ذاكرة من حيفا... (شهادة ذاتية)


رشدي الماضي


أنا المجنون رشدي بن الملوّح أذكر اسم حبيبتي حيفا لأُذكِّر بها، حتّى لا ينجح هذا الزمن العدو في طمس معالمها في كتاب الغياب...
أمس، ليلا، لمّتْني أرصفتها السّاهرة وهي نائمة على سرير السَّحاب... وهذا الصّباح رُحْتُ أبحثُ في مهدها عن طفولتي البعيدة وهي تلمع في عباءات الضّباب...
ليالي شبابيك حيفا تأخذني الى جغرافيا وادي النّسناس العتيقة... فأذهب وألج المساريب الصّغيرة صوب قلبي... ثُمَّ أصعد، كما سيزيف، متمرّدا عنيدا، قِمَّة الكرمل، قَمَّةً لا تنحني للعاصفة، كي أطِلَّ عليها، عاشقا عائدا منها إليها... عروسا عصيّة على النّسيان...
... تولعني حيفا/ ذاكرة لا تنام/ ونافذة تغزل عودتي سِحرا/ سحر العودة لعظيم/... قد لا تُصدّقون، لكن صدّقوا...
حاولتُ وأحاول التَّوقّف على رتق بكارات لياليَّ بالحكايا، تدوينا لذيّاك الزَّمن، وإن شِئْتم أصِفهُ بـ"الجميل"...
نعم حاولت هذه الشّقيّة والمشاغبة؛ ذاكرتي تأبى إلّا أن تظلَّ شهرزاد، لكنّها لا ترجم بالغيب، بل تروي ما عاشَتْهُ وما رأتْهُ وتراه أبّعد حتى من عيون زرقاء اليمامة... وحيث أنّها تعي الى أعمق مسافات الوعي الرَّائي أنّ من رحمها الولودة دوما يولد الغد البديل؛ وذلك فقط بعد قيامها بإعادة تشكيل الرواية السّرديّة والوطنيّة، فأسرعتُ وتناولتُ مَصْلَها الخفيّ والسّرّي لتكتسب مناعة تجعلها عصيّة على الفناء، ولو كما الأشجار وهي واقفة...
ولأنّني أنا مريدها خِلّا، لوى عنق المستحيلات، تركتها في مروج دواخلي ظبية تُلاعبُ روحي وأحاسيسي... قَصَّا سائفا وفق منظور سردي يتسلّل فيخترق حيطان مخزونها الثّريّ والتّر، رغم كونها ذاكرة العطر الحزين...
وكعاشق، نأى عن ليالي شهريار، رُحْتُ أدير ساقية الكلام صُحبَةَ ناعورة شهرزاد الرّاوية... أديرها كي أصحو وأنهض كلَّ صباح لأردّد:
- خيركم مّنْ حفظ وحافظ على الذاكرة وحفَّظها...
صعدت قطار الوقت، وسافرتُ في حجرتِهِ رققنها، ذاكرةً نَشْوي كمطر اللّه من السَّماء... يتهاطل هفهافا سكوبا... لكنّهُ يرفض أن يكون المِعْول لتجريفها... شددتُ الرِّحال وواصلتُ المسير، يتقدّمني هدهد مصاب بادمان السَّفر المستمرّ في الدروب العَسَليّة... نعم!!! يتقدّمني رافعا يافطة حفر عليها:
... أنا لا أريد لِذاكرتكم أن تضيع وأنتم في حُمّى الهرولة، ولو مجانيّة، حلف سرابَ الأحداث، مهما شعّ وسطع نورها...
وحتّى لا أتركها على دار مؤتمركم، مؤتمرًا في الأعالي، لن أجعلها ذاكرة تنزف حنظلة... سأمسك بيدها وأقودها الى مكاني لأعود بي الى حيفا... الى قلبها النّابض بالحياة، نعم! الى وادي النّسناس...... حيث كنتُ أجرّ القلب عكس الرّيح إن أمكن... أقارع الغيم لعلّي أعيق هجرة المطر...
ولكن، ودون أن أدري، إذا سِرْتُ... أسير بدرب التّيهِ... ألَسْتُ أنا المطرود بلا بيت؟!!!
والشَّاعر الذي حرموه قبل فطامهِ... القصيد والحليب والنَّهْد!!
تهبُّ أناي وتسألني: كيف سترست في دفاترك الرّماديّة بوابة فُسْحَةِ الأمل؟!!!
كيف، يا شاعري!!! وحتّى الشَّمس تدوسكَ وهي تمشي نحوك حافية!!!
ولم تمرُّ هُنَيْهة، لأذكّرها بأنَّ السَّعادة ليست بالوصول الى ذروة النَّجاح، بل في الطّريق إليها قِمَّة منتظرة!!!
فقررتُ أن أواصلَ سيري ولو توقّف الآخرون...
حيفا!!!/ أعطني يسار زيتونك/ غصنا/ يَمينُهُ في الثّرى المقهور/ تململ جذرا/ وتأهَّبَ مطرا/ اليوم أكملتُ اليكِ عودتي/ قميصا/ تفلَّتت أزرارُهُ/ أتركيهِ/ يلجُ خليجك بكارة/ قَفْلُها/ ما زال بِكرا/
صفعتُ وَجْهَ الغياب... وبحثت عن دخول بلا نهاية، وأنا أرتِّلُ تراتيل العودة... عودة تُغنّي سُنْبلة، وتقرع جرسا لمريم وترفع لفاطمة آذانا ومئذنة...
أتيتُهُ فدخلتُهُ... وادي النسناس أولا ببيوته القديمة وأبوابه المخلّعة التي طلّقتْها وهجرتها المفاتيح والأقفال... فحتّى إن حلَّقت فوقها طيور أبابيل، أرسلتها السَّماء أبابيل عابرة، ستعصي أمرها وتحلّق منزوعة الحجارة... ليبقى الوادي أسرة هادئة في مراتعها الواسعة ثُمّ هيأت نفسي للفرح صبيّا ارث الهزيمة في دواخِلِه ليحافظ على ما بقي فيه من أرغفة الحياة... ولو أتى بها من مدينة "أين"!!!
وذهبت الى "المدارس" مزارع... لأُحوّش: الخبيزة والعلت والميرمية، والزعتر ووو... حصادا يطعم جوع العائلة... مع توائمِهِ من المجدّرة، العدس والمخبوصة التي كانت ضيوفا دائمة على المائدة...
أنا يوسف/ آخر العاشقين مدينتي/ موتي في مائكِ/ قيامتي الأخرى/... إمْسحي/ عن وجهكِ المغدور صدأ المجاز/ أدخلك: شمسا وقمرا وأحد عشر كوكبا...
ها أنا أشهد أمامكم... أسرة أحِبُّها حُبّا بطعم الزيت والزيتون والزعتر...
ستظلُ ذاكرتي تقرأني وترويني صمودا أو تحديا... ورواية موعودة بعنقاء ستنهض من رماد الزّمن الخراب... لتجعل الحاضر ينهض من تحت الرَّدم ويُمْسِكُ بيد الغَدِ رحلة الى المطر، الى المطر...


(نصّ الشهّادة الشخصية التي ألقيت في مؤتمر التراث الفلسطيني: هُوية وانتماء الذي نظمته جامعة القدس المفتوحة في جنين...)

الثلاثاء 14/11/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع