمر...
وخده بناضر الزهر
وقلتم بأن أجمل العيون
أعين يزينها الحور...لكنما الضرر
 / أن تغضبوا من الحبيب ساعة
فيصبح الحبيب كاذبا وغادرا...وأفشل الصور... ".

ولا ينسى الشاعر أمه ويعترف أن معظم الشعراء كتبوا شعرا في وصف الأم ومحبتها وتضحياتها ويعيدنا الى عهد أبي جهل والى وأد البنات خشية املاق...الخ. ولا ينسى فطائر أمه التي تخبزها على نار الطابون فيرسم لنا بالكلمات لوحة رائعة بألوان بهيجة وكأني أثناء قراءة القصيدة أستمع الى نقر أصابع الجدة وهي ترق العجين على الطبلية فتنفتح شهيتي على فطائر البقل الذي شرب صفاء المزن في أول فصل الشتاء  وغمره زيت الزيتون الذي يشفي كل الأمراض وتتكامل اللوحة كأجمل ما يكون الرسم بالكلمات!


• الرقص الشعبي:

عندما وصلت الى قصيدة " حلبة رقص شعبي" دبكة "، استوقفتني الكلمات أضرب... اخبط... قدم... ارجع... اخسع... اركع...حفر... غبر... الخ.فعادت بي الذاكرة الى ستين عاما الى الوراء عندما كنت في اوائل العشرينات من عمري وكنت أعلم الشباب  والصبايا كيف يتقنون كل أنواع الدبكات العربية الفلسطينية مثل الشعراوية، والشمالية والصوالية والستاتية والبداوية وغيرها فأدخلت هذه القصيدة الشيء الكثير من الشجن في نفسي فقد عادت بي الذاكرة الى أكثر من ستين عاما الى الوراء عندما كانت الأرض تهتز تحت قدمي وأنا ألوح على رأس صف الدبيكة فوق البيادر او على ساحة العين أو في ساحة الكنيسة والمصلون أذن في الداخل يتابعون القداس الالهي وأذن في الخارج مع ضربات أقدام الدبيكة وقلوبهم تطفح بشرا ولكنهم بدلا من أن يطيروا فرحا يركعون خاشعين! فآه من الركوع ومن الخشوع وآه من السنوات التي تأكل العمر وتذهب بالشباب دون أن نحس بمرّها ومرّها( بفتح الميم ثم بضمها ) ونمضي لتخلو الساحات للأجيال القادمة! انها حقا نوسطالجيا رائعة ومثيرة هذه القصيدة !
فيا أيها الصديق الشاعر حسين مهنا!
لقد أحببناك وأحببنا شعرك الصافي وكلماتك الرقيقة وأناقتك في كل ما تعمل وفي كل ما تكتب! وقد لاحقناك في زاويتك عين الهدهد في جريدة الاتحاد ثم انقطعت عن الكتابة لتكتفي بما يصدر في مجلة الاصلاح وهي لا تصل الى جميع قراء الاتحاد!
أنت أيها الصديق شاعر علم وقامة أدبية مميزة وتكتب كل ما تكتبه بقناعة لأنك تعرف أن الكلمة الحلوة والقصيدة الحلوة هما مفتاح باب الخلود. صحيح أن الخلود هو لله وحده ولكن هناك بعض الخالدين شعرا ونثرا، فكرا وفلسفة وأدبا رفيعا وأنت منهم !
أنت تؤمن أن الكتابة وطنك ولو أن للسوق منطقا غير هذا المنطق! فالكلمة تنمو لديك  تماما مثل شجرة زيتون او شجرة سرو أو شجرة ميس فتتشبث بها وتصبح بعضا من نسغها. فكلماتك حرة ترد قوية لأنها لا تعترف بجدران الحجرة الضيقة التي لا تستطيع أن تمنعها من الانتشار، ونحن نغسل اليدين من الأوساخ كذلك نغسل الكلمات من أجل ازالة الصدأ عن قلبها كما يجب أن نغسل الروح من أجل أن نحلق في سماء الابداع، ويجب أن نغسل القلوب كي تعرف كيف نحب الآخرين حبا حقيقيا! وأنت لديك الكثير من هذا النقاء وهذه المحبة الحقيقية !
 فيا أيها الشاعر الصديق! لك أقول :
وحده الليل يعلم أني أبحث لك عن وطن ملؤه الحب والأمل،،وطن فيه الكثير من الحرية والاستقلال، وطن لا يعرف كثرة الكلام كما يعرف كثرة العمل والانجاز!
قصائدك فيها الكثير من الكثافة اولا ثم الأناقة ثانيا والشيء الكثير من فلسفة الحياة والثورة الهادئة على المحتل الغاصب الذي يغتصب الحريات والحقوق الانسانية في كافة أرجاء الوطن فلسطين. كلماتك تنساب كما أمواج البحر الهادئ ولا ترهّل فيها ولديك شعر هو كالشرفة البيضاء على المدى الأ زرق، فعين لك تطل على الزابود وعين تطل على كفرسميع ونظرتك الثاقبة ترى الظلم والجور فلا تصمت ازاء ذلك، لأن الشعر لديك كالنار، ونار الانسانية لا تموت ما دام في شرايين قلوبنا قطرة زيت، وقطرة حب وأنت لديك الكثير منها!
لك الحياة كل الحياة! (كفرياسيف)

السبت 9/9/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع