استقالة الالغام


د. سمير دياب


مغامرة خطيرة
قد يبدو للبعض، أن السعودية تقدم على مغامرة خاسرة سلفًا، بفعل موازين القوى المستجدة. ربما، باللغة العسكرية هذا صحيح، لكن في واقع الساحة اللبنانية فإن السعودية تلعب بورقة قوية بالنسبة لها. ربما، لا تعتمد فيها على قوتها العسكرية الذاتية، بل، تراهن على قوتها السياسية والطائفية في الداخل اللبناني وعلى عامل الانقسام الطائفي والمذهبي، وهو العامل ذاته الذي تنفذ منه القوى الخارجية دائماً من أجل استغلال الساحة اللبنانية لمصلحة مشاريعها



قلما تحظى استقالة رئيس وزراء باهتمام وقلق لافتين، كما يحصل مع إعلان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بيان استقالته من العاصمة السعودية – الرياض.
والسبب، يعود إلى مكان إعلان الاستقالة، وأدبيات البيان، والظروف المحيطة باعلان الاستقالة..
الحدث المفاجأة، فتح الباب أمام كل التحليلات على كافة المستويات. وبغض النظر عن اختلاف وجهات النظر السياسية حول توصيفها لكن الجميع توجس خطر توقيتها وتداعياتها على الساحة اللبنانية دون أن يشير أحد إلى علاقة التبعية لاركان النظام السياسي– الطائفي مع الخارج، ولاصطفاف أطرافه السياسية خلف المحاور الاقليمية الدولية. وعليه، فإن صلاحية الاتفاق بين أطراف النظام السياسي – الطائفي التي حصلت قبل عام قد انتهت بوصول العلاقة السعودية – الايرانية إلى مرحلة الاشتباك من البوابة اللبنانية.
استقالة الرياض وضعت البلد في فم النار من جديد، ومرة جديدة نقع في شباك الارتهان للخارج. فالتبعية والطائفية والاتفاقات السياسية المؤقتة.. لن توصل البلاد إلا إلى الطريق الذي نحن اليوم بصدد التخوف منه، ليس بسبب استقالة رئيس حكومة، إنما بحكم موقع الحريري، وبفعل ما يمثله من حيثية سياسية وطائفية، لها مرجعياتها الخارجية وارتباطاتها المباشرة بالمملكة السعودية، أي بمحور من محاور الصراع الدائر في المنطقة.
على أساس ذلك، يصبح الاستنتاج مبنياً على ربط الاستقالة بالاشتباك المحوري الاقليمي، وبكيفية ادارة المعركة الجديدة في لبنان لتحسين أو لتعديل قواعد الاشتباك. فخلفية استقالة الرياض تعد بمثابة:
-  فسخ (طرف محوري) لعقد الاتفاق السياسي – الطائفي بين أطراف العهد الجديد.
- إعلان الاشتباك السعودي - الإيراني في لبنان.
-ربط الوضع في لبنان بمصير المفاوضات الاميركية – الروسية الجارية حول سوريا.
إذاً، رسائل الاستقالة تحمل الغامًا كثيرة وباستهدافات متشعبة، قد تعيد الأمور إلى نقطة تعلم أطراف السلطة السياسية – الطائفية انها قد تصل اليها، اليوم، أوغداً طالما كانت جميعها تسعى إلى ترحيل الأزمة الوطنية وتعميقها أكثر. وبدلاً من وضع خطة للشروع في معالجتها عبر قنوات الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي عمدت إلى اتباع قنوات التفريق الوطني على حساب التجميع الطبقي- الطائفي – المالي وتوزيع المغانم وفق المحاصصات المعتمدة منذ اتفاق الطائف لغاية اليوم.
العلم القائل بأن كل شيء يتغير لم يصل إلى لبنان بعد. وطبعاً، هو علم غير محبوب لدى الطبقة الحاكمة. ولإن كل شيء ثابت عندها فإن المتغيرات الجارية في المنطقة فرضت استقالة الحريري، والتي ستترجم على المستوى الداخلي :
في خلط الأوراق، وإنسحاب مؤقت "للسنية السياسية" من الحكم، وتعطيل الحكومة، أو إعادة فرض حسابات جديدة (تسوية) بين شركاء السلطة، ووقف كل ما يتعلق بملفات وقضايا الناس. هذا عدا عن عوامل التحريض والتجييش والتعبئة السياسية والطائفية ولا سيما المذهبية منها. خلق حالة من الإرباك والفوضى وافتعال توترات أمنية متنقلة هنا وهناك، واهتزاز الوضع الاقتصادي، ومحاولة تأجيل الانتخابات النيابية المقررة في أيار المقبل...
باختصار، فإن الاستقالة باستهدافاتها الداخلية شرعت الأبواب أمام احتمالات صعبة جداً (خطر الاستقرار والسلم الاهلي، والخوف من تجدد دورة عنف (داخلية أو خارجية).
اما الحسابات السعودية للاستقالة على المستوى العربي والاقليمي فإنها تتعلق بمشهد انهيار داعش والنصرة من الشرق اللبناني إلى الشرق السوري وصولاً إلى العراق، والتي جاءت لغير مصلحة المحور الاميركي – السعودي. ومشهد الفشل السعودي في اليمن والنزيف السياسي والعسكري والمالي المستمرمن دون أفق. ومشهد الخلاف مع قطر وتداعيات ذلك على الصعيد الخليجي. كلها أوراق كانت السعودية تعول عليها أيام المساكنة مع إيران، لكن هذه الاوراق انقلبت ضدها وضد محورها الاميركي والتركي والقطري لمصلحة تقدم المحور الروسي – الايراني – السوري- حزب الله. يضاف إلى هذه العوامل الخارجية، عوامل سعودية داخلية متعلقة بالخلافات الجدية المعلنة داخل العائلة المالكة، وكل الاجراءات الدراماتيكية المتخذة لتسريع تسلم ولي العهد محمد ابن الملك سلمان زمام الحكم والقرار، وإزاحة أو اعتقال كل من يمكن أن يشكل خطرأ أو تهديدأ لحكمة (إعلان عن حملة اعتقالات طالت مجموعة من الأمراء وعشرات الوزراء الحاليين والسابقين وكبار رجال الأعمال بتهم الفساد والاختلاس وتبييض الأموال). ولتحقيق هذا الامر فإن التبعية السعودية والتحاقها بمشروع الشرق الاوسط الاميركي فرض إضافة إلى جسر العلاقات التنسيقية التاريخية، إقامة غرفة عمليات مشتركة مع الاميركي توجت بزيارة ترامب إلى المملكة السعودية وتوقيع سلسلة اتفاقات تعاونية وهمية لا علاقة لها بالانتاج، أهمها الاتفاقات الحربية التي بلغت قيمتها المعلنة حوالي 500 مليار مدفوعة سلفًا، نتج على إثرها تعميم اميركي لشعار "محاربة التحالف الاميركي – السعودي للإرهاب" أينما كان. وقد ترجم، اميركيًا بسلسلة عقوبات على حزب الله، وسعودياً بتغريدات الوزير سبهان. ما يعني محاولة هذا المحور تسويق تماثل الإرهاب بين داعش والنصرة وحزب الله، ومحاولة تجييش الرأي العام العالمي لمصلحة هذا التحالف الذي يقود حملة تطهير ضد الإرهاب في سوريا والعراق واليمن ولبنان... ويبدو أن هذه الاتفاقات تضمنت تعزيز العلاقات السعودية – الاسرائيلية. وما إعلان السعودية عن قيام زيارة وفد سعودي إلى الكيان الصهيونية، وعبارات الغزل القائمة إلا مقدمة لكشف المستور بينهما. طبعاً، ليس من أجل فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني إنما لمواجهة "هجمة الفُرس" على اعتبار أن الاميركي والصهيوني أعضاء في جامعة الدول العربية. وما يدعم هذا المشهد هو تكثيف العدو الصهيوني من غاراته الجوية على سوريا من جهة، وطلعاته الاستكشافية فوق الاراضي اللبنانية مع تصريحات وتهديدات قادة العدو المتكررة بحق لبنان في الآونة الأخيرة.
قد يبدو للبعض، أن السعودية تقدم على مغامرة خاسرة سلفًا، بفعل موازين القوى المستجدة. ربما، باللغة العسكرية هذا صحيح، لكن في واقع الساحة اللبنانية فإن السعودية تلعب بورقة قوية بالنسبة لها. ربما، لا تعتمد فيها على قوتها العسكرية الذاتية، بل، تراهن على قوتها السياسية والطائفية في الداخل اللبناني وعلى عامل الانقسام الطائفي والمذهبي، وهو العامل ذاته الذي تنفذ منه القوى الخارجية دائماً من أجل استغلال الساحة اللبنانية لمصلحة مشاريعها...
هذا العامل في حال السماح له بالاختراق، فإن عامل التدخل أو العدوان الاسرائيلي على الخط في لبنان أو سوريا يصبح هو العامل العسكري المطلوب منه وفق الخطة الاميركية أن يعيق تقدم المحور الايراني – السوري – حزب الله في لبنان أو سوريا والمنطقة.، ويغير قواعد الاشتباك.
اما الاستقالة على المستوى الدولي، فإنها تأتي في سياق محاولة ربط السعودية استقرار لبنان بالمفاوضات الدولية الجارية بين الاميركي والروسي لإنضاج التسوية في سوريا لاحقًا، وبما يحفظ لها دورها وحصتها في المنطقة.
اللحظة خطيرة وحساسة جداً، ورياحها القادمة من الخارج إلى الداخل بحاجة إلى إعلان حالة طوارئ وطنية شعارها البدء بورشة إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وإغلاق كل المعابر والمنافذ الطائفية والمذهبية لتحصين الوحدة والاستقلالية كدفاعات وطنية اساسية لحماية السلم الاهلي الوطني، ولصد أي تدخل أو عدوان خارجي على لبنان.
فهل نتعظ من عبر التاريخ ونعمل جميعًا لمشروع المقاومة الوطنية والتغيير الديمقراطي!!


(عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني)

السبت 11/11/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع