في الفترة الواقعة ما بين سنة 1897- 1917:
موقف الصحافة المصرية من الصهيونية (2)


تميم منصور


** النهضة القومية
ذكر جورج انطونيوس في كتابه يقظة العرب، ان الوعي القومي العربي في مصر في هذه الفترة كان في سبات عميق، مقابل ذلك فإن النهضة القومية والتطلع إلى اجماع عربي وقومي، بدلًا من الاجماع الديني، الذي فرضته الرجعية والتخلف، وفرضه العثمانيون، اول ما ظهرت هذه النهضة في في لبنان، وسوريا وفلسطين، وقد تأخر ميلاد وظهور براعم هذا الوعي في كل من مصر والعراق وفي شمال أفريقيا. الأسباب كثيرة، أهمها الحكم العثماني المستبد


لا يمكن قراءة موقف الصحافة في مصر والكتاب المصريين من الحركة الصهيونية خلال الفترة المذكورة قراءة صحيحة، إلا إذا قارناها مع الصحف وكُتاب عرب آخرين، وأكثر من راعى واهتم بمثل هذه الأمور في تلك الفترة، هم الكتاب الشاميون، أو بالأحرى كُتاب وصحافيون  من الشام، أو ما كان يُعرف بسوريا الكبرى.
كشفت الدراسات عن أن صحف الشاميين، ورواد الكلمة، وحملة الأقلام  كانوا أكثر اهتمامًا بتناول قضايا العرب القومية، وخاصة الخطر الصهيوني في فلسطين، واشارت الدراسات أن عددًا من أهل الرأي في مصر حاولوا ايجاد المبررات لتجاهل الصحف المصرية للقضية الفلسطينية ولأخطار الحركة الصهيونية.
من بين هذه المبررات ان الهدف الأساسي من اصدار الصحف المصرية خلال المرحلة المذكورة، انحصر لخدمة مصلحة مصر أولا، فقد اهتمت هذه الصحف بالمطالبة بتحقيق الجلاء البريطاني عن مصر، ونيل الاستقلال ويدعي المدافعون عن الصحف المصرية، أن تناول الكُتاب الشاميين في  الصحافة وغيرها  القضية الفلسطينية،كان نابعا من خدمة مصلحتهم، لأن فلسطين كانت جزءًا من سوريا، أو بلاد الشام،لهذا السبب اهتم السوريون والفلسطينيون من بينهم، سواء المقيمون منهم في مصر، أو في سوريا، بالغزو الصهيوني لفلسطين، وقد كان هذا الاهتمام ملموسًا من خلال اجمالي عدد الموضوعات التي نشرت في صحف الشاميين، خاصة صحيفتي الأهرام والمقطم، جدير بالذكر بأن أصحاب هاتين الصحيفتين كانوا من أبناء سوريا،  فما نشر في هاتين الصحيفتين حول الخطر الصهيوني، يفوق بعدد موضوعاته ما نشر في الصحف المصرية، ففي صحيفة الأهرام كان اجمالي عدد الموضوعات خلال المرحلة المذكورة، حوالي 240 موضوعًا، وفي صحيفة المقطم 150 موضوعًا، أما في الصحف التابعة لملكية المصريين، فقد نشر في صحيفة "المؤيد" 20 موضوعًا خاصًا بالصهيونية، وفي صحيفة اللواء تم احصاء 25 موضوعًا، وفي صحيفة الجريدة  تم حصر 8 موضوعات، وصحيفة الأهالي 20 موضوعًا.
لقد كانت بعض صحف الشاميين في مصر في وضع يمكنها من مناقشة موضوع الصهيونية وفلسطين بحرية شبه تامة، سواء في مواجهة السلطات العثمانية، أو السلطات البريطانية، وذلك بسبب حصول هذه الصحف على الحماية الاجنبية، ففي حين كانت صحيفة الأهرام تحت الحماية الفرنسية، لأن فرنسا حصلت من الدولة العثمانية على حق حماية  الطوائف المسيحية في الشام، في نفس الوقت كانت صحيفة المقطم تتمتع ببعض الشيء من الحماية البريطانية، هذا يعني ان فضاء الحرية الذي توفر لصحيفة المقطم، كان اقل منه قياسًا لصحيفة الاهرام خاصة في المواقف التي تتعرض للأطماع الصهيونية.
كانت بريطانيا تدعي بأنها تفتش عن إيجاد حل عادل للقضية اليهودية، وقد دعم هذا الموقف شخصيات بارزة من كبار الساسة والمثقفين في مصر.  ذكر جورج انطونيوس في كتابه يقظة العرب، ان الوعي القومي العربي في مصر في هذه الفترة كان في سبات عميق، مقابل ذلك فإن النهضة القومية والتطلع إلى اجماع عربي وقومي، بدلًا من الاجماع الديني، الذي فرضته الرجعية والتخلف، وفرضه العثمانيون، اول ما ظهرت هذه النهضة كما يقول "انطونيوس" في بلاد الشام، خاصة في لبنان، وسوريا وفلسطين، وقد تأخر ميلاد وظهور براعم هذا الوعي في كل من مصر والعراق وفي شمال أفريقيا.
الأسباب كثيرة، أهمها الحكم العثماني المستبد، الذي فرض العزلة على العرب في كل مكان، في الشام يرجع الفضل في تفتح براعم النهضة القومية الى الكثير من المصلحين والعلماء والأدباء العرب، خاصة من أبناء الطوائف المسيحية، مثل بطرس البستاني، واليازجي، والشدياق وغيرهم، كان لهم الفضل في إصدار الكتب باللغة العربية، كما ساهموا بإنشاء مدارس في كل من سوريا ولبنان وفلسطين، وعملوا على اصدار الصحف باللغة العربية، مثل صحيفة الشهباء التي اصدرها الكواكبي، وصحيفة الجنان التي أصدرها البستاني، لقد تأثر الكتاب والصحفيون السوريون الذين انتقلوا إلى مصر من هذه الثقافة وهذه الأجواء.
أما في مصر، فإن النهضة القومية جاءت متأخرة، رغم وجود العديد من المصلحين المصريين، أمثال محمد عبده، الأفغاني، الطهطاوي، المنفلوطي، لطفي السيد، وغيرهم فقد دعا هؤلاء إلى الوطنية المصرية، ومنهم من حصرها بالاسلام أو بالفرعونية.
اذا ليس صدفة حسب ما تشير الدراسات، ان جميع الكُتاب الذين تناولوا موضوع الصهيونية وخطرها على فلسطين، كانوا من الشاميين ومعظمهم من المسيحيين العرب الذين لجأوا الى مصر هربًا من الطغيان العثماني. فضلًا عن ذلك، كان معظم هؤلاء الكتاب الشاميين من ذوي المكانة في الحياة العامة السياسية والأدبية العربية، كما كان بعضهم من أصحاب الصحف، أو من العاملين في الصحافة، أو من قادة الرأي، أمثال الأمير شكيب أرسلان، وأمين أرسلان، وحقي العظم وشبلي شميل وابراهيم سليم النجار، وكامل مدور، وداوود العيسى وبشارة تقلا وانطوان الجميل وغيرهم. وفيما عدا الكتاب الشاميين، دخل الكُتاب الصهيونيون أيضًا مجال الكتابة في موضوع الصهيونية وفلسطين، وقد مكنت اوضاع الصحافة المصرية وأوضاع اليهود داخل المجتمع المصري الحركة الصهيونية من اختراق العقل المصري وتضليله في ذلك الوقت، بنشر بعض الأفكار الكاذبة والمضللة،فيما يتعلق بأهداف الصهيونية في فلسطين.  لقد نجحت الحركة الصهيونية في تجنيد بعض اليهود المقيمين في مصر ومن المتمكنين من اللغة العربية، ومن ذوي الميول الأدبية والصحفية، لتتبع ما ينشر في الصحافة المصرية عن الصهيونية وتقويمه والرد عليه، بالإضافة الى الكتابة في الصحف المصرية بدعوى تنوير المصريين فيما يتعلق بالحركة الصهيونية، من ناحية أخرى استطاع هؤلاء الكُتاب  استغلال بعض مواد قانون المطبوعات المصري، وفيها حق الرد، كما استغلوا قيام بعض الصحف بفتح باب النقاش حول الحركة الصهيونية، فاستخدموا بعض الصحف المصرية وحولوها الى منابر لهم لبث دعاياتهم.
تشير الدراسات ان عدد المقالات التي كتبها الصهيونيون عن المسألة الصهيونية وفلسطين، فاق عدد المقالات التي كتبها الشاميون، لأن عدد الكتاب الشاميين الذين خاضوا غمار هذا الموضوع بلغ نحو 21 كاتبًا، في حين بلغ عدد الكتاب الصهيونيين حوالي 41 كاتبًا، أي حوالي ضعف الكتاب العرب.


السبت 11/11/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع