العمياء والكفن.!

يوسف جمّال



وجدوها على حدود لبنان..
سألها الجنود: أين وجهتك..!؟
قالت: صبرا..
كان معها كفن.. كفن لإبنها سعيد.
سألوها: كفن..!؟
قالت: أخاف ان كل الذين يخيطون الأكفان في صبرا، قد قتلوا..!
   خالتي عفيفة.. عاشت معي في حارتنا..
كانت غير متزوِّجة لأن زوجها تركها، ورحل لاجئًا الى لبنان.
وغير مطلَّقة، لأن زوجها لم يطلقها.
ولم تكن أرملة،لأنها لا تعرف، ان كان حيَّا أم ميتًا.
ولم تكن أمًّا لأنها لم ترَ ابنها منذ عشرات السنين..
فتحت عيني ،لأجدها كبيرة "ختيارة ".. وبقيت كما هي لا تكبر..!
كانت عمياء ،ولكنها كانت ترى أكثر من المفتحين..كانت تمشي في الطريق، دون تتعثر بعثراتها الكثيرة.
كانت أمهاتنا يرسلننا مع الإبرة والخيط لتآويه لهن..
وكانت تعتاش على ما تصنعه لأهل البلد ، من فرشات، ولِحفة، ومخدات.
كانت تخبز بالطابون وتزبله وتطبخ.. الوحيدة من بين أمهاتنا التي لم يجرحها سكين.!
كانت تحطِّب..تزرع تحصد..تُمَلِّي من العين..
وكانت الوحيدة في البلد ،التي تخيط أكفان الموتى..
 في النكبة الأولى، هج ناس خوفا ً من بطش اليهود، وبقي ناس ينتظرون ما سيفعل بهم اليهود المحتلون - هكذا حدَّثتني أمي..
كان "علي يدين" عفيفة العمية ولد ابن سنتين..
أرضعته، وتركته لينام في حضنها.. بعدها ستنقله، الى فراشه لينام نومة الظهيرة..
عاد زوجها من سفر ،وطلب منها ، ان تضع الولد في حضنه، لإشتياقه له بعد غياب.
ناولته الولد، وقالت له بصوت خفيض:
  "نيِّمه، وضعه في فراشه، ليكمل نومته".
   وغادرت الدّار الى العين، لتملِّلي جرة ميَّة من عين البلد.
وعندما رجعت لم تجد ابنها في فراشه..
أخبرتها جارتها ،ان زوجها وضرتها، التي لم يكن لها علمًا بزواجهما، "سرقا" الطفل، وأخذاه معهما، الى حي العرب..
هذا ما طلبه منها زوجها، ان تخبرها به، قبل ان يغادرا البلد.
فصرخت من قحف رأسها ، وغابت عن الوجود عدة سنوات، قضتهم باللطم والعويل والتحنين والبكاء.
" بس لو مأخذهوش نايم..! كان ودعته..!" كانت تصرخ، قبل كل نوبة لطم وبكاء محموم.
الى ان جاء يوم ، وصلها خبر، ان ابنها موجود مع أبيه وزوجته، في مخيم صبرا، في لبنان.
فتغيًّر لونها ،واطمأنت انه على قيد الحياة ، وعاشت على أمل اللقاء به.
 وعرفت ان ضرتها جليلية من صفورية ، أخذت زوجها وابنها ، والتحقت بأهلها ، الذين التجأوا ، الى مخيَّم صبرا في لبنان.
كانت تبدأ صباحها بدعاء دائم: " يا رب تعيِّشني، حتى أشوف سعيد بعيني..!! ".
سألتُ أمي مر ة: "أين عيني خالتي عفيفة!؟.. وكيف ترى!؟"
فأجابت بنبرة المتأكدة مما تقول: ان قلبها مفتِّح..انها ترى به.!
 ووصلتها أخبار مجزرة صبرا ، فطار صوابها..
 وصارت تحوم في الحارة ،من بيت الى بيت.. تقترب من الإذاعات التي تبث أخبار المجزرة.. ولكن ما يكاد يصل الى أسماعها طرف خبر، حتى تفرُّ هاربة ، من مجال سماع الراديو..
ولكن لهفتها الشديدة ، لمعرفة مصير ابنها في المخيَّم، كانت تشدها، فتعود لتتسمَّع مرة أخرى..!
 لبست ثيابها.. و"مسكت " طريق البلد ، المؤدي الى شارع وادي عارة الرئيسي ،المتجه الى الشمال..
 قررت السفر الى لبنان..!
أول مرة في حياتها تخرج من البلد.!
أحست بمسافرين يقفون على المحطة..فسألت من منهم مسافر الى الشمال.. فردَّ عليها أحدهم ،انه متوجه الى نهريا..
فهمست في أذنه، برجاء مستغيث: " أنا معك.!".
صعدت الى الباص ، وجلست بجانب الرجل ، وأغلقت كل منافذ جسمها ، وجمدت كل حواسها.
 حاول ان يتجاذب معها أطراف الحديث..سألها عن البلد التي تقصدها.. والهدف من هذه الزيارة ، فلم يجد منها أي استجابة.
فسكت وغرق في صمته واستغرابه.
"امرأة وحيدة وعمياء ، تسافر وحدها الى أقاصي الشمال.!! ".
 وعندما نزلا من الباص في محطة نهريا، طلبت من ان يوصلها
الى محطة الباص، التي توصلها الى أقرب بلد للحدود اللبنانية.
 فزادت دهشته واستغرابه ،وقرَّر ان يعمل شيئًا، لإنقاذ هذه المرأة من جنونها.
 أجلسها على محطة روشبينة، وأسرع يحوم في المحطة ، باحثًا
عن رجال شرطة!
  عاد مع الشرطة الى محطة روشبينة ، فلم يجدوها ، كانت قد استقلت الباص، قبل وصولهم بثوان معدودة..
وعندما وقفت الباص الذي يقلها ، في محطة روشبينا ، صعد رجلان من الشرطة ، وانزلوها منه ،وقادوها الى مركز الشرطة. فتشوها فلم يجدوا معها سوى الكفن..!
 (عرعرة)
الأربعاء 13/9/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع