إشكالية المنهج السيميائي تنظيرًا وتطبيقًا (2-2)

د.جهينة الخطيب


*ديوان "تاق الجواد الراحة" للشاعر الفلسطيني أسامة حلبي أنموذجًا*


** رُغمَ السوداويةِ
نجد اتساقًا في متنِ قصائده متّبعًا آلياتٍ تنظّم جريانَ القصائدِ فيه، ويطغى ضميرُ المتكلّم، وأفعالُه غلبَ عليها زمنُ المضارع، والماضي تواجد عند السؤال ولكنه يحمل معنى الاستمرارية: لماذا كلّما جَمعَتِ الشمسُ أطرافَ عباءتها، وهذا يوحي بالأملِ رُغمَ سوداويةِ الواقعِ، فهناك جدوى من الانتظارِ، والمستقبلُ محمّلٌ بسحابةٍ ماطرةٍ.



**المربع السيميائي وبِنيةُ التضاد في شعر حلبي


لقد بُنيت قصائدُ الديوانِ على التضادِ ما بين الموجودِ والمنشودِ والممكنِ والمستحيلِ
" هل للفارس كبوة
هل للشاعر صحوة
في ليل الهوى
أم نومٌ يطول
نوم – صحوة

"أحبّ ضجّة السكون"
هي الدنيا هي الدنيا
لها أوّل
لها آخر
تنادينا . .   تناجينا إذا شاءت
وتضحكنا
وتبكينا إذا شاءت
تقرّبنا وتبعدنا
وتنفينا
تسائلنا وتُعفينا....
خمسون، ياه مرّت وخمس
أقفزةٌ نحو الفضا؟
أم قفلةٌ إلى الورا
تَكرارُ يأسٍ أم رضا
وجهٌ صبوحٌ لِغَدي؟
أم وجهُ نحس.؟
ويرجعُ هذا التضاد ُلتأكيدِ الحَيرةِ الفلسفيةِ التي تؤرق الشاعرَ.


 *شعر التوقيفة أو التوقيعات وسيميائية تكثيف المعنى


للشاعرِ قدرةٌ لافتةٌ على تكثيفِ المعنى واختزالِ الصورةِ بكلماتٍ معدوداتٍ، وهو ما يُعرف بشعرِ التوقيفة أو التوقيعات التي تشبه ومضةً سريعةً ولكن تأثيرها كبير نحو الومضة في قوله:
" اِحزن اقلقْ!
ضع كفًّا على كفِّ
وتشبّه باللقلقِ
لكِنْ
لا تضعِ الحُلْمَ على الرّفِ
- يميل شاعرُنا إلى إرشادِ المتلقي في ديوانِه وهذا ليس دائما ضدَ القارئ، أحيانا قد يسهمُ في فتحِ آفاقٍ ولفتِ نظرِ القارئِ لمعانٍ جديدة، ففي بدايةِ الديوانَ نراه يشير إلى عدة معانٍ لكلمةِ راحة:
الكفّ، الارتياح، الزوجة، الساحة وهي أوسعُ من دلالةِ الارتياحِ. لكن يؤخذ عليه أنه ألمحَ بمقصده حين قال: في تذييله : "هذا الجوادُ لم تكن حياتُه مملّةً في يومٍ من الأيّامِ ولم يعرف الراحةَ إلا في أحضانِ السّاحة.."  فهو حدّد لنا المعنيين الارتياحَ والساحةَ.
كما أنه في كثيرٍ من الأحيانِ قد قوّضَ أفقَ التلقي من خلالِ توجيهاتِه وملحوظاتِه حول القصائدِ بل ومنحنا خلفيةً عن حياته ومغادرتِه دالية الكرمل رُغمًا عنه وحرمانِه من رؤية والده عندَ موتِه، والسؤالُ هنا: ما الذي يدفع الشاعرَ إلى ممارسةِ النقدِ خارجَ دائرة إبداعِه الشعريِ الذي يُفترض أنه قد أتقنَ أسسَ التعاملِ الناضجِ معه، وهذا السؤالُ يرتبطُ أو يستدعي سؤالا آخرَ عن أوجهِ المغايرةِ والالتقاء بين إبداعِهِ الشعري وممارستِه النقدية ومدى تواطؤ الشاعرِ مع مشروعِه أو ضدِه، إذ للشاعر نموذجٌ ذو معاييرَ وموازينَ قبلَ الكتابةِ وبعدَها، ولا يمكن أن يتعاملَ نقدا مع نموذجٍ آخرَ إلا من منطلقِ هذه الموازينِ، فلهذا فمن خلال تعليقاتِ الشاعرِ وإرشاداتهِ في كثيرٍ من الأحيانِ قد أخضعَ نقدَه في شعرِه، فالشاعرُ يقولُ ما يشعرُ به، والناقدُ يُخضعُ هذه المشاعَرَ والأحاسيسَ للميزانِ النقديِ الموجودِ لديه، ولكن في حالتِنا هنا فإن شاعرَنا قد تفوَّقَ على نقدِه ِ
كما تطغى على الديوانِ أنساقُ الثباتِ ويتّضح ُهذا من خلالِ شعريّة الترديدِ وأسلوبِ التكرارِ وإن اختلفت العباراتُ، تكرارِ الأسئلةِ بمفهومٍ واحدٍ، وأعطي مثالا لهذا في المحطةِ الخامسةِ وسؤالَه: "لماذا كلّما ظننت بأنّي سألقاك تبنّاني الفرح، وهنا تتأتّى لنا شعريةُ الترديدِ وأسلوبُ التكرارِ، فقد لمسنا فرحَ الشاعرِ وحبَه لهذا اللقاءِ في أكثرَ من محطةٍ سابقةٍ:
"لا تسألي لِمَ فضّلتك على يافا وبحرها"
و "لماذا كلما جمعنا لقاءٌ عاديُ الملامحِ يصبح لونُ الزهرِ أبهى ورائحةُ الزعتر أقوى.
فهذا التساؤلُ في المحطةِ الخامسةِ قد وافق أُفقَ التوقّعِ، توقّعِ المتلقي لهذا الفرحِ في هيمنةِ بِنيةِ التساؤلات وتكرارِ المعنى، ولكن قد نعزو هذا إلى تعميقِ الانفعالِ العاطفي.
كذلك اتصفت بعضُ قصائدِ الديوانِ بالمباشرةِ.
 ولكن نجد اتساقًا في متنِ قصائده متّبعًا آلياتٍ تنظّم جريانَ القصائدِ فيه، ويطغى ضميرُ المتكلّم، وأفعالُه غلبَ عليها زمنُ المضارع، والماضي تواجد عند السؤال ولكنه يحمل معنى الاستمرارية: لماذا كلّما جَمعَتِ الشمسُ أطرافَ عباءتها، وهذا يوحي بالأملِ رُغمَ سوداويةِ الواقعِ، فهناك جدوى من الانتظارِ، والمستقبلُ محمّلٌ بسحابةٍ ماطرةٍ.
تشكّلَ معجمُ أسامة حلبي في ديوانِه في دولاب مجازي من خلال لغةِ الخيل والحصانِ والجوادِ والفارس صهوة أمتطي سرج، يترجّل
ونراه تارة يختارُ كلمةَ الحصانِ وتارة ًأخرى الجوادِ
وكلاهما صفة للخيل: ففرس جوادٌ أي سريعُ الجري وأيضا النجيب من الخيل
والحصانُ صفةٌ مشبهة تدلّ على الثبوتِ من حصُنَ
فيقول في القصيدةِ ما قبلَ الأخيرة في الديوان " أيها الفارس هذا الجواد يتوق الراحة فهنا وظّف كلمة جواد لأنه يعني بالراحةِ الارتياح مقابلَ المعنى المضاد  للجوادِ وهي السرعة
وفي سياقٍ آخر في الديوانِ يقول:
وللحصانِ رغبةٌ بأن يصول
وللحصان صبوة
إذ مال مع ريح الصّبا
ليوقظ المدى بشمس وصهيل"
وهنا وظّفَ كلمةَ حصان ليظهرَ بنيةَ التضاد، الحصان وما تحمله هذه الصفةُ من ثبوتٍ في المكان ومكوثٍ وتقابلها الرغبةُ المضادةُ بأن يصولَ
أما معجمُه في الاشتياق فقد وظّف ثلاثَ كلمات
الصبوة
الرغبة التوق
وقد تدرجت المعاني في القصائد
فسنجد أن الصبوة َهي ثاني درجاتِ العشق بعد الهوى ويليها الشغفُ
أما الرغبةُ فهي حاجةٌ ملحة وليس شرطا أن تكون ضمن إطار الحب
أما التوقُ وعنوان الديوان تاق الجواد الراحة، فالتوق هو الشوق الاشتياق والشوق
وهو الدرجة الثامنةُ من درجات العشق الأربع عشرة وقد تفوق الفعلُ تاق يتوق في الديوان: "للفارس توقٌ أن يستقيل" وروحي تتوق إلى بعض راحة.
أربعٌ وسبعون قصيدة تحاكي وجعَ الفلسطيني وألمَه وأملهَ وأسئلتَه الوجودية.
إنّ أسلوب َالشاعرِ أسلوبٌ حسي " تتحققُ فيه نسبيا أعلى درجةٍ في الايقاع المتّصل بالإطار والتكوين" ، تكمن الجماليةُ في شعرِ أسامة حلبي ليس في البِنية الشعرية بقدر تمثلها في كنه الموضوعِ وطبيعتهِ، وفنِ التصوير وجماليتِه فترفل قصائده بتماهي الطبيعةِ مع آماله وآلامِه أحلامِه وتساؤلاته، " فارتعشَ الرمل من بردِ الفِراق" فنلَمَسُ حرارةَ التصويرِ والتعبيرِ ممّا يمنح التجربةَ الشعريةَ لديه دفقًا حيويًّا لا ينضبُ فشعرُ أسامة حلبي يُحس ويلمَس شغافَ القلب، وهذا يحيلنُا إلى نزار قباني حين قال في ديوانه الأول قالت ليّ السمراءُ " إذا قيل عني أحسّ كفاني ولا أطلبُ الشاعرَ الجيدا ولكنَّ حلبي جمع الاثنين الشعرَ الجيدَ والشاعرَ الذي نحسُّ شعرَه
بعد تحليلنا للديوان بناء على المنهج السيميائي فإننا نلخص مراحل التحليل
سيميائية الغلاف والعنوان
سيميائية التناص
سيميائية توظيف المكان
المربع السيميائي وسيميائية الثنائيات اللغوية والتضاد
سيميائية التكرار في اللفظة والمعنى فتتمظهر الانتاجية النصيّة في ديوان تاق الجواد الراحة كفصل للغة ولميكانيزم الاستعارة .  
وقد حاولت من خلال تحليل سيميائي لديوان "تاق الجواد الراحة" ايضاح هذه الآليات الإجرائيّة ممثّلة في المربع السيميائي المتكِئ على الثنائيات الضديّة فقد ارتكزت بنية الدلالة في النص السردي: على علاقة التضاد/التضمن/التناقض.
وتوصّلت إلى عدة مقترحات :
 - لكي نوظّف المنهج السيميائي بشكله الصحيح علينا تحديد آليات واضحة دون خلط بينها، فهناك بنية الدلالة للنص السردي وبنيته للنص الشعري.
- إن المنهج السيميائي يعنى بثقافة الناقد ومدى اطلاعه فهو المنتج الثاني للنّص ولهذا فإن التخصص النقدي يسهم في بلورة مفاهيم نقدية موحدة .  
- على مستوى التنظير، ضرورة تحديد مفاهيم موّحدة لهذا المنهج، وتحديد مصطلحات السيميائية بدلا من تعددها كالسيميائية السيمولوجية، الدلائليّة، علم العلامات، علم الدلالة، السيموطيقا، علم الإشارة . (انتهى)

السبت 7/10/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع