الاحتلال الجينيّ الوراثيّ

إبراهيم طه



من منّا لا يعرف أنواعًا كثيرة من الاحتلال: الاحتلال العسكري الجغرافي، الاحتلال التاريخي، الاحتلال الثقافي والحضاري، الاحتلال الاقتصادي، الاحتلال الفكري...؟ وفي كلّ هذه الاحتلالات وغيرها ينهبون الأرض ما كان على ظهرها وما كان في بطنها أو في سمائها. يسرقون الحقيقة التاريخية، يضربون الجغرافيا بالتاريخ والتاريخ بالجغرافيا، يزيّفون هذا ويسرقون تلك. يسلبون من أبنائنا أصولهم ولغة أمهاتهم اللائي ولدنهم أحرارًا. يصادرون ماءنا ونفطنا وطعامنا، حتى الحمّص والفلافل التي كانت أمي رحمها الله، ورحم أمواتكم جميعًا، تقليها بزيت الزيتون الصافي نهبوها ونسبوها إلى أنفسهم. ويظلّ أصعب أنواع الاحتلال هو هذا الذي يستوطن فيه المستعمِرون وعينا ورؤوسنا وأخلاقيّاتنا وممارساتنا. هذا الذي حذّرنا منه مالك بن نبي حين قال: "أخرجوا المستعمِر من رؤوسكم يخرجْ من أرضكم".
هناك من تخصّص في نوع واحد منها. وهناك بطبيعة الحال من يتقن كلّ هذه الأشكال والأنواع مجتمعة. نحن نعرفها جيّدًا جرّبناها على جلودنا، على جلودنا كلها السمراء والبيضاء والحمراء والصفراء، ونعرف آثارها المدمّرة على كلّ شيء حتى على المحتلّ نفسه فاعل الفعل ذاته. ونعرف أنها ترفع الضغط وتستقدم السكّري حتى وإن كان في رمال سيناء أو جبال أثيوبيا ومراعيها... لكن من منا يعلم أنّ الاحتلال قد يحشر أنفه الأفطس الطويل المخنّن حتى في التكوين الجيني الوراثي للإنسان؟! أقول الصدق، أنا لم أكن أعلم ذلك حتى حدّثتني ابنتي عن بحث لطبيب محاضر، أستاذها في كلّية الطبّ في الجامعة، كان قد أجراه على شريحتين من الناس: أهلنا بدو النقب والقادمين الأثيوبيين.
قال المحاضر لطلابه: هل تعلمون أنّ إسرائيل تمارس احتلالا جينيًا وراثيًا أيضًا؟! أثبت البحث الذي أجريته أنّ أكثر الشرائح السكانية في البلاد التي يتطوّر مرض السكّري عندها باستمرار هما هاتان الشريحتان. هكذا قال الطبيب المحاضر لطلابه وفي نبرة صوته شيء من الدهشة... استغربت كثيرًا ما حدّثتني به ابنتي وسألتها بإنكار: ومن أين يأتي مرض السكّر لهؤلاء وما كان آباؤهم ولا أجداهم يأكلون الحلوى لا العربية منها ولا الأجنبية؟!!! من أين يأتي السكّري لهؤلاء والواحد منهم يظلّ في عمل دائب لا يكنّ من ظهور الخيط الأبيض حتى ظهور الخيط الأسود؟!! وهنا مربط الفرس بالضبط. هكذا قال المحاضر، وواصل محاضرته: بسبب نمط الحياة الحركيّ النشط والنظام الغذائيّ الطبيعيّ الفقير بالسكريّات يطوّر الجسد سلوكًا جينيًا يحرص فيه على تخزين السكّر في الجسم لقلّته والاحتفاظ به لأوقات الحاجة وما أكثرها عندهم. توارث البدو والأثيوبيون هذا السلوك الدفاعيّ الطبيعيّ وصار جزءًا من تكوينهم الجينيّ مع تراكم الزمن. فللجسد ذاكرة قويّة يسمّونها بلغة الطبّ "ذاكرة الخليّة". كلّ جسد عضويّ يملك منظومة من الأدوات الخلقيّة التي تمكّنه من التأقلم للظرف ما يجعله بالتالي مخلوقًا تأقلميًا بالفطرة (Adapting creature).
وحين أتت إسرائيل بنظامها الغذائيّ الغربيّ الاستهلاكيّ التصنيعيّ وأغرقتهم بالكوكا كولا ومثيلاتها وصادرت نمط حياتهم الحركيّ ونقلتهم من الوَبَر إلى المَدَر صار هؤلاء يُقبلون على هذا النوع من الأطعمة والمشروبات "الاحتلاليّة" لطول حرمانهم منها، فصارت نسبة السكّر في الجسد ترتفع باستمرار. ولأنّ الجسد لم يعتد هذه المتغيّرات المفاجئة ولم يتهيّأ لها بالتدرّج ظلّ يقوم بوظيفته الدفاعية القديمة ويحرص على الاحتفاظ بالسكّر في الدم وكأنّ شيئًا جديدًا لم يكن. هكذا فاجأت إسرائيل المنظومة الجينيّة عند هؤلاء صدمتها وأربكتها حتى صار السكّر يتراكم في أجسادهم بفوضويّة وبوتيرة سريعة بدون ضابط أو رقيب... أليس هذا احتلالا جينيًا؟! هكذا لخّص المحاضر الطبيب قوله بسؤال بلاغيّ رافض وأضاف، من حيث يدري أو لا يدري، مصطلحًا جديدًا إلى الفلسفة السياسيّة. وكأننا في حاجة إلى المزيد من الاحتلالات... والحقيقة أنّ الرجل آدميّ وابن أصل.    
14/09/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع