ثورة اكتوبر الاشتراكية - التاريخ والحاضر (6)


د. خليل اندراوس


عدد من جريدة الايسكرا بالطبعة التركمانية، مخصص للينين (21 كانون الثاني 1925)


**بدون تنميق!
قاد لينين عمل المؤتمر وتقدم بتقرير حول قضية من القضايا الهامة المدرجة في جدول الاعمال – قضية الموقف من الاحزاب البرجوازية، وهو كما وصف الكاتب الروسي الكبير غوركي خطاب لينين من منبر المؤتمر: "لم يحاول لينين تقديم كلام منمق، انما قدم كل كلمة وكأنها على كف، كاشفا بسهولة مدهشة عن معناها الدقيق... ومن حيث حساب الزمن، تكلم وقتا أقصر مما تكلم من تقدمه من الخطباء.


**جريدة العمال
كان بابوشكين وباومن وغوسيف وزيليكسون وكالينين وغيرهم من الثوريين داعمي ومساعدي الايسكرا.وكان من النادر ان يصدر عدد من اعداد "الايسكرا" دون ان يتضمن مقالا للينين، وكانت "الايسكرا" تتحدث في مقالاتها عن الطريق الأحسن لتنظيم الحزب ولبناء عمله ولجذب الجماهير إلى النضال الثوري. وكانت الجريدة واسعة الانتشار بين العمال، وقد اكتسبت عميق دعمهم وحبهم


**لينين والنضال من اجل تأسيس حزب البلاشفة


بتاريخ 16 تموز سنة 1900 سافر لينين إلى الخارج، بعد ان اصبحت الاقامة في روسيا خطرا ما يفتأ يشتد خصوصا بعدما كتب عقيد الدرك زوباتوف في رسالة سرية إلى رؤسائه يقول انه "لا يوجد في الثورة اليوم شخص اكبر من اوليانوف (لينين)" واقترح تنظيم اغتياله.
وفي الخارج شرع لينين دون ابطاء بتنظيم جريدة ثورية لعامة روسيا سميت باسم "الإيسكرا" (الشرارة) واختيرت المانيا مكانا لاصدارها، وجعلت هيئة التحرير مقرها في مدينة ميونيخ، ووصل فلاديمير لينين إلى هذه المدينة.
جملة من المصاعب واجهت اصدار الجريدة، فقد كان ينبغي ايجاد بناية للمطبعة، وكان ينبغي ايجاد الحروف الروسية، وقد وجد الاشتراكيون الدمقراطيون الالمان في هذا الامر مساعدة كبيرة. في كانون الاول سنة 1900 صدر العدد الاول من جريدة "الإيسكرا" وكان يتصدر كل عدد من اعداد الجريدة القول المأثور: "من الشرارة يندلع اللهب"، وهو ما حدث في واقع الامر فقد تضرم في روسيا لهب ثوري كبير احترق في اواره الحكم القيصري المطلق والنظام الرأسمالي.
وبدأت الايسكرا تصدر في فترة كانت تتصاعد فيها بروسيا حركة ثورية على رأسها الطبقة العاملة. فقد كثرت اضطرابات العمال وهب الفلاحون يناضلون ضد كبار ملاكي الاراضي، وشمل الغليان الطلاب وقد تطلب الامر حزبا ماركسيا منظما قويا لترؤس هذه الحركة المتسعة، وناضلت "الايسكرا" اللينينية لتأسيس هذا الحزب.
بناء على اقتراح لينين وتحت قيادته اخذت تتأسس في روسيا وتعمل فرق مساعدة الايسكرا، وكان هؤلاء ينشرون "الايسكرا" ويرسلون لها المكاتيب والمقالات والمواد وينظمون جمع المال، وكان هؤلاء يعملون بانكار للذات معرضين انفسهم لملاحقات الدرك وشرطة التحري. وكانت السجون والأشغال الشاقة والمنافي في انتظارهم في حالة الاعتقال.
وكان بابوشكين وباومن وغوسيف وزيليكسون وكالينين وغيرهم من الثوريين داعمي ومساعدي الايسكرا.
وكان من النادر ان يصدر عدد من اعداد "الايسكرا" دون ان يتضمن مقالا للينين، وكانت "الايسكرا" تتحدث في مقالاتها عن الطريق الأحسن لتنظيم الحزب ولبناء عمله ولجذب الجماهير إلى النضال الثوري.
وكانت الجريدة واسعة الانتشار بين العمال، وقد اكتسبت عميق دعمهم وحبهم (وهذا ما نحن بحاجة اليه اليوم بالنسبة لصحيفة الاتحاد – علينا ان نعمل على توسيع انتشارها بين العمال وجماهير الشعب الواسعة، والعمل على تعميق دعمهم وحبهم لصحيفة الحزب- الاتحاد. فكما قال لينين صحيفة بدون حزب ممكن، ولكن حزبا بدون صحيفة غير ممكن- د.خ).
وكان احدهم يقول "... أطلعت كثيرين من الرفاق على الايسكرا فتهرأ العدد كله وهو غال... فالحديث فيه عن قضيتنا، عن كامل القضية الروسية التي لا يمكن تثمينها بالكوبيكات او تقديرها بالساعات، فعندما نقرأه نفهم سبب خوف الدرك والشرطة منا نحن العمال ومن اولئك المثقفين الذين نسير نحن وراءهم"، منذ نهاية سنة 1901 اخذ فلاديمير ايليتش يوقع بعض مقالاته بتوقيع لينين.
في سنة 1902 صدر كتاب لينين "ما العمل؟" وقد بسط لينين في مؤلفه هذا ودعم مشروع بناء الحزب البروليتاري، وكان لينين يعتبر انه ينبغي للحزب المراد تأسيسه ان يكون حزبا ثوريا، حزب كفاح حزبا من طراز جديد لا يشبه الاحزاب الاشتراكية الدمقراطية التي كانت قائمة آنذاك.
لقد كان لينين يريد انشاء حزب يختلف كل الاختلاف، حزب عمال ثوري قلبا وقالبا، وينبغي لهذا الحزب، لكي يترأس حركة العمال ويصبح قوتها القائدة، ان يتسلح بالنظرية الثورية الطليعية، بالنظرية الماركسية وينبغي له ان يسكب هذه النظرية في حركة العمال فيضفي عليها بذلك الوعي الاشتراكي. وقد نوه لينين وأكد اهمية النظرية الماركسية لطبقة العمال ولحزبها وكتب يقول:
"بدون النظرية الثورية لا يمكن ان تكون هناك حركة ثورية" وقد لعب كتاب "ما العمل؟" للينين دورا كبيرا في رص صفوف الحزب على اسس الماركسية وفي تحضير المؤتمر الثاني لحزب العمال الاشتراكي الدمقراطي الروسي، الذي كوّن حزبا ماركسيا ثوريا حقا.
كانت للينين اليد البيضاء في تحضير مشروع برنامج الحزب الاساسية ومهامه وإذا كانت هيئة تحرير الايسكرا قد استطاعت وضع برنامج حزبي ثوري فما ذلك الا بفضل قيادة لينين وقد اشير في البرنامج بدقة ووضوح إلى الهدف النهائي لحركة العمال – بناء المجتمع الجديد – الاشتراكي، كما اشير فيه إلى الطرق التي توصل إلى هذا الهدف – الثورة الاشتراكية وديكتاتورية البروليتاريا ورسم البرنامج كذلك الاهداف المباشرة لحزب العمال – اسقاط القيصرية واقامة الجمهورية الدمقراطية. وبغية شرح برنامج الحزب للفلاحين كتب لينين في ربيع سنة 1903 بلغة مبسطة كراس "إلى فقراء الفلاحين".


** احتياج فقراء الفلاحين إلى التحالف مع العمال


وفي هذا الكراس بيّن بكلمات سهلة يفهمها الفلاحون الاهداف التي يناضل من اجلها حزب العمال، كما بين احتياج فقراء الفلاحين إلى التحالف مع العمال وقد كتب لينين: "نحن نريد بناء المجتمع بناء جديدا افضل، وفي هذا المجتمع الجديد الافضل لا ينبغي ان يوجد اغنياء ولا فقراء، وينبغي للجميع ان يساهموا في العمل، وثمار العمل المشترك.
لا ينبغي ان تكون وقفا على قبضة من الاغنياء، انما ينبغي ان يفيد منها جميع الشغيلة، وينبغي للماكنات وسائر التحسينات ان تسهل عمل الجميع، لا ان تكون وقفا على قبضة من الاغنيا، انما ينبغي ان يفيد منها جميع الشغيلة، وينبغي للماكنات وسائر التحسينات ان تسهل عمل الجميع، لا ان تكون وسيلة لاثراء قلة على حساب الملايين وعشرات الملايين من جماهير الشعب، وهذا المجتمع الجديد المجتمع الافضل يسمى المجتمع الاشتراكي، وتعاليم هذا المجتمع تسمى الاشتراكية. في اوائل سنة 1902 وقعت شرطة التحري على اثر الايسكرا، فاختارت هيئة التحرير عاصمة انجلترا مدينة لندن مكانا جديدا لاصدار الجريدة وفي نيسان سنة 1902 انتقل لينين إلى مدينة لندن.
اطلع لينين اثناء اقامته في لندن بعمق على حركة العمال ودرس حياة العمال الانجليز وحضر اجتماعاتهم ومهرجاناتهم، وقد قالت كروبسكايا تتحث عن ذكرياتها، كان فلاديمير ايليتش يميل على الدوام إلى حيث توجد جماهير العمال، وكان يتوجه ابدا إلى حيث يوجد هذا الجمهور إلى النزهة، إلى البار، والى غرفة المطالعة وكان لينين يطيل المكوث في مكتبة المتحف البريطاني التي كان يعمل فيها ماركس في حينه.
في ربيع سنة 1903 سافر لينين من لندن إلى جنيف، وهي المدينة التي نقلت اليها طباعة الايسكرا، وقد استأجر لينين مع العائلة بيتا غير كبير في ضواحي جنيف، وكان يستقبل في هذا البيت الرفاق القادمين من روسيا، وكان كثيرون منهم بعد الفرار من المنفى لا يملكون مالا ولا يملكون في حالات كثيرة، حتى اللباس، وكان فلاديمير ايليتش يُعنى على الدوام بحاجات الرفاق وكان يسعى لتأمين المسكن والغذاء للمحتاجين، لقد كان انسانا يعمر قلبه الانتباه والود والعناية.
انفق فلاديمير ايلتش لينين الكثير من وقته في تحضير المؤتمر الثاني للحزب فقد وضع للحزب نظامه الداخلي وفكر في مشروع عمل المؤتمر وحضر مشروعات القرارات. وكان لينين ينتظر افتتاح المؤتمر بتأثر بالغ وبفارغ الصبر، وكان يستقبل المندوبين بترحيب وسرور ويستفسرهم عن احوال روسيا وعن ميول العمال الثورية وعن عمل المنظمات المحلية.
ففلاديمير ايليتش اذ عاش بعيدا عن الوطن كان شديد الحنين اليه وحيثما كان يعيش في الخارج كان يتذكر على الدوام روسيا ورحاب روسيا والفولغا الذي رأى على ضفافه النور والطبيعة الروسية، كان يحلم بالشتاء الروسي بصقيعه ويتمنى لو يكون على الفولغا.
في تموز سنة 1903 افتُتح المؤتمر الثاني لحزب العمال الاشتراكي – الدمقراطي الروسي وفي البدء عقد المؤتمر جلساته في بروكسل ثم انتقل إلى لندن بسبب ملاحقات الشرطة البلجيكية. وقد اشترك لينين بنشاط في توجيه المؤتمر وفي عمله وقام مع انصاره بنضال نشيط ضد الانتهازيين وفي سبيل نصرة الاتجاه الايسكري، وقد أقر المؤتمر بأكثرية الاصوات البرنامج اللينيني الثوري وآنئذ لم يكن العالم يعرف برنامج حزب عمالي آخر صيغت فيه بوضوح مهمة اكتساب ديكتاتورية البروليتاريا.
وقد استرشد الحزب بهذا البرنامج وناضل بنجاح في سبيل انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا، وظهرت في المؤتمر خلافات حادة اثناء بحث النظام الداخلي الذي بين الصفات التي ينبغي ان تتوافر في عضو الحزب وبين كيف ينبغي للحزب ان يبني وأن يعمل، فقد كان لينين يريد تأسيس حزب عمال كفاحي واحد يسهم كل عضو من اعضاءه بنشاط في النضال الثوري ويخضع لنظام الحزب، ولذلك كان يعتبر انه لا يمكن ان يكون عضوا في الحزب غير الشخص الذي يعترف ببرنامج الحزب ويدفع بدل الاشتراك وينتسب لمنظمة من منظمات الحزب ويساهم في عملها. وهذه الصيغة اللينينية جعلت دخول الحزب امرا عسيرا على العناصر غير الثابتة، غير البروليتارية وجعلت الحزب منظما وذا نظام معين.
وأثناء بحث مسألة عضوية الحزب حدث انشقاق بين المندوبين للمؤتمر، وقد اقر المؤتمر بأكثرية ضئيلة من الاصوات الاقتراح الانتهازي الذي تقدم به مارتوف والقائل بأنه حسب المرء لكي يعتبر عضوا في الحزب ان يعترف ببرنامج الحزب وأن يقدم له المساعدة المادية دون ان يلزم بدخول منظمة من منظمات الحزب، وبالخضوع لنظام الحزب، وهذا التفسير لعضوية الحزب يجعل الحزب مائعا ويفتح ابوابه امام العناصر المتذبذبة  ولو بقي الحزب على هذا الحال لما امكن العمال قط ان ينتصروا على اعدائهم الطبقيين.


** نال انصار لينين اكثرية الاصوات


في جلسات المؤتمر الاخيرة، اثناء انتخاب الهيئات المركزية تغير تناسب القوى لمصلحة انصار لينين، لأن قسما من الانتهازيين قد ترك المؤتمر، وأثناء انتخاب اللجنة المركزية وهيئة تحرير جريدة الحزب المركزية التي اعترف بأنها جريدة الايسكرا، نال انصار لينين اكثرية الاصوات ومنذ ذلك الحين اطلق عليهم اسم البلاشفة وأطلق على الانتهازيين الذي ظهروا اقلية اسم المناشفة.
ان المؤتمر الثاني قد كان بداية حزب البلاشفة – الحزب الماركسي الثوري، وقد كتب لينين يقول: "ان البلشفية بوصفها تيارا من تيارات الفكر السياسي وبوصفها حزبا سياسيا موجودة منذ سنة 1903"، ان تأسيس الحزب البلشفي، الحزب الثوري قلبا وقالبا، هو خدمة من اعظم الخدمات التي اداها لينين لا لحركة العمال في روسيا وحسب بل ايضا لحركة العمال العالمية كلها، ذلك ان الحزب البلشفي قد غدا نموذجا لجميع الاحزاب الشيوعية والعمالية.
بعد المؤتمر الثاني تحرج الوضع في داخل الحزب، فالمناشفة قد شغلوا مكان "الاقتصاديين" المحطمين وساروا على اتجاههم الانتهازي، ومنذ ذلك الحين وخلال سنوات عديدة احتدم نضال عنيف عنيد بين البلاشفة والمناشفة، في ذلك الوقت وضع المناشفة ايديهم على جريدة الايسكرا، وشنوا على صفحاتها النضال ضد لينين ضد البلاشفة وضد قرارات المؤتمر الثاني. وقد تطلب الامر خوض معركة فاصلة ضد المناشفة واظهار مبلغ خطر المنشفية على الحزب وعلى الحركة الثورية في روسيا، وقد قام لينين بهذه المهمة في كتابه "خطوة إلى الامام وخطوتان إلى الوراء" وقد صدر هذا الكتاب في ايار سنة 1904، كشف فلاديمير ايليتش لينين عن انتهازية المناشفة وطور التعاليم الماركسية بشأن الحزب بوصفه المنظمة القائدة للبروليتاريا، بوصفه المنظمة التي يستحيل بدونها احراز النصر في الثورة الاشتراكية.
وقد اشار لينين قائلا: "ليس لدى البروليتاريا في النضال من اجل السلطة أي سلاح غير سلاح التنظيم"، وعلم ان الحزب هو جزء من الطبقة العاملة، هو فصيلتها الامامية الواعية وأنه لا يمكن للحزب ان يقود نضال البروليتاريا بنجاح الا حين يتحد جميع اعضائه في فصيلة واحدة ترصها وحدة الارادة والعمل والنظام، وشرح لينين ان الحزب هو تجسيد الصلة بين الفصيلة الامامية والملايين من جماهير الطبقة العاملة، ولا يمكن للحزب ان يعيش وان ينمو اذا لم يوثق الروابط مع جماهير العمال وإذا لم يكتسب تأييدهم.
في كانون الثاني عام 1905 بدأت الثورة الروسية الاولى، وقد رأى لينين في أحداث بطرسبورغ في ذلك العام بداية الثورة وقد كتب يقول: "ان اصداء شعار بروليتاريا بطرسبورغ الباسلة: "الموت او الحرية" تدوي الآن في جميع اصقاع روسيا". في نيسان عام 1905 سافر لينين من جنيف إلى لندن لحضور المؤتمر الثالث لحزب العمال الاشتراكي – الدمقراطي الروسي، وكان هذا المؤتمر اول مؤتمر بلشفي، إذ رفض المناشفة حضوره ونظموا في جنيف مجلسا عاما لهم، وقد وصف لينين الوضع في حزب العمال الاشتراكي – الدمقراطي الروسي بقوله: مؤتمران – حزبان.
بعد انتهاء المؤتمر عاد لينين إلى جنيف، وقد شرح فلاديمير ايليتش لينين اهمية المؤتمر وأهمية قراراته في كتابه: "خطتا الاشتراكية – الدمقراطية في الثورة الدمقراطية" وفي هذا الكتاب وضع لينين خطة الحزب الشيوعي التي اتاحت للبروليتاريا الروسية احراز النصر على الرأسمالية في ثورة اكتوبر عام 1917.
في اواخر اكتوبر/ تشرين الاول عام 1905 غادر لينين جينيف وعاد إلى بطرسبورغ، وخلال تواجده في مدينة بطرسبورغ قام لينين بالعمل التنظيمي للحزب وقام بقيادة لجنة البلاشفة المركزية في روسيا، وكذلك قام بتوجيه الجريدة البلشفية العلنية في ذلك الوقت "نوفايا جيزن" (الحياة الجديدة) عام 1906 طالب العمال بوحدة الحزب لكي يسير نضالهم ضد القيصرية في اتجاه اضمن للنجاح.
وقد ايد لينين والبلاشفة هذا الطلب واقترحوا على المناشفة عقد مؤتمر توحيدي، وفي نيسان 1906 انعقد في ستوكهولم (السويد) المؤتمر الرابع، التوحيدي، لحزب العمال الاشتراكي – الدمقراطي الروسي.
وكان التفوق في المؤتمر للمناشفة واحتدم بين البلاشفة والمناشفة نضال عنيف، فلينين اذ وافق على التوحيد، كان يعارض طمس الخلافات وقد تكلم في المؤتمر ووجه اشد النقد لاتجاه المناشفة الانتهازي، استغل المناشفة تفوقهم العددي في المؤتمر وفرضوا قراراتهم وانتخبوا في اللجنة المركزية اكثرية ممثليهم، والتوحيد الذي حدث في المؤتمر لم يكن اكثر من توحيد شكلي للبلاشفة والمناشفة، فقد بقي هؤلاء واولئك في واقع الامر متمسكين بنظراتهم في القضايا الهامة المتعلقة بالثورة وبنشاط الحزب.


** تكلم وقتا أقصر مما تكلم من تقدمه من الخطباء..


استمر لينين بعد ارفضاض المؤتمر يذود عن خطة البلاشفة ويبين صوابها، توصل لينين بعد ذلك بنضال مثابر إلى رص صفوف المنظمات الحزبية حول البلاشفة وطرح مهمة عقد مؤتمر حزبي جديد وجعل يعد له العدة بنشاط، وفي اواخر نيسان سنة 1907 سافر لينين إلى لندن حيث التأم المؤتمر الخامس لحزب العمال الاشتراكي – الدمقراطي الروسي، وقاد لينين عمل المؤتمر وتقدم بتقرير حول قضية من القضايا الهامة المدرجة في جدول الاعمال – قضية الموقف من الاحزاب البرجوازية، وهو كما وصف الكاتب الروسي الكبير غوركي خطاب لينين من منبر المؤتمر: "لم يحاول لينين تقديم كلام منمق، انما قدم كل كلمة وكأنها على كف، كاشفا بسهولة مدهشة عن معناها الدقيق... ومن حيث حساب الزمن، تكلم وقتا أقصر مما تكلم من تقدمه من الخطباء.
ولكن بدا هذا الوقت، من حيث الانطباع اطول جدا ولم اكن الشخص الوحيد الذي احس هذا الاحساس، فقد سمعت من خلفي اناسا يهمسون بإعجاب كلاما له وزنه، وهذه هي الحقيقة: فكل حجة من حججه كانت تنكشف عن كل معانيها بنفسها بفعل القوة الكامنة فيها"، كانت اكثرية المؤتمر بجانب البلاشفة، وقد انتصروا على الانتهازيين المناشفة. في اوائل حزيران سنة 1907 سافر لينين من لندن إلى روسيا وقد اتضح في ذلك الحين ان الثورة (أي ثورة 1905 – 1907) قد هزمت، وانتقلت في ذلك الوقت الحكومة القيصرية إلى شن هجوم حاسم، بدأت السنوات العصيبة، سنوات الرجعية.
في كانون الثاني سنة 1908 وصل لينين إلى جنيف وكم قاسى من ألم إذ عاد من روسيا الثورية إلى هذه المدينة الهادئة كانت الثورة الروسية شاغل افكار لينين فقد كان على يقين من ان انهزام البروليتاريا ليس غير هزيمة مؤقتة، وان انتصار الطبقة العاملة على الحكم المطلق امر محتوم، وقد كان للكلمات التي توجه بها لينين إلى الحزب دوى عظيم: "استطعنا ان نعمل سنوات طويلة قبل الثورة وليس من باب الصدف ان خلعوا علينا صفة الصلابة.
لقد اسس الاشتراكيون – الدمقراطيون حزبا بروليتاريا لا يفقد معنوياته لاخفاق اول هجوم عسكري حزبا لا يركب رأسه ولا تجذبه المغامرات.. وهذا الحزب البروليتاري سائر إلى النصر".
في سنوات هزيمة الثورة (ثورة 1905 – 1907) والرجعية الحالكة بعد هذه الهزيمة، والتي بدا ان ظلامها طبّق الآفاق، كانت افكار لينين تتجه إلى انتصار البروليتاريا المقبل. ثأرت الحكومة القيصرية في روسيا بعد هزيمة ثورة 1905 – 1907 من الجماهير الشعبية لقيامها بالثورة فقد صدرت الاحكام بالاشغال الشاقة على عشرات الالوف من الثوريين، وأعدم الوف ودمرت الشرطة منظمات العمال وتحرج الوضع في الحزب، تناقص عدد اعضائه وضعفت الروابط بين منظماته وقد اضطر الحزب إلى العمل السري العميق، وكانت الحكومة ترسل إلى منظمات الحزب المخبرين وتتصيد استنادا إلى وشاياتهم رجال الحزب البارزين، وتدمر منظمات بأكملها، وبدأت في بيئة رفاق طريق الثورة، ولا سيما في اوساط المثقفين، مرحلة الخيانة والتبرؤ من الحزب والثورة، وكان التعب اخذ يفعل فعله في الجماهير.
(وبرأي كاتب هذه السطور هذا ما فعلته الامبريالية العالمية والصهيونية والرجعية العربية ضد الاحزاب الشيوعية والقومية في العالم العربي وايضا هنا في اسرائيل بهدف ضرب قوى التقدم والتحرر والقوى القومية واليسارية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات لا بل حتى الآن).
فور الوصول إلى جنيف شرع لينين يعد العدة لاستئناف اصدار الجريدة البلشفية "بروليتاري". وقد دعا لينين للاشتراك في تحرير الجريدة غوركي ولوناشاركسي وغيرهما من الكتاب البلاشفة المعروفين. وفي ظروف الرجعية القاسية رأى لينين في الجريدة الحزبية وسيلة في منتهى الاهمية من شأنها ان ترص صفوف ملاكات البلشفية وأداة من شأنها ان تحضر الحزب والطبقة العاملة لنهوض جديد في الثورة.
وبرأي كاتب هذه السطور هناك مهمة ملحة وضرورية تهدف إلى توسيع انتشار وتطوير الاعلام والصحافة والممارسة الثورية بين الطبقة العاملة وجماهير الشعب الواسعة في كل العالم العربي وهنا ايضا من اجل النهوض مجددا بالأحزاب اليسارية والتقدمية والشيوعية من اجل النجاح في النضال ضد الافكار الرجعية والايديولوجية الصهيونية العنصرية والكفاح ضد الهيمنة الصهيونية الامبريالية على المنطقة وفرض وليس استجداء السلام العادل في المنطقة.


** للعمل على تعزيز المنظمات الحزبية


ومن اجل الحفاظ على رسالة الاحزاب الشيوعية الثورية هناك ضرورة ملحة، للعمل على تعزيز المنظمات الحزبية والسعي للاستفادة من كل مناسبة والنضال المثابر والمدروس والمبرمج في كل المؤسسات الجماهيرية والجمعيات ومنظمات العمال والعمل على توثيق الروابط بالجماهير الشعبية الواسعة.
ان نضال لينين من اجل صيانة الحزب وتعزيزه قد جوبه بالعداء من قبل خصوم الحزب الكثيرين، وبعد انهزام ثورة 1905 – 1907 تقهقر المناشفة في ذعر وتبرؤوا بصورة مشينة من شعارات الحزب ومن برنامجه الثوري، وعملوا لتصفية منظمات الحزب السرية ولوقف العمل الثوري السري ولذلك نعت لينين المناشفة بالمصفِّين. وقد دعا المناشفة – المصفون الطبقة العاملة إلى التفاهم مع البرجوازية والى التسليم بالاوضاع الرجعية، وكانوا يأملون ان يحصلوا عن هذا الطريق على ترخيص للحزب للعمل علنا، كانوا يريدون تنظيم حزبي علني، غير ان حزب البروليتاريا الثوري لم يكن يستطيع الحياة العلنية في روسيا القيصرية، ومعنى ذلك ان المناشفة كانوا مصممين سلفا على تنظيم حزب انتهازي لا حزب ثوري، وكان ذلك امرا خطيرا جدا.
وقد شهّر لينين بالمصفين دون كلل بوصفهم اعداء الحزب وبين ضرورة النضال ضدهم بلا هوادة، وقد كتب يقول: "القضية قضية وجود او عدم وجود حزبنا القديم السري". والى جانب ذلك بين لينين ايضا بأن التخلي عن العمل العلني يؤدي إلى انفصال الحزب عن الجماهير، ويجعل الحزب عاجزا عن جمع القوى الثورية لنهضة ثورية جديدة، وهو امر يسير بالحزب إلى الهلاك.
وفي عصرنا الحالي هناك ضرورة وواجب اممي – قومي، قومي اممي يقع على عاتق الاحزاب اليسارية والشيوعية للعمل على تعميق التواصل مع الجماهير من اجل تجميع القوى المناهضة للامبريالية والصهيونية عالميا والرجعية العربية في منطقة الشرق الاوسط، وصمود الشعب السوري ضد مؤامرة تمزيق سوريا الوطن والشعب بمساعدة قوى دولية كروسيا وايران والصين لأكبر دليل على اهمية دور القوى التقدمية عالميا وفي سوريا في الصمود امام هذا الثالوث الدنس – الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية وعلى رأسها مملكة امريكا – السعودية.
في نهاية سنة 1908 نقل اصدار جريدة "بروليتاري" إلى باريس التي كانت آنئذ مركز المهاجرين الروس، ونظرا لذلك انتقل لينين إلى باريس. وساهم لينين بنشاط في عمل الفرقة البلشفية بباريس وكثيرا ما كان يلقي التقارير حول الوضع السياسي في روسيا وحول كومونة باريس وحول الامور والاحداث السياسية في ذلك الوقت.
كان لينين يربط نشاط الحزب العملي اوثق الربط بالنضال في سبيل الصفاء الفكري لأسسه النظرية وفي سبيل الاخلاص لتعاليم ماركس وقد ناضل لينين بحمية وسخط ضد المحاولات التي جرت لاعادة النظر في الماركسية وأسسها الفلسفية.
ان انتشار النظرات التحريضية في قضايا الفلسفة كان خطرا كبيرا يهدد الحزب والطبقة العاملة.
(يتبع)

السبت 11/11/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع