قصة:
بلفور والخاتم.!


يوسف جمّال


                

ما زال الخاتم، في العلبة الصفراء الكبيرة،التي ورثتها عن أمي..
فيها كل أشيائها الصغيرة.. المكحلة، ملقط الحواجب، مشط صغير، بعض الإبر والخيطان الملوّنة..
لم أرَها تستعملها أبدًا..
أجابت عندما سألتها عن سرِّ الخاتم : إنها لم تضعه في إصبعها، إلا مرة واحدة..عندما أحضره أبوك معه من طول كرم.
ومرة أخرى..
 حين أرجعه رجل، رفض ان يذكر اسمه أو اسم بلده، وقال ان هذا الخاتم، كان رهانًا عند أبيه، مقابل بندقية سلمها لجدِّك وأحد رفاقه الثوار..!
إن أباه أوصاه، وهو على فراش موته، أن يرجع الأمانات الى أصحابها.. أكمل حديثه، قبل ان يغادر بيتنا، راجعًا الى بلده.
 كان أبي معتادًا،على جمع العكوب، من براري الروحة، ونقله على جمله وحماره، الى طولكرم، لبيعه هناك.وبثمنه شراء ما يحتاج بيته من مؤن ومستلزمات..
في ذلك اليوم باع أبي حمل العكوب، وترك الجمل مربوطًا عند التاجر، وتوجه الى السوق، وبعد ان انتهى من اقتناء حاجاته،واراد ان يعود يصطحب جمله ليعود الى بلده..
  سمع ضجيجًا عاليًا، ترك مشترياته عند أحد أصحاب محلات البقالة، وتقدم نحو مصدر الصوت، وصل الى تقاطع طرق، فرأى جموعًا حاشدة تملأ شارع السوق الرئيسي وتفرعاته، تصدر عنها أصوات هادرة تهزّ كل ما حولها.
ظنَّ في بادئ الأمر، أنها زفة عرس كبير،  لابن احد الزعماء.
ولكنه عندما أصاخ السمع، ليفك دلالات الكلمات، التي تنطلق عاليًا من حناجر الحشد الكبير، الذي يسير في المسيرة، تأكد أنها ليست عرسًا.
كانوا يهتفون بجملة واحدة : "فليسقط وعد بلفور..!".
لم يفهم ما تعنيه هذه الجملة..! لم يسمع بها من قبل.! لم يفهم ما هو بلفور..ولماذا يريدون إسقاطه.!
وقف في الشارع، مشدوهًا مبهوتًا فاغرًا فاه،متصلبًا، ودون ان ينتبه، وجد نفسه في وسط جموع هادرة، كالسيل الجارف..
فسار معهم،وهو يصيح  بأعلى صوت، يستطيع إطلاقه : "فليسقط وعد بلفور.!"،" فليسقط وعد بلفور.!".
استمرت المظاهرة بالتقدم الى الأمام،وهو في وسطها، لا يستطيع ان يرى أولها أو آخرها.
 تلفَّت  – لأول مرة – منذ ان وجد نفسه فيها، فرأى حوله شباباَ، وشيوخاَ صبايا،وعجائز وأطفالا..
كلهم يهتفون : "فليسقط وعد بلفور.!".
 كانت عجوز طاعنة في السن، تسير الى جانبه ومحدودبة الظهر، تلبس لباسًا رثًا، " تبشنق " رأسها بحطة ذهبَ بياضها، يطلُّ منه وجه،لم يبق منه سوى عظامه، وفم يهتف خال من الأسنان.
بدأت أصوات ضاجة،تشوِّش رتيب إيقاعات المظاهرة،تتسلل الى أسماعه..
صارت تتعالى،بحيث أصبحت تتغلَّب على الهتافات..
بدأ المتظاهرون يرتدّون الى الوراء.. فعمت الفوضى.. بدأ المرتدون يصطدمون بالسائرين خلفهم.. فوصله الصراخ القادم من أمامه.
 دفعه المتراجعون، فاختل توازنه، فكاد يسقط على الأرض، الا انه تماسك في اللحظة الأخيرة، و أعاد لجسمه توازنه، بعد ان استعان بكتف شاب كان يسير بجانبه.
ولكن سرعان ما اصطدمت رجلاه، بشيء على الأرض،
التفت الى الأسفل.. الى قدميه، كانت هي.. العجوز التي تسير بجانبه، ملقاة على الأرض..
فشق بقوة لجسمه مكانًا، يستطيع منه الوصول اليها، فانتشلها من بين أقدام المتظاهرين، التي كادت تدعسها..
وعندما وقفت، أدخلت يدها الى عبِّها، وأخرجت خرقة من القماش مات لونها، ووضعتها في يده، وصاحت بصوت عال يستطيع الوصول الى أذنيه، متغلبًا على ضجيج المتظاهرين، وهي تنفذ من المنفذ، الذي صنعه الشباب كي تخرج منه:
" خذ هذا واعطه للمظاهرة.. والله ما عندي غيره..!!".
فوضعه في جيبه دون ان يفتحه ليتبيَّن ما في داخله.!
بوليس..! جيش..! بوليس..! جيش..!
إنجليز..! إنجليز..!
طرقت أسماعه، نداءات وتحذيرات.
فعرف سبب الفوضى التي حدثت في المظاهرة..!
وعرف أنها معادية للإنجليز..
فلمعت في ذاكرته العذابات،التي يعاني منها،هو وأهل بلده والبلاد التي حوله، من الإنجليز وأعوانه.
فشعر ان المظاهرة له.. وأنه أصبح جزءا منهم..لهم عدو واحد، ولهم نفس المصير..
 فالتحم بهم.
وقرَّر ان يستمرَّ في السير، مهما كلفه ذلك.. حتى ولو كان الموت نفسه.!
كانت أصوات انفجارات البارود، وزعقات المصابين،وصرخات بكاء الأطفال تتفجَّر في أذنيه، فتزيده صلابة وإصرارًا على البقاء في المسيرة.
اقترب من الذين سالت دماؤهم،من ضربات عصيِّ الإنجلبز..
كانت الدماء تسيل من جباههم.. من رؤوسهم، من أطرافهم..
استمر في السير، شاقًا طريقه من بين الأجسام،التي كانت ممددة في طريقه، لا يدري ان كانت على قيد الحياة، أو ماتت نتيجة لضربات جيش الانجليز..
صمم ان يصلهم مهما كانت النتائج..!
كان التجمع،الذي تكوَّن بينه وبين العسكر، شديد الازدحام..
بعد صراع شديد،استعمل فيه كل قوته ومرونة جسمه، استطاع ان ينفذ إليهم..
وجد نفسه بجانب،جندي في يده هراوة، ينهال  بها ضربًا على المتظاهرين..
استطاع ان يقبض عليها،ويسحبها منه..وبدأ يكيل للجنود ضربات،على اليمين وعلى الشمال، بكلِّ ما أوتي من قوة..
ولم يشعر بألم الضربات،التي كان يتلقاها من الجنود،الذين تكاثروا عليه..!
ولم يصح إلا في زنزانة ضيِّقة.. وجد نفسه مرميّا فيها..
عرف بعد ذلك انه كان في سجن يافا..
مدَّ يده  وتناول خرقة العجوز من جيبه، فتحها فوجد فيها خاتمًا ذهبيًا، فأرجعها الى جيبه سريعًا، خوفًا من عيون العسكر.
بعد أيام من التحقيقات المعذِّبة، اقتنع المحققون انه فلاح ساذج، وجد نفسه صدفة في المظاهرة.
 فقرروا اطلاق سراحه، ولكن بكفالة..
فعرض عليهم الخاتم، فقبلوا به..
وأخبروه، انه في حالة إحضاره مبلغ  الكفالة خلال اسبوعين، سيرجعون له الخاتم.
بعد يوم من خروجه، طار الى سجن يافا.. أعطاهم مبلغ مال الكفالة.. واسترجع الخاتم.

الأثنين 13/11/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع