ملاحظات على الهامش (5)


إبراهيم طه


لوحة  للفنان السوري عصام كرباج مؤلفة من أغلفة كتب، بعنوان  Unearthed


** تغيير جوهري
تغيّرت الظروف والحزب الشيوعي، أو أيّ حزب آخر، لم يعد يملك هذه السلطة أو هذه السطوة حتى يقرّر ما هو غثّ أو سمين بأدواته غير المحايدة. وللأمانة التاريخية يجب أن نؤكّد على أنّ الحزب الشيوعي صار أكثر قبولا وانفتاحًا من ذي قبل ليفتح صفحات جريدته الرسمية "الاتحاد" لكلّ الاجتهادات الأدبية والنقدية حتى للخصوم السياسيين للحزب. وهذا في الحقيقة يدلّ على تغيير جوهري في مواقف الحزب، في هذه المسألة، وهو مردود في ظني وتقديري إلى شعور بالقوّة والمنعة.   
لكن للأسف الشديد اختفت سلطة الحزب وحلّت محلّها سطوة "الشطارة" الفردية الموهوبة أو "الحداقة"


يمرّ الأدب الفلسطيني منذ بداية التسعينيّات من القرن الماضي في مرحلة جديدة أسمّيها "الحساسيّة الفردانيّة"، وهي تشمل الكتابة النسوية بوصفها ممارسة فئوية خاصّة "تنسلخ" فيها عن هموم المجموع بصفة أو بأخرى. وهذه الحساسية تشير إلى حالة من حالات الاستقرار والمنعة التي تحصّن أدبنا من "ضرورة" السقوط في أدب الشعار الذي كان من ضرورات الحساسية القديمة. والحساسية الفردانية تحتاج إلى أدوات جديدة تلائمها في الخطاب النقدي. ونقدنا ما زال في بداية الطريق يحاول تجديد أدواته بما يلائم كلّ المحاولات التجريبية في مرحلة "الحساسيّة الفردانيّة".  


//الشهادة الأولى:


يقول أنطون شماس في مقارنة "ثعلبيّة" بين شاعريّة محمود درويش وشاعرية طه محمد علي من ثقب المقولة المعروفة المنسوبة للشاعر اليوناني أركيلوكوس: "الثعلب يعرف أمورًا كثيرة، أما القنفذ فيعرف أمرًا واحدًا كبيرَ الشأن". 
"طه محمد علي (1931 - 2011)، في اعتقادي، ينتمي إلى القنافذ، بينما ينتمي محمود درويش (1941 - 2008) إلى الثعالب، وهذا يفسّر البون الشعريّ الشاسع بينهما، وقد يفسّر حقيقة كون طه محمد علي، بالمقارنة مع درويش، شاعرًا فلسطينيًا عاش شبه مغمور طوال حياته الأدبية، ولم ينل ما يستحقّه من انتباه نقدي إلا في سنواته الأخيرة. [...] فالذي عرفه طه محمد علي طوال حياته، كقنفذ نادر الصفاء والألق "يعرف أمرًا واحدًا كبير الشأن". وتمسّك به بكلّ جوارحه ووهبه كلّ تفكيره ويمّمت شطره جميع قصائده، كان اسمه صفّورية. وصفّورية، مسقط رأسه، محتها الدولة العبريّة في ال-48 وهجّرت سكّانها، وفوق أطلالها المخفيّة غرست الأشجار، يوم كان هو في السابعة عشرة، فغدت حياته منذ ذلك اليوم محاولة يائسة لعودة ضمير المتكلّم إلى ذلك الفردوس المفقود المطمور تحت الأشجار. أما درويش ففي مطلع حياته الشعرية، قبل أن يخرج إلى العالم العربي، كانت البروة الحقيقية، مسقط رأسه، الذي محته الدولة العبرية في ال-48، وفوق أطلاله غرست بالعنف رواية المنتصر، بمثابة الفكرة القنفذية التي لم يستطع ثعلبه أن يكتفي بالتعامل معها، وتاق إلى المزيد [...]، فتحوّلت البروة بالتالي إلى استعارة تومض أبدًا في الخلفيّة".  

  

//الهامش:
مشى كلٌ من الشاعرين طه محمد علي ومحمود درويش في طريقين مختلفين. يضع طه محمد علي الأنا الفردانية المتكلمة في مركز النصّ ومنها تصدر إشعاعات باتجاهات مختلفة. صفّورية المفقودة في مركز العالم وهو نفسه في مركز صفّورية. من ذاته الصفّوريّة تتبعثر المعاني وتجمح الدلالات لتشمل وطنه وشعبه كله. وحتى تتحقّق هذه المعادلة، التي أتوقّف عندها في هذه الحلقة من "ملاحظات على الهامش"، يحاول الشاعر أن يتحدّث باسم المجموع في الأدب الفلسطيني وهو يقلب القاعدة التي تقول "تخرب بإيد الكل ولا تعمر بإيد واحد" رأسًا على عقب. وحتى ينجح طه محمد علي في ذلك يلجأ إلى أمرين اثنين: (1) اللغة الصفّوريّة (2) والصدق الجغرافي والتاريخي بعيدًا عن قدرة الشعار على التهويل... هذا ما نجده في كلّ مجموعاته الشعرية الخمس. طه محمد علي بقي في صفّورية يخاطب العالم بلغة أهلها. محمود درويش غادر البروة إلى العالم ليخاطبها من هناك بلغة العالم. مسار المشي معاكس مثلما نرى.   



//الشهادة الثانية:


يقول حنا إبراهيم (في مجلة "المواكب" النصراوية سنة 1992): "في تلك الأيام [في الخمسينيّات والستينيّات] كان استقطاب سياسي على الساحة العربية استتبع استقطابًا معينًا على الساحة الأدبية. ولا ينكر أحد العلاقة الجدلية بين الأدب والسياسة. ولكنّ الخلل بدأ حين طرأ انعدام توازن بينهما، إذ طوّع زعماء الحزب الشيوعي الأدب لخدمة السياسة بشكل مباشر. ربما كان ذلك ضروريًا وصحيحًا في المرحلة الأولى إلا أنّ تجاوز نقطة التوازن أفقد الأدب والأدباء الاستقلالية، وصارت العلامة تُعطى ليس فقط للمستوى بل لدرجة التعصّب والانتماء لليسار الشيوعي في أغلب الأحيان. ومن هنا كان التمييز في تسليط الأضواء والتعتيم. وحيث أنّ الصحف اليسارية كانت هي الوحيدة ذات الاحترام فقد تأثّر النقاد وخاصّة في الخارج بموقفها. وصار الذي "تغضب عليه بنو تميم يحسب الناس كلهم غضابا". وفي المقابل فإنّ الأسماء التي أبرزتها هذه الصحافة، وليس بدون حقّ في الغالب، أصبحت رموزًا وأعلامًا لا يجد الناقد المحلي والخارجي مناصًا من الحديث عنها كلما كان الأدب العربي المحلي مدار الكتابة والحديث. لذلك رأينا ناقدًا يضع في القمّة شاعرًا محليًا لم يكتب أكثر من قصيدتين طيلة العقدين الأخيرين من الزمن".  


 
الهامش:


نعم، صحيح ما قاله الشاعر الأصيل حنا إبراهيم! حنا إبراهيم يحدّد الداء بدقّة ويشير إلى المسبّبات بقوله "ربما كان ذلك ضروريًا وصحيحًا في المرحلة الأولى". أما أنا فمتأكّد من صحّة قوله ولذلك لا حاجة لكلمة "ربّما". نعم، كان هذا الفعل "ضروريًا" في تلك السنوات الحرجة، التي كانت فيها جماهيرنا تسعى إلى التشبّث بالبقاء وتجنّد كلّ ما يساهم في المعركة المصيرية... ولا شكّ في أنّ الأمر قد ترك علامات سلبية وآثارًا جانبية على مسيرة الأدب لعقدين تاليين لا تُحمد عقباها على الأدب... تغيّرت الظروف والحزب الشيوعي، أو أيّ حزب آخر، لم يعد يملك هذه السلطة أو هذه السطوة حتى يقرّر ما هو غثّ أو سمين بأدواته غير المحايدة. وللأمانة التاريخية يجب أن نؤكّد على أنّ الحزب الشيوعي صار أكثر قبولا وانفتاحًا من ذي قبل ليفتح صفحات جريدته الرسمية "الاتحاد" لكلّ الاجتهادات الأدبية والنقدية حتى للخصوم السياسيين للحزب. وهذا في الحقيقة يدلّ على تغيير جوهري في مواقف الحزب، في هذه المسألة، وهو مردود في ظني وتقديري إلى شعور بالقوّة والمنعة.   
لكن للأسف الشديد اختفت سلطة الحزب وحلّت محلّها سطوة "الشطارة" الفردية الموهوبة أو "الحداقة" المكتسبة مع تراكم التجربة في فنّ الملاحقة والاستكتاب. وهذا أسوأ أنواع المطاردات! أسوأ بكثير من سطوة الحزب!



//الشهادة الثالثة:


ويقول في موضع آخر أيضًا والكلام لحنا إبراهيم: "وإنه لممّا يسهّل مهمّة الناقد أن يمارس الأدباء أنفسهم نقدًا ذاتيًا فلا ينشرون إلا نتاجًا مُرضيًا عنه. ولكن هذا لا يحدث في معظم الأحيان."


//الهامش:
كلام جميل! ما أجمله! حنا إبراهيم شاعرٌ أكبر منه كاتبًا. وهو شاعر مطبوع أصيل. وأقول بكلّ ثقّة إنّ الرجل الذي أثرى أدبنا وساهم في تثبيته في أحلك الظروف لم ينصفه النقد بغير وجه حقّ! لكنّ للأدب نَفَسًا طويلًا، والتاريخ كفيل بهذا الإنصاف حين تبرد الحسابات الصغيرة والاعتبارات الغريبة وحين تأتي الأيام بزمرة من الدارسين والباحثين والنقّاد الذين يكرّسون جهدهم لمتابعة أدبنا الفلسطيني بصفة حصريّة... فكرة النقد الذاتي، على النحو الذي يطرحه حنا إبراهيم، تخفّف من أزمة النقد المحلي، لأنّ الرقابة الذاتية، بخلاف الخارجية، أنفع وأثبت وهي تُغني عن النقد المحابي.



//الشهادة الرابعة:

يتحدّث أنطوان شلحت عن الحساسية الجديدة في الرواية الفلسطينية المحلية ويذكر بعض الأسماء التي تنتسب إلى هذا "الأدب الجديد" مثل رجاء بكرية وعدنية شبلي وعلاء حليحل وهشام نفاع وجمال ضاهر وآخرين... ويرى أنّ هذا "الأدب الجديد" يتميّز بما يلي:
"أولاً: له تعبيره الاجتماعي والثقافي، وله شهادته المخصوصة على المجتمع.
ثانيًا: فيه انخفاض في نبرة الصراخ والأدلجة.
ثالثًا: ينطوي على اقتحام مناطق لم تكن الطرق إليها مشقوقة في مجال التجريب والتجديد.
رابعًا: يتضمن تحدي التابوات الاجتماعية والثقافية (كما تمثل على ذلك بعض الكتابات الأيروسية لهذا الرعيل).
لعلّ هذه العناصر الأربعة ناجمة عن أن علاقة هذا الأدب الجديد مع المجتمع تبدو، من وجهة نظري، علاقة خالية من الخجل أو التنكّر. ومثل هذه العلاقة تندّ عن دلالة مزدوجة: هناك من جهة تصالح مع هذا المجتمع. وهناك من جهة أخرى قدرة فائقة على نقد هذا المجتمع. من هنا نصل إلى عنصر خامس هو الصدق في عرض الواقع. وتتميّز لغة الأدب الجديد بأنّ فيها إيحاءات، لكنها في الجوهر لغة مباشرة- وهي المؤهلة وحدها للتعبير عن العالم الذي تصفه باعتباره عالمًا حادًا، عنيفًا، حارًا، تكذب أي لغة أخرى لو حاولت التعبير عنه. وفي المجمل فإنها لغة تبتعد عن الكتابة الطهرانية سجينة البلاغة العربية".


//الهامش:

أصاب الأستاذ أنطوان في توصيفه السريع، وهو من كبار المثقّفين الفلسطينيين الذين يتميّزون برؤية عميقة وثاقبة... وأضيف إلى ما قاله الصديق أنطوان ما كنت قد أشرت إليه في إجابة على سؤاله لي في حوار سابق معه: "هل غياب "النضالية" و"المقاومة" من الأدب الفلسطيني الراهن (في الداخل خصوصا) يعبر عن تغير جمالي في فهم القضية، أم أنه تعبير عن بروز الذاتي على حساب الموضوعي الذي طبع نتاج الأدب الفلسطيني منذ الخمسينات حتى اتفاق أوسلو؟"
قلت حينها فيما أسمّيه "الحساسية الفردانيّة" في أدبنا الفلسطيني في الداخل ما معناه أنّ الأدب الفلسطيني يمرّ في مرحلة التوتّرات الناتجة عن المحاولات المتكرّرة لإعادة تعريف المركز والهامش وصياغة العلاقات التبادليّة بينهما. ومن أبرز المظاهر الأدبية التي تساهم في هذه الصياغات المجدّدة مركزة الأنا الفردية إلى جوار المجموع، مركزة المرأة في مجتمع ذكوري فحولي وموضعتها في قلب "القضية" وإسباغ الشرعيّة عليها، مركزة البيئة العامة وإحكام علاقتها بالإنسان، مركزة الكلام التداولي (Parole) إلى جانب اللغة الفوقية (Langue)، شرعنة التجريب والانفتاح على الجديد والمختلف ما يعني التحدّي المستمرّ للأنماط الكتابية السائدة، زحزحة الأنواع الأدبية من مواضعها وإعادة نشرها برؤية مختلفة، تحليل المحرّم وسفور الجسد الأنثوي بجرأة، مصادرة سلطة الكاتب التي كانت تظهر في اقتحاماته البوليسية لعملية السرد، خلط الأصوات وتعدّدية زاوية الرؤية، وتمكين ثقافة الاستجواب والحدّ من سطوة الجواب، ونعني بالاستجواب السؤال والمساءلة.


 
**الشهادة الخامسة:


كنت قد كتبت مقالا مطوّلا عن رواية هشام نفاع "انهيارات رقيقة" نشر في ملحق الاتحاد. فأرسل هشام نفاع إليّ رسالة قصيرة يعقّب فيها على مقالتي، قال فيها: "قرأت مقالك [...]حول روايتي "انهيارات رقيقة"، والتي اعتدت القول عنها متهكمًا إنها رواية مسكينة منسيّة وُلدت في غير بلدها".


**الهامش:
لكني أرى أن "نسيان" هذه الرواية هو شكل من أشكال التناسي لأنّ الخطاب النقدي عندنا في حالة ارتباك وحرج أمام المحاولات الجديدة التي لمّا يألفها أدبنا ولا نقدنا. والأدوات النقدية العتيقة لا تعرف كيف تتعامل مع هذه المحاولات ولذلك هي تحاول إقصاءها عن مركز الذاكرة الجمعية... 
الحقيقة أنّ هذه الجملة القصيرة التي كتبها نفاع قد أحزنتني جدًا لأنها ذكّرتني بوضعنا النقديّ المزري. لا يقول كاتبٌ قولا كهذا عن رواية رائدة إلا إذا بلغ من اليأس مبلغًا محبطًا! وهل يجدر بالكاتب أن يدرس علم التسويق في الجامعة حتى يعرف كيف "يصل" إلى هذا الناقد أو ذاك؟! بعض الأعمال الأدبية منسيّة ينبغي أن تُذكر، بل يجب أن تظلّ محفورة في الذاكرة، وبعضها مذكورة يُفضّل أن تُنسى، بل يجب أن تُمحى من الذاكرة إلى الأبد، وإن أصرّ أصحابها على حشرها حشرًا في واعيتنا... مؤسف جدًا ومحزن! محزن ومؤسف ما نراه وما نسمعه!


الأحد 3/12/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع